د.محمود عبدالله الحبيس يكتب: الإصلاح التعليمي: من تعثر الخطوات إلى صناعة القرارات .. القلم الأردني منبعاً للتميز والريادة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 14459
د.محمود عبدالله الحبيس يكتب: الإصلاح التعليمي: من تعثر الخطوات إلى صناعة القرارات ..  القلم الأردني منبعاً للتميز والريادة
د. محمود الحبيس

د. محمود الحبيس


لا يخلو طريق التحديث والنهوض بالتعليم من العقبات؛ فالمشاريع الاستراتيجية الكبرى بطبيعتها تواجه تحديات ميدانية وتطبيقيّة. إلا أن النظر إلى عثرات منظومة التعليم ينبغي أن يتجاوز منطق الإحباط ليكون بمثابة فرصة للتحدي، ومحطة حقيقية لإعادة التقييم والبناء.

واجهت مسيرة الانتقال في إصلاح منظومة التربية والتعليم المنبثقة عن الإصلاحات الوطنية تحديات بنيوية؛ إذ سرعان ما تسلل الوهن إلى جسد هذه الإصلاحات، بدءاً من مرحلة الثانوية العامة. ويعود ذلك إلى غياب الرؤية الشمولية في قيادة قاطرة التعليم، وهو ما تجلى في توالي القرارات غير المدروسة وحالة التراجع التي رصدتها الأدبيات والمقالات النقدية. إن هذا التشخيص لا يقلل من شأن القائمين على المراحل السابقة، والذين نثمن محاولاتهم الوطنية، لكنه يؤكد بوضوح أن مصير المجتمع ومستقبل أجياله لا يمكن رهنه لسياسات التجربة والخطأ، بل يتطلب بناء خطط استراتيجية محكمة ومستدامة.

تبرز الأصوات والمقالات التي ترصد مواطن الخلل وتشير إلى الإخفاقات كأدوات تقويمية هامة. ولا ينبغي أبداً تفسير هذا النقد على أنه "شيطنة" لجهود التطوير أو تصفية حسابات والزعم أن جهات معينة تقف وراءها هروباً من مسرح الإخفاق ، أو إيجاد شماعة في عرقلة الإصلاحات ، بل هو في حقيقته أفكار وطنية غيورة، تنبع من حرص المجتمع بجميع أطيافه على مستقبل أجياله. فالإصلاح ليس مسؤولية جهة بمفردها، بل هو مشروع وطني جامع يتسع لجميع الآراء البناءة.


في هذا السياق، إن وجود الإخفاقات لا يعيب مسيرتنا الوطنية؛ فالخطأ في التجربة الإنسانية والتخطيطية أمر وارد، لكن العيب يكمن في الإصرار عليه أو تجاهله.فقد ارشدنا التخطيط الى أن لا فشل في التخطيط بل محاولة النجاح في الفشل ، والفشل ليس نتيجة بل وسيلة للنجاح والنهوض ، فنقول شكراً لمن حاول التحديث والتطوير ولا يعيبكم الإخفاق .

إن هذه العثرات هي الوقود الحقيقي لإعادة التجديد في صناعة القرارات التربوية، وضمانة حيوية لابتكار حلول أكثر مرونة وعمقاً، تمكّن مشروعنا الوطني التعليمي من المضي قدماً نحو التحديث بخطى ثابتة ورؤية واضحة بأعتبارالتعليم: قاطرة الاصلاح،وهنا يبرز أن التعليم ينزف، والإسعاف لا يكون بالاجتماعات، بل بالتدخل الجراحي الفوري.والتعليم يحتاج إلى ورشة طوارئ إصلاحية ميدانية، لا إلى لجان مستهلكة ومؤتمرات استعراضية.

الواقع التعليمي الحالي يفرض تجاوز التنظير والبدء الفوري والأنخراط بورشة العمل المباشر بالثوابت الاتية:
- ميدان لا جدران.
- قرارات لا توصيات.
- حلول لا تشخيص.
- نتائج ملموسة.

الإصلاح التعليمي العاجل يتطلب ورشة خطة طوارئ تنفيذية، تخضع لرقابة صارمة ومساءلة فورية بناءً على نتائج ملموسة.وضمن ورشة الطوارىء الاستراتيجية المقترحة القائمة على المحاسبة والسرعة تتضمن:

• مصفوفة زمنية ملزمة: تحديد جدول زمني بالأيام والأسابيع (وليس الأشهر والسنوات) لإنهاء كل مهمة إصلاحية. وهنا ليشترك المجتمع المحلي .

• ربط المسؤولية بالأفراد: إلغاء مسمى "اللجنة " وتعيين مشرف مباشر لكل ملف؛ ليعرف الجميع مَن المسؤول عن النجاح أو الفشل.

• مؤشرات أداء علنية : نشر تقارير أداء دورية (شهرياً) تظهر نسبة الإنجاز في المدارس والمناهج بشكل يتيح للرأي العام مراقبتها. أنها مؤشرات الأداء الرئيسية (Key Performance Indicators)، وهي مقاييس كمية أو نوعية تُستخدم لتقييم مدى النجاح أو الفرق أو في تحقيق الأهداف المرجوة.

نتحدث في الجامعات عن أهمية مؤشرات الأداء (KPIs) التي تكمن في :

• قياس التقدم: توضح بدقة مدى الاقتراب من تحقيق الأهداف المطلوبة من التربية والتعليم .

• اتخاذ القرارات: توفر بيانات دقيقة تساعد على التوجيه والتحسين في العمليات.


• تحديد نقاط القوة والضعف: تكشف عن المجالات التي تحتاج إلى تطوير والمجالات التي تحقق نجاحاً فعلياً.

لكي يكون مؤشر الأداء فعالاً، فيجب أن تتوفر خصائص المؤشرات الناجحة لتلك المعايير (SMART):

- محدد (Specific): واضح ومرتبط بهدف معين.

- قابل للقياس (Measurable): يمكن التعبير عنه برقم أو نسبة واضحة.

- قابل للتحقيق (Achievable): واقعي وممكن التنفيذ.

- ذو صلة (Relevant): يخدم الأهداف العامة للعمل.

- محدد بوقت (Time-bound): له إطار زمني واضح للتحقيق

وبذلك يتطلب :

1. تفعيل بند العقاب والمكافأة: إعفاء أي مسؤول يقصر في تحقيق مستهدفات الطوارئ فوراً، ومكافأة الميدان المتميز.

2. خط ساخن للمساءلة: فتح قنوات مباشرة لشكاوى(الميدان والمجتمع ) ، المعلمين وأولياء الأمور، للتبليغ عن الخلل أو التطبيق، مع إلزامية الرد والحل خلال فترة قصيرة.

بناءً على ما تقدم، يتضح أن شعار "التعليم أولاً" هو البلسم الشافي لترميم عثرات مؤلمة، والبوصلة الحقيقية لتحقيق الرؤى الملكية للتحديث. لقد آن الأوان ليعود القلم الأردني منبعاً للتميز والريادة؛ فبالتعليم نداوي الإخفاقات، وبإصلاحه نعيد صياغة فجر جديد مشرق للأردن الحبيب.

إن معالجة الفجوات وإصلاح عثرات المنظومة التعليمية لم يعد يحتمل التأجيل، بل هو واجب وطني لإعادة الهيبة والمكانة المرموقة للتعليم الأردني. ومن خلال وضع التعليم في مقدمة الأولويات، وصياغة قصة النجاح الأردنية بأيدي أجيالنا المبدعة.

هذا الطرح يعكس رؤية وطنية تضع الإصلاح التربوي في سياقه الصحيح كعملية مستمرة وقابلة للتصحيح والتقييم. وضمن هذا الطرح يمكن التركيز على صياغة نقاط مختصرة ومؤثرة كالتالي:

1. العثرات فرصة للتصحيح: إن التحديات والإخفاقات في مسيرة إصلاح التعليم ليست نهاية المطاف، بل هي محطات مراجعة ضرورية لتجديد القرارات وتصويب المسار.

2. النقد الوطني البناء: المقالات والآراء المنشورة حول التعليم لا تهدف إلى "شيطنة" الإصلاح أو إحباطه، بل هي أفكار وطنية غيورة تسعى للتقويم والتجويد.

3. تكامل الجهود بالمشروع الوطني: لا يعيب المسيرة الوطنية وجود هفوات، فالتحديث الحقيقي ينبع من القدرة على النهوض من العثرات وتحويلها إلى قوة دفع تدعم المشروع الإصلاحي العام.
4. الإصلاح بلا رقابة ومساءلة هو مجرد وعود قديمة بثوب جديد.

ختاماً، إن إعادة الألق للتعليم الأردني ليعود منارةً كما كان، هي الخطوة الأولى والأساسية لترجمة الرؤى الملكية السامية على أرض الواقع. ورغم ما واجهته مسيرتنا التعليمية من كبوات وتحديات في الآونة الأخيرة، إلا أن الإرادة الهاشمية تمنحنا فرصة حقيقية اليوم لتحويل هذه الإخفاقات إلى نقطة انطلاق جديدة. إن الاستثمار في العقل الأردني ليس مجرد ترف، بل هو رهاننا الأوحد لاستعادة الصدارة وبناء أردن المستقبل.

 

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم