عبدالحليم ابوشريعه (العبادي) يكتب :"ما نتجاهله اليوم يصنع مستقبلنا" .. الملك يضع العالم أمام مرآته

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 34700
عبدالحليم ابوشريعه (العبادي) يكتب :"ما نتجاهله اليوم يصنع مستقبلنا" ..  الملك يضع العالم أمام مرآته

عبدالحليم ابوشريعه (العبادي)

في عالم تتسابق فيه الأخبار والأزمات على دقائق من اهتمام الناس، جاءت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لتطرح سؤالا يتجاوز حدود اللحظة السياسية: "ماذا يحدث عندما يعتاد العالم على المأساة؟"

لم يختر جلالة الملك أن يبدأ من تفاصيل الحرب، ولا من خرائط النفوذ والصراعات، بل من فكرة أكثر عمقا: الانتباه.

فالملك يرى أن العالم لم يعد يفتقر إلى المعلومات، بل بات يواجه مشكلة مختلفة؛ وفرة هائلة من الأحداث والمعلومات تجعل الاهتمام نفسه موردا نادرا. وما يختار العالم أن يمنحه اهتمامه لا يحدد فقط ما يتصدر نشرات الأخبار، بل قد يحدد مصير شعوب وأزمات ودول.

ومن هنا يمكن قراءة الكلمة باعتبارها "محاولة لوضع المجتمع الدولي أمام مرآة قراراته".

**حين يصبح المؤقت دائما

في القضية الفلسطينية، قدم الملك نموذجا واضحا لما يحدث عندما تتحول الأزمات المؤقتة إلى واقع دائم.

فعلى مدى عقود، حذرت الأردن من مخاطر إبقاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بلا حل، لكن المجتمع الدولي، وفقا لما طرحه الملك، اختار في مراحل طويلة إدارة الصراع واحتواءه بدلا من معالجة جذوره.

والنتيجة أن ما كان يفترض أن يكون مؤقتا أصبح دائما، وما كان استثناء أصبح نهجا.

هذه الفكرة هي واحدة من أكثر مفاتيح الخطاب أهمية؛ لأن الملك لا يتحدث عن غزة والضفة الغربية باعتبارهما مجرد أزمة راهنة، وإنما باعتبارهما نتيجة لمسار طويل سمح بتراكم الوقائع على الأرض.

وفي غزة، يرفض الخطاب التعامل مع ما يحدث باعتباره مجرد تبعات للحرب، بينما يلفت في الضفة الغربية إلى الاستيطان ومصادرة الأراضي والعنف والتهجير.

المسألة، إذن، ليست فقط ما يحدث الآن، وإنما ما الذي سيبقى على الأرض بعد أن ينتهي اهتمام العالم بالحدث؟.

** أخطر ما في الأزمات هو الاعتياد عليها

في جوهر خطاب الملك تحذير من ظاهرة قد تكون أخطر من الأزمة نفسها: الاعتياد.

عندما تتكرر صور الحرب والدمار والتهجير، يصبح الخطر أن تتحول المأساة من حدث يستدعي التحرك إلى خبر عابر.

وهنا تتضح أهمية العبارة التي اختارها الملك: "ما نهمله اليوم، غالبا ما يشكل مستقبلنا."

فالإهمال، في هذه القراءة، ليس موقفا محايدا.

عدم التحرك أمام أزمة يعني السماح لها بالتطور، وعدم معالجة جذور نزاع يعني توريثه إلى الأجيال المقبلة، والتعامل مع انتهاك متكرر باعتباره واقعة عابرة قد يحوله في النهاية إلى أمر طبيعي.

وهذا تحديدا ما يجعل خطاب الملك يتجاوز القضية الفلسطينية إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل النظام الدولي.

القانون الدولي.. ماذا يبقى منه إذا لم يطبق؟

في جانب آخر، طرح الخطاب سؤالا مباشرا حول قيمة القانون الدولي.

فالملك أشار إلى أن المجتمع الدولي يمتلك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية للتعامل مع الأزمات، لكنه تساءل عن معنى القرارات الدولية عندما تبقى، في بعض الحالات، دون أثر فعلي.

وهنا لا يكتفي الخطاب بالمطالبة بموقف تجاه قضية محددة، وإنما يضع أمام المجتمع الدولي اختبارا لمصداقية منظومته نفسها.

فالقانون، لكي يحافظ على قيمته، لا يكفي أن يكون موجودا على الورق.

والمؤسسات الدولية، لكي تحافظ على ثقة الشعوب، تحتاج إلى أن تكون قادرة على ترجمة المبادئ إلى أفعال.

ومن هنا كان حديث الملك عن الثقة بين الدول، والثقة في الاتفاقيات، والثقة بأن القوانين ستطبق فعليا.

** الأردن.. دبلوماسية لا تعني التراجع

وسط هذا المشهد الدولي المضطرب، رسم جلالة الملك ملامح الدور الأردني بوضوح.

الأردن يتمسك بالدبلوماسية، ويدعم السلام العادل، ويواصل دعم الشعب الفلسطيني والأونروا، ويحمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

لكن في المقابل، وضع الملك الأمن الوطني الأردني في منطقة لا تقبل الالتباس.

فالحدود الشمالية والأمن المائي، كما أكد، جزء من الأمن القومي الأردني.

وهنا تبدو الرسالة الأردنية واضحة: الدبلوماسية خيار ثابت، لكنها ليست بديلا عن حماية المصالح الوطنية.

ولهذا جاءت العبارة التي تؤكد أن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي أن يفسر على أنه ضعف.

إنها معادلة يحاول الأردن تثبيتها في الإقليم: الحوار والانفتاح من جهة، والوضوح في حماية المصالح الوطنية من جهة أخرى.

** الأردن لا ينتظر استقرار المنطقة.. بل يبني قدرته على الصمود

من النقاط اللافتة في خطاب الملك أنه لم يقدم الأردن باعتباره دولة تنتظر انتهاء أزمات المنطقة حتى تبدأ العمل.

بل تحدث عن مسارين متوازيين.

الأردن يتعامل مع الأزمات الإنسانية والأمنية، وفي الوقت نفسه يعزز الروابط التجارية والصناعية والتكنولوجية.

يواجه الإرهاب وتهريب المخدرات، وفي الوقت نفسه يطور قدراته الدفاعية.

يدعم صمود الفلسطينيين، ويتمسك بالسلام، ويحافظ على دوره في القدس.

وهذه الصورة تكشف عن فلسفة سياسية تقوم على أن الأردن لا يستطيع اختيار الظروف المحيطة به، لكنه يستطيع أن يبني قدرته على التعامل معها.

** الرسالة الأهم.. لا تجعلوا المأساة خبرا قديما

ربما يمكن اختصار خطاب الملك كله في فكرة واحدة: "لا تسمحوا للوقت بأن يحول الخطأ إلى واقع، ولا تسمحوا للتكرار بأن يحول المأساة إلى أمر طبيعي."

فغزة التي تخسر اهتمام العالم لا تتوقف عن المعاناة، والضفة التي تتراجع من عناوين الأخبار لا تتوقف فيها الوقائع على الأرض، والأزمات التي تختفي من شاشات العالم لا تختفي من حياة الناس.

ولهذا فإن المعركة التي يتحدث عنها الملك ليست فقط معركة سياسية أو عسكرية، وإنما معركة على الذاكرة والاهتمام والإرادة.

من يحدد ما يستحق الاهتمام يساهم، بشكل أو بآخر، في تحديد ما سيصبح جزءا من الواقع.

** كلمة الملك.. رسالة تتجاوز قاعة الأمم المتحدة

في النهاية، لم تكن كلمة جلالة الملك مجرد تسجيل للموقف الأردني من أزمات المنطقة، بل محاولة لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أكبر.

مسؤولية ألا تتحول الأزمات إلى ملفات مؤجلة، وألا يصبح القانون الدولي انتقائيا، وألا تتحول المعاناة الإنسانية إلى مشهد مألوف، وألا يُساء تفسير الدبلوماسية باعتبارها تراجعا.

وفي المقابل، جاءت الرسالة الأردنية واضحة في ما يتعلق بالمصالح الوطنية: الأردن متمسك بالسلام والحوار، لكنه يعرف أيضا ما الذي يعنيه أمنه القومي، وما الذي لا يمكن تركه للمجهول.

وبين كل هذه الرسائل، بقيت الفكرة التي بدأ بها الملك حاضرة حتى النهاية:

المستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما بما نختار أن نتجاهله.

وهنا تحديدا تكمن قوة الكلمة؛ فهي لا تسأل العالم فقط: ماذا ستفعلون؟

بل تسأله سؤالا أكثر صعوبة: ماذا ستدفعون ثمن تجاهله؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم