وبالنسبة إلى معظمهم، تبدو هذه الحركة جزءًا روتينيًا من الحياة؛ لكن بالنسبة إلى أنظمة المدن الحديثة، يمكن أن تتحول هذه التحركات إلى بيانات ترسم صورة واسعة عن كيفية عيش السكان وتحركهم واستخدامهم للمدينة.
ومع توسع استخدام أجهزة الاستشعار والكاميرات وأنظمة النقل والتطبيقات الرقمية، باتت المدن تجمع معلومات لم تكن متاحة بهذا الحجم من قبل.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل بدأت المدن تعرف عن سكانها أكثر مما يعرف السكان عن المدن التي يعيشون فيها؟
أنماط يصعب ملاحظتها
ولم تعد المدينة مجرد مبانٍ وطرق وإشارات مرور؛ ففي كثير من المناطق الحضرية، أصبحت البنية التحتية نفسها مصدرًا للبيانات.
فإشارات المرور يمكن أن تسجل أنماط الحركة، وأنظمة النقل تعرف حجم الطلب على بعض الخطوط، وأجهزة الاستشعار تستطيع رصد مستويات الضوضاء أو جودة الهواء أو استهلاك الطاقة.
وهذه البيانات، عند جمعها وتحليلها، يمكن أن تكشف أنماطًا يصعب على الفرد ملاحظتها.
فقد يظهر مثلًا أن شارعًا معينًا يشهد ازدحامًا متكررًا في فترة محددة، أو أن محطة نقل تصبح نقطة تجمع رئيسية في أوقات معينة من اليوم.
ما الذي تعرفه المدينة؟
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المدينة تعرف كل فرد بصورة شخصية؛ لكن الأنظمة الرقمية تستطيع تكوين صورة إحصائية واسعة عن سلوك السكان.
وتزداد أهمية هذه القدرة عندما تُدمج مصادر مختلفة للبيانات؛ فبيانات النقل، على سبيل المثال، يمكن أن تساعد في فهم حركة السكان، بينما يمكن لبيانات الطاقة أن تقدم مؤشرات عن أنماط الاستهلاك.
ومع تقنيات الذكاء الاصطناعي، يصبح تحليل هذه الكميات الضخمة من المعلومات أسرع وأكثر تعقيدًا.
وهنا تظهر مفارقة لافتة، وهي أن برمجيات الذكاء الإصطناعي يمكنها اكتشاف نمط في المدينة لا يلاحظه سكانها، رغم أنهم يعيشون هذا النمط يوميًا.
ولكن رغم قوة البيانات، فإنها لا تقدم صورة كاملة عن الحياة الحضرية؛ فالرقم لا يخبرنا بالضرورة لماذا اختار شخص شارعًا معينًا، أو لماذا يشعر سكان حي ما بالانتماء إليه، أو كيف ينظر السكان إلى التغيرات التي تحدث حولهم.
فالمعرفة التي تنتجها البيانات هي في جانب كبير منها معرفة بالأنماط، بينما تظل التجربة الإنسانية مصدرًا لفهم المعاني والدوافع والمشاعر التي يصعب تحويلها إلى أرقام.
بين المعرفة والخصوصية
كلما زادت قدرة المدن على جمع البيانات وتحليلها، زادت الأسئلة المتعلقة بالخصوصية والشفافية. من يجمع البيانات؟ ولأي غرض؟ وكم من الوقت تُحفظ؟ وهل يعرف السكان كيف تُستخدم المعلومات التي تنتجها تحركاتهم اليومية؟ وهذه الأسئلة أصبحت جزءًا أساسيًا من النقاش حول المدن الذكية.
فالتكنولوجيا يمكن أن تساعد في تحسين النقل والخدمات وإدارة الموارد، لكنها في الوقت نفسه تجعل حدود المعرفة بين المدينة وسكانها أكثر تعقيدًا.
وفي النهاية، ربما لا تكون المسألة أن المدن أصبحت تعرفنا أكثر مما نعرفها، بل أن المدينة الرقمية بدأت ترى نفسها وسكانها من خلال طبقة جديدة من المعلومات.
وبينما يواصل السكان عيش تفاصيل المدينة يومًا بيوم، تستطيع البيانات أن تكشف صورة أوسع وأبعد مدى، لكنها تظل صورة تحتاج إلى الإنسان حتى تُفهم.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات