عبدالله الطراونة يكتب: رسائل ما وراء الخطاب الهاشمي… كيف أعاد جلالة الملك عبدالله الثاني تثبيت الموقف الأردني أمام العالم؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 19948
عبدالله الطراونة يكتب: رسائل ما وراء الخطاب الهاشمي… كيف أعاد جلالة الملك عبدالله الثاني تثبيت الموقف الأردني أمام العالم؟
عبدالله جبر سليم الطراونة

عبدالله جبر سليم الطراونة

لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، الثلاثاء، مجرد عرض لمواقف الأردن تجاه أزمات المنطقة، بقدر ما حمل رسائل سياسية واضحة بشأن فلسطين ومستقبل الإقليم وحدود المصالح الوطنية الأردنية.
ومنذ بداية الخطاب، اختار الملك مدخلاً لافتاً حين تحدث عن عالم تتزاحم فيه الأزمات وتتراجع فيه قدرة الإنسان على الاحتفاظ بالانتباه طويلاً، قبل أن ينقل الفكرة من بعدها الإنساني إلى بعدها السياسي، معتبراً أن الانتباه داخل أروقة الأمم المتحدة لم يعد مورداً معرفياً فحسب، بل أصبح أيضاً مورداً جيوسياسياً يحدد أي النزاعات تحظى بجهود دبلوماسية مستدامة وأيها يتراجع إلى هامش الاهتمام الدولي.
ومن هذه الفكرة، انتقل الخطاب إلى القضية الفلسطينية، باعتبارها نموذجاً واضحاً لما يمكن أن يحدث حين يتحول التعامل مع أزمة ممتدة من السعي إلى حلها إلى الاكتفاء باحتوائها.
فالملك ذكّر بأنه حذر على مدى عقود من مخاطر ترك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون حل، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي اختار احتواء الصراع بدلاً من التصدي لحله، فيما أدت الانتهاكات المتلاحقة والوقائع المفروضة على الأرض إلى أن يصبح ما كان يقدم على أنه مؤقت واقعاً دائماً.
وفي غزة، جاء الخطاب مباشراً في توصيفه للمشهد، فيما خصص مساحة واسعة لما يجري في الضفة الغربية، محذراً من أن ما يحدث هناك لم يعد مجرد تصعيد أو أحداث منفصلة.
ووصف الملك هدم منازل الفلسطينيين لتوسيع المستوطنات غير القانونية بأنه ترحيل قسري، والاستيلاء على الأراضي المحتلة بأنه ضم فعلي، قبل أن يصف السياسة الهادفة إلى إجبار شعب بأكمله على مغادرة أرضه بأنها تهجير قسري وجريمة حرب. كما ربط بين ما يحدث في غزة والضفة الغربية، مؤكداً أن النتيجة التي تقود إليها هذه السياسات هي جعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً مستحيلاً.
لكن الرسالة لم تتوقف عند توصيف ما يجري.
فالخطاب وضع مسألة التحرك الدولي في صلب النقاش، حين أكد أن التقاعس السياسي العالمي ليس ناجماً عن غياب الخيارات، مشيراً بصورة واضحة إلى أدوات يمتلكها المجتمع الدولي، من بينها العقوبات وتجميد الأصول وفرض الحظر والعزل الدبلوماسي، ومذكراً بأن مثل هذه الأدوات استُخدمت في قضايا أخرى، في حين تبقى القرارات المتعلقة بإسرائيل، بحسب الخطاب، حبراً على ورق.
وهنا تظهر إحدى أكثر رسائل الخطاب وضوحاً: المشكلة، كما طرحها الملك، ليست في غياب الأدوات بقدر ما هي في قرار استخدامها من عدمه.
أما في العمق الأردني، فقد اتخذ الخطاب نبرة أكثر ارتباطاً بالمصالح الوطنية المباشرة للمملكة.
فبعد حديثه عن التوغلات الإسرائيلية المتكررة في سوريا وفرض وقائع جديدة على الأرض تمس، من بينها، مصادر مائية حيوية، حدد الملك الموقف الأردني بعبارة لا تحتمل كثيراً من التأويل: أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني. وأكد أن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.
وتكتسب هذه الفقرة أهميتها من أنها تضع تطورات جنوب سوريا ضمن دائرة الأمن الوطني الأردني بصورة مباشرة، فلا يعود المشهد السوري مجرد ملف إقليمي مجاور، بل مسألة ترتبط بحدود المملكة ومياهها ومصالحها.
وفي موازاة ذلك، حافظ الخطاب على معادلة أردنية أخرى تقوم على الجمع بين الانفتاح السياسي والثبات في الموقف.
فالملك قدم الأردن بوصفه بلداً يمكن للعالم الاعتماد عليه، وفياً لمبادئه وملتزماً بمواقفه ومستعداً للحوار مع الجميع والعمل مع كل من يسعى إلى السلام. لكنه أتبع ذلك برسالة واضحة مفادها أن التمسك بالدبلوماسية لا يعلو على الالتزام بالقيم الإنسانية، ولا ينبغي أن يؤخذ هذا النهج كأمر مسلم به أو أن يُساء تقديره على أنه ضعف.
وهذه العبارة، تحديداً، تختصر جانباً مهماً من الموقف الأردني في هذه المرحلة: الحوار والسلام خياران ثابتان، لكنهما لا يعنيان التراجع عن حماية المصالح الوطنية أو التخلي عن المبادئ التي يستند إليها الموقف الأردني.
وفي السياق ذاته، أعاد الملك التأكيد على استمرار الأردن في دعم الصمود الفلسطيني ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وعلى حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وعند جمع هذه الرسائل معاً، يظهر أن خطاب نيويورك تحرك في أكثر من مسار في الوقت نفسه: فلسطين وحقوق شعبها، الأمن الوطني الأردني، مستقبل الإقليم، وفاعلية النظام الدولي وقدرته على تطبيق القواعد التي يستند إليها.
ولعل الخيط الذي جمع هذه المسارات كلها كان فكرة "الانتباه" التي افتتح بها الملك خطابه وعاد إليها في ختامه.
فالمسألة لم تكن، في مضمون الخطاب، مجرد سؤال حول الأزمة التي يتابعها العالم اليوم، بل حول ما يحدث عندما يتراجع الاهتمام وتبقى الأسباب والوقائع على الأرض تتراكم بعيداً عن الأضواء.
ولهذا أكد الملك أن مبادئ الأردن لا يمكن أن تتغير مع تغير انتباه العالم، سواء تعلق الأمر بغزة أو السودان أو أوكرانيا أو بأي مكان تعيش فيه الشعوب الحروب والتهجير والخوف. كما شدد على أن القوة العسكرية وحدها لا تقدم حلولاً فاعلة، وأن مواجهة هذه التحديات تحتاج إلى مؤسسات تتمتع بالشرعية وإلى الثقة بين الدول وفي الاتفاقيات وفي تطبيق القوانين.
وبهذه القراءة، لم يكن خطاب الملك أمام الأمم المتحدة حديثاً عن غزة أو الضفة الغربية أو سوريا كملفات منفصلة، بل طرحاً أردنياً يربط بينها ضمن صورة إقليمية ودولية أوسع؛ صورة يكون فيها احترام القانون والحقوق والسيادة أساساً للاستقرار، وتكون فيها الدبلوماسية أداة للسلام لا بديلاً عن حماية المصالح الوطنية.
ومن فلسطين إلى حدود الأردن الشمالية، بقيت الرسالة الأردنية متماسكة: التمسك بالسلام، والاستمرار في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والحفاظ على ثوابت المملكة ومصالحها، مهما تبدلت الأزمات أو انتقل اهتمام العالم من ملف إلى آخر.

عبدالله جبر سليم الطراونة
سفير السلام لدى منظمة الإيسيسكو الممثل عن المملكة الأردنية الهاشمية
23/9/2026
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم