سرايا - أبها موطن الجبال والغابات والضباب، ووجهة تتقاطع فيها الطبيعة مع التراث والفن. في أبها، تبدو عسير في أكثر صورها شاعرية؛ مدينة معلّقة على قمم السروات، تتبدّل ملامحها مع السُّحب والضوء، وتفتح للزائر أبواباً إلى عالم من الغابات والوديان والقرى التراثية والتجارب الثقافية. تستقر أبها على ارتفاع يقارب الـ2200 متر عن سطح البحر، وهي إحدى أكثر الوجهات الجبلية تميزاً في المملكة. هنا، الرحلة ليست مجرد زيارة إلى مدينة جديدة، بل تبدو أقرب إلى انتقال بين مشاهد متعاقبة: قمم خضراء تلامس الضباب، ووديان تنفتح بين الجبال، وغابات العرعر تمتد على السفوح، ومبانٍ تراثية تروي عبر ألوانها وزخارفها قصة ثقافة عسيرية متجذّرة.
مدينة بين الجبال والسحاب
الارتفاع الكبير لأبها عن سطح البحر ينعكس على مناخها، الذي يتميز باعتدال نسبي مقارنةً بكثير من مناطق المملكة. وقد تتساقط الأمطار صيفاً، فيما ينتشر الضباب على القمم والمرتفعات ليمنح المشهد أجواءً حالمة، ويحوّل الجبال إلى مساحات من الأخضر والرمادي والفضّي. ولا تقتصر أهمية أبها على كونها مدينة جبلية ذات مقومات سياحية، بل هي أيضاً المركز الحضري والإداري لمنطقة عسير، ونقطة اتصال مهمة بين المدن والقرى الجبلية والسهول المحيطة بها. كما تمثل أبها مركزاً تجارياً وثقافياً للمنطقة، وتستقطب المنتجات الزراعية والحِرف اليدوية الوافدة من القرى المجاورة، إلى جانب الفعاليات والمهرجانات التي تحتفي بالهوية العسيرية.
السودة: حيث تبدأ الحكاية من أعلى القمم
لا تكتمل زيارة أبها من دون التوجّه إلى جبال السودة، إحدى أبرز الوجهات الطبيعية في منطقة عسير. تغطي الغابات الكثيفة أجزاء واسعة من المرتفعات، بينما يضفي الضباب الذي يهبط على القمم بين حين وآخر طابعاً درامياً على المشهد. وتُعد السودة قاعدة مثالية لاكتشاف الطبيعة الجبلية، سواء من خلال المسارات والمناطق المفتوحة أو عبر رحلات التلفريك التي تمنح الزائر فرصة رؤية المشهد من الأعلى. ومن هناك، يمكن الاستمتاع بإطلالات واسعة على الجبال والوديان، فيما تتحوّل الرحلة في الأيام الضبابية إلى تجربة بصرية استثنائية.
وتنطلق من جبال السودة أيضاً إحدى رحلات التلفريك باتجاه رجال ألمع، لتجمع الرحلة بين متعة التحليق فوق الطبيعة واكتشاف إحدى أبرز القرى التراثية في عسير.
الجبل الأخضر: أبها من الأعلى
من أشهر معالم المدينة جبل ذرة، المعروف باسم الجبل الأخضر، الذي يرتفع فوق أبها ويمنح زوّاره إطلالات بانورامية على المدينة. وتزداد جاذبيته بعد غروب الشمس، حين تضيء أنواره الخضراء سفوحه، فيتحول إلى أحد المشاهد المميزة لأبها ليلاً.
ويضم الجبل متنزّهات ومطاعم ومقاهي، ويمكن الوصول إليه عبر التلفريك من محطة أبها الجديدة بالقرب من بحيرة السد، في رحلة تستغرق نحو 20 دقيقة، وتتيح رؤية المدينة من زاوية مختلفة.
أما بحيرة السد نفسها، فتشكل إحدى نقاط الاستمتاع بالمدينة، ومنها تنطلق رحلات التلفريك باتجاه الجبل الأخضر، قبل مواصلة الرحلة في بعض المسارات نحو متنزّه "أبو خيال".
ممشى الضباب ونزهة بين السحاب
ربما لا يوجد اسم أكثر تعبيراً عن شخصية أبها من ممشى الضباب، المعروف أيضاً باسم كورنيش الضباب. يقع الممشى على المرتفعات، حيث يمكن الزائر أن يعيش تجربة تبدو فيها الغيوم قريبة إلى حد يمكن معه تخيّل المشي بينها. المشهد هنا يتغير باستمرار مع حركة السُّحب والضباب، فيما توفر المطاعم والمقاهي المنتشرة في المنطقة فرصة للاستمتاع بالطبيعة في أجواء هادئة. وهو من الأماكن التي تصلح للتنزّه والتصوير والاسترخاء، خصوصاً لمَن يبحث عن الجانب الأكثر شاعريةً في أبها.
قرية مفتاحة مساحة للفن
إذا كانت الجبال تقدّم الوجه الطبيعي لأبها، فإن قرية مفتاحة تقدّم روحها الثقافية. يعود تاريخ القرية إلى مئات السنين، وقد أُعيد ترميمها وتحويلها إلى مركز للفنون والتراث والحِرف والصناعات اليدوية. المباني الملوّنة والممرات الداخلية والخارجية تستحضر العمارة العسيرية التقليدية، بجدرانها الطينية السميكة وتفاصيلها وألوانها المميزة. وبين هذه المباني، يجد الزائر مساحات للفنون التشكيلية والتصوير والحِرف، إلى جانب مركز الملك فهد الثقافي والمسرح والقرية التشكيلية.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات