إلغاء حبس المدين بعد أكثر من عام: أثر التنفيذ المدني على الائتمان والعجلة الاقتصادية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 46500
إلغاء حبس المدين بعد أكثر من عام: أثر التنفيذ المدني على الائتمان والعجلة الاقتصادية

محمد ابراهيم مطالقة محام وباحث قانوني

في الخامس والعشرين من حزيران 2025 دخلت التعديلات المتعلقة بحبس المدين في قانون التنفيذ الأردني حيز التطبيق، بعد فترة انتقالية امتدت ثلاث سنوات منذ صدور القانون المعدل رقم (9) لسنة 2022.

وكانت المادة (22) من أبرز مواضع التعديل، إذ لم يعد حبس المدين جائزاً في حالة عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي، مع بقاء حالات واستثناءات نص عليها القانون، من بينها الالتزامات الناشئة عن عقود العمل وعقود إيجار العقار.

وقد جرى اختصار هذا التحول في الخطاب العام بعبارة "إلغاء حبس المدين"، إلا أن القراءة القانونية الأدق هي أن المشرّع قيّد الحبس في نطاق واسع من الالتزامات المدنية والتعاقدية، ولم يلغِ مسؤولية المدين عن الدين، ولم يلغِ حق الدائن في التنفيذ على أموال المدين.

وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.

فإذا كانت الدولة قد اختارت حماية الحرية الشخصية ومنع تحويل العجز عن الوفاء بدين مدني إلى سبب للحبس، فإن عليها في المقابل أن تضمن للدائن وسائل تنفيذ فعالة وسريعة للوصول إلى حقه.

وهذا ليس شأناً قانونياً محضاً.

فالتنفيذ المدني يرتبط مباشرة بالائتمان. والائتمان يرتبط بالتجارة والاستثمار والتمويل والبيع الآجل، وهذه جميعها تشكل جزءاً من العجلة الاقتصادية.

ومن هنا يصبح السؤال بعد أكثر من عام على دخول التعديل حيز التنفيذ:

هل استطاعت منظومة التنفيذ البديلة أن تحقق التوازن بين حماية المدين وضمان حق الدائن، من دون أن ترفع مخاطر الائتمان أو تزيد كلفة التعاملات؟

---

أولاً: إلغاء الحبس لا يعني إلغاء الدين

من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح أن تقييد حبس المدين يعني إضعاف الالتزام ذاته.

والحقيقة القانونية مختلفة.

فالمدين الذي لا يجوز حبسه بسبب عجزه عن الوفاء بدين تعاقدي لا يصبح بريئاً من الدين، ولا يسقط الحكم الصادر بحقه، ولا يفقد الدائن حقه في اتخاذ الإجراءات التنفيذية التي يجيزها القانون.

المسألة تتعلق بوسيلة التنفيذ لا بوجود الحق.

وهذه التفرقة جوهرية.

فالدائن الذي حصل على حكم قضائي لا يملك حقاً في سلب حرية مدينه لمجرد أن الدين لم يُدفع، لكن له حق في أن توفر الدولة وسيلة فعالة للوصول إلى أموال المدين ودخله ضمن حدود القانون.

وفي المقابل، فإن حماية المدين المعسر فعلياً من الحبس لا ينبغي أن تتحول إلى حماية للمدين القادر على الوفاء والذي يتعمد تعطيل التنفيذ أو إخفاء أمواله.

ومن هنا فإن جوهر الإصلاح الحقيقي ليس في السؤال: هل نحبس المدين أم لا؟

بل في السؤال:

هل نستطيع الوصول إلى أموال المدين عندما لا نستطيع الوصول إلى حريته؟

---

ثانياً: ماذا تقول أرقام التنفيذ؟

تقدم وزارة العدل مصدراً رسمياً مهماً لهذه القراءة، إذ تنشر تقارير وإحصائيات خاصة بدوائر التنفيذ، من بينها إحصائيات دوائر التنفيذ لعام 2025، إلى جانب التقارير والكتب السنوية للأعوام السابقة.

وتكشف البيانات المنشورة في التقرير السنوي لوزارة العدل لعام 2023 عن حجم كبير من النشاط التنفيذي؛ فقد سجلت دوائر التنفيذ 77,883 دعوى تنفيذية إلكترونياً، كما بلغ عدد المزادات الإلكترونية 6,979 مزاداً، وبلغ عدد التحويلات عبر نظام IBAN نحو 436,934 تحويلاً، بقيمة إجمالية بلغت نحو 269.7 مليون دينار.

هذه الأرقام مهمة لأنها تضع التنفيذ المدني في حجمه الحقيقي: نحن لا نتحدث عن خلافات فردية متفرقة، وإنما عن منظومة مالية وقضائية تتعامل سنوياً مع آلاف الملفات ومئات الملايين من الدنانير.

ومن ثم فإن أي تغيير في قواعد التنفيذ لا يمكن النظر إليه بمعزل عن أثره على حركة الأموال داخل الاقتصاد.

كما أن وجود هذه الأرقام يوضح أن التنفيذ الأردني لم يكن قائماً على الحبس وحده؛ فالحجز، والمزادات، والحسميات، والتحويلات، والتسويات وغيرها من الوسائل تشكل بالفعل جزءاً من منظومة التنفيذ.

لكن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه مرحلة ما بعد التعديل ليس عدد الإجراءات فقط، وإنما:

كم من الحقوق يتم تحصيله؟ وكم تستغرق عملية التحصيل؟ وما مقدار الفجوة بين الحق المثبت قضائياً والحق الذي يصل فعلياً إلى الدائن؟

فهذه هي المؤشرات التي ينبغي أن تكون في قلب تقييم الإصلاح.

---

ثالثاً: من الحبس إلى التنفيذ على المال

كان الحبس وسيلة ضغط شخصية على المدين.

أما البدائل الحديثة فيفترض أن تنقل مركز الثقل من شخص المدين إلى ذمته المالية.

وهذا في جوهره اتجاه يمكن الدفاع عنه قانونياً واقتصادياً، بشرط أن تكون الدولة قادرة على الوصول إلى المال.

فالحجز على الحسابات والأموال، والتنفيذ على العقارات والمنقولات، والاقتطاع من الدخل، ومنع السفر وفق شروطه القانونية، والتسويات وخطط السداد، كلها وسائل يمكن أن تكون أكثر ارتباطاً بالغاية الأصلية من التنفيذ: استيفاء الدين.

لكن كل وسيلة منها تواجه تحدياتها.

فالحجز لا يكون فعالاً إذا لم يكن هناك مال يمكن الوصول إليه.

والاقتطاع من الراتب لا يفيد كثيراً إذا كان المدين لا يملك دخلاً ثابتاً.

ومنع السفر لا يسدد الدين بذاته.

والتسوية لا تنجح إذا كان المدين غير متعاون.

أما بيع الأموال المحجوزة، فيحتاج إلى إجراءات سريعة وشفافة وقابلة للوصول إلى حصيلة تنفيذية حقيقية.

ومن هنا، فإن نجاح إصلاح حبس المدين يتوقف بدرجة كبيرة على كفاءة منظومة الوصول إلى المال.

---

رابعاً: الاقتصاد لا يحتاج إلى الحبس، لكنه يحتاج إلى تنفيذ فعال

قد يبدو للوهلة الأولى أن قضية حبس المدين شأن قضائي بعيد عن الاقتصاد.

لكن العلاقة أكثر عمقاً.

التاجر الذي يبيع بضاعة بالأجل يفترض أن يحصل على ثمنها في موعد معين.

والمورد الذي يمنح مهلة للسداد يبني قراره على احتمال تحصيل مستحقاته.

والمصرف الذي يمنح تمويلاً يقيّم مخاطر عدم السداد.

والمستثمر يدخل في الصفقة بناءً على مجموعة من الضمانات، من بينها قدرة النظام القانوني على حماية الحقوق عند وقوع النزاع.

وهكذا، فإن قابلية تنفيذ الالتزام تدخل ضمن تكلفة المخاطر التي يتحملها المتعاملون.

إذا أصبح تحصيل الدين أكثر صعوبة أو أكثر بطئاً، فقد يلجأ المتعاملون إلى:

- طلب ضمانات أكبر.
- تقليل البيع الآجل.
- تشديد شروط التمويل.
- تقليل آجال السداد.
- رفع كلفة المخاطر.
- زيادة الاعتماد على التعامل النقدي.

ولا يعني ذلك أن كل تغير في الائتمان سببه قانون التنفيذ.

وهنا يجب أن نكون دقيقين.

فالائتمان يتأثر أيضاً بأسعار الفائدة، والنمو الاقتصادي، والدخل، والبطالة، والظروف الإقليمية، والسياسة النقدية، ومستوى المخاطر المصرفية، وغيرها من العوامل.

لكن كفاءة التنفيذ تبقى أحد عناصر البيئة التي تحدد مستوى المخاطر القانونية والمالية في المعاملات.

---

خامساً: ماذا تقول أرقام البنك المركزي عن الائتمان؟

هنا تصبح البيانات الرسمية أكثر أهمية.

فالبنك المركزي الأردني ينشر بصورة دورية تقارير الاستقرار المالي، والنشرات الإحصائية، ومؤشرات المتانة المالية، وبيانات التسهيلات الائتمانية. وتتوفر حالياً تقارير الاستقرار المالي للأعوام 2022 و2023 و2024 و2025.

وتظهر بيانات البنك المركزي أن نسبة الديون غير العاملة إلى إجمالي الديون بلغت:

- 4.5% في 2022
- 5.1% في 2023
- 5.6% في 2024
- 5.8% في النصف الأول من 2025 وفق البيانات الأولية المنشورة آنذاك.

وهذه الأرقام تستحق التوقف.

فهي تظهر ارتفاعاً في نسبة الديون غير العاملة بين 2022 و2024، واستمراراً عند مستوى أعلى في النصف الأول من 2025.

لكنها في الوقت ذاته لا تسمح وحدها بالقول إن هذا الارتفاع سببه تعديل قانون التنفيذ.

فالزيادة بدأت قبل دخول التعديل حيز التطبيق في حزيران 2025، وبالتالي فإن نسبة 2024، وكذلك الجزء الأول من 2025، لا يمكن تفسيرها بقانون لم يكن نافذاً بعد.

وهنا تظهر أهمية التحليل الزمني.

فمنهجية البحث القانوني الاقتصادي تقتضي ألا ننسب إلى التشريع أثراً لمجرد حدوث متغير اقتصادي بعده.

---

سادساً: الائتمان لم يتوقف بعد تقييد الحبس

المؤشر الآخر المهم أن التسهيلات الائتمانية لم تتوقف بعد دخول التعديل حيز التنفيذ.

فبحسب بيانات البنك المركزي، ارتفع إجمالي رصيد التسهيلات الائتمانية الممنوحة من شركات الإيداع الأخرى في نهاية حزيران 2025 بمقدار 716.7 مليون دينار، وبنسبة 2.1% مقارنة بنهاية 2024.

كما ارتفعت التسهيلات الممنوحة للقطاع الخاص المقيم بمقدار 338.4 مليون دينار، وبنسبة 1.1% خلال الفترة نفسها.

وهذه الأرقام مهمة جداً في تقييم الخطاب الذي يربط بين تقييد حبس المدين وبين توقف الائتمان.

فالبيانات المتاحة لا تظهر توقف الائتمان.

لكن ذلك لا يعني أن المخاوف المتعلقة بالتنفيذ غير مشروعة.

فالاقتصاد لا يعمل بمؤشر واحد.

قد يستمر الائتمان في النمو، بينما تتغير شروطه، أو ترتفع الضمانات المطلوبة، أو تختلف تكلفة المخاطر، أو تتغير تركيبة المقترضين.

ولهذا فإن السؤال الأدق ليس:

هل توقف الائتمان؟

وإنما:

هل أصبحت المخاطر المرتبطة بتحصيل الدين أعلى، وكيف انعكس ذلك على شروط الائتمان؟

وهذا سؤال يحتاج إلى بيانات أوسع من مجرد حجم التسهيلات.

---

سابعاً: ماذا عن مديونية الأفراد؟

يقدم البنك المركزي أيضاً مؤشرات مهمة عن مديونية الأفراد.

فقد أظهر تقرير الاستقرار المالي أن نسبة العبء الشهري لمديونية الأفراد المقترضين من البنوك إلى دخلهم بلغت 44.2% في نهاية 2023، مقابل 45% في 2022، بينما بلغت نسبة الديون غير العاملة في محفظة قروض الأفراد 4.9% في نهاية 2023.

وهذا يعطينا دلالة مهمة:

المديونية الفردية ليست مجرد مسألة قانون تنفيذ؛ إنها جزء من منظومة أوسع تتعلق بقدرة الأفراد على السداد، ومستوى الدخل، وأسعار الفائدة، والسياسات الائتمانية، والضمانات.

لذلك لا يجوز تحميل قانون التنفيذ وحده مسؤولية أي ارتفاع في التعثر.

لكن في الوقت ذاته، لا يجوز تجاهل أثر التنفيذ في المرحلة التي تأتي بعد حدوث التعثر.

وهنا تحديداً يلتقي القانون بالاقتصاد.

---

ثامناً: الدائن لا يحتاج إلى سجن المدين بقدر ما يحتاج إلى الوصول إلى ماله

هذه ربما هي أهم نتيجة يمكن الوصول إليها من القراءة الاقتصادية والقانونية معاً.

فالدائن في النهاية لا يريد أن يرى المدين في السجن.

هو يريد ماله.

والاقتصاد كذلك لا يستفيد من وجود آلاف المدينين في السجون إذا لم يؤد ذلك إلى تحصيل الحقوق.

فالمدين المحبوس قد يفقد قدرته على العمل، وبالتالي يفقد جزءاً من قدرته على توليد الدخل الذي يمكن أن يسدد منه الدين.

ولهذا فإن الحبس، من هذه الزاوية، ليس بالضرورة الوسيلة الأكثر كفاءة اقتصادياً.

لكن البديل يجب أن يكون حقيقياً.

إذا كان المدين يملك راتباً، يجب أن تكون هناك آلية فعالة للاقتطاع ضمن الحدود القانونية.

إذا كان يملك أموالاً، يجب أن يكون الوصول إليها سريعاً.

إذا كان يملك عقاراً قابلاً للتنفيذ، يجب أن تكون إجراءات البيع والتحصيل فعالة.

إذا كان يخفي أمواله، يجب أن تكون هناك وسائل قانونية لكشف ذلك والتعامل معه.

أما أن نمنع الحبس ثم نترك الدائن أمام سنوات من الإجراءات، فهذه ليست إعادة بناء لمنظومة التنفيذ.

إنها فقط نقل للمشكلة من باب إلى باب آخر.

---

تاسعاً: منع السفر ليس بديلاً عن التحصيل

يكتسب منع السفر أهمية خاصة في مرحلة ما بعد تقييد الحبس، لكنه يجب أن يفهم في إطاره الصحيح.

فهو إجراء يهدف إلى حماية التنفيذ في الحالات التي تتوافر فيها شروطه القانونية، وليس وسيلة لتحصيل الدين بذاتها.

فالمدين قد يُمنع من السفر، لكن الدين سيبقى قائماً.

والمال لا ينتقل إلى الدائن بمجرد وضع إشارة منع السفر.

لذلك فإن استخدام هذا الإجراء يجب أن يرتبط بفكرة واضحة:

منع تعطيل التنفيذ، وليس استبدال التنفيذ.

والأهم أن يخضع الإجراء للضوابط القانونية والرقابة القضائية، حتى لا يتحول إلى عقوبة تلقائية لمجرد وجود دين.

---

عاشراً: الاقتطاع من الدخل قد يكون أكثر منطقية من الحبس

إذا كان المدين موظفاً ويتقاضى دخلاً ثابتاً، فقد يكون الاقتطاع الدوري من راتبه، ضمن الحدود القانونية، أكثر ارتباطاً بالغاية الاقتصادية من الحبس.

فالدائن يحصل على مبالغ بصورة منتظمة.

والمدين يحتفظ بقدر من دخله لمعيشته.

والاقتصاد يحتفظ بقدرة المدين على العمل والإنتاج.

وهذه معادلة أكثر عقلانية من تحويل المدين إلى شخص غير قادر على العمل ثم مطالبته بسداد الدين.

لكن نجاح هذا الخيار يتطلب:

- معرفة دخل المدين.
- سرعة تنفيذ الاقتطاع.
- تحديد نسبة عادلة.
- حماية الحد الأدنى اللازم للمعيشة.
- تنظيم تعدد الدائنين.
- ضمان وصول المبالغ إلى أصحابها دون تأخير.

ومن هنا فإن تطوير الاقتطاع الإلكتروني والربط بين الجهات المختصة قد يكون أكثر أهمية اقتصادياً من الجدل حول الحبس ذاته.

---

حادي عشر: الرقمنة قد تكون أهم من الحبس

تطور وزارة العدل في السنوات الأخيرة أدوات إلكترونية مرتبطة بالتنفيذ.

وفي حزيران 2026 أعلنت الوزارة إجراءات جديدة لتسريع رد المبالغ المدفوعة في القضايا التنفيذية، بحيث يتم رد المبالغ المتاحة للصرف إلكترونياً إلى الحساب البنكي المصرح به عند تسجيل القضية، كما أعلنت أن الحسميات والأقساط الشهرية يتم ردها فور دفعها في الحالات التي لا تتطلب قراراً قضائياً، مع استقبال ملاحظات التأخير خلال 48 ساعة.

وهذه التطورات تكشف شيئاً مهماً:

معركة التنفيذ الحديثة ليست بالضرورة معركة حبس، بل معركة معلومات وسرعة وإجراءات.

كلما عرفت الدولة أموال المدين بصورة أسرع، وكلما أمكن الحجز عليها إلكترونياً، وكلما اختصر الزمن بين الدفع والتحويل إلى الدائن، قلت الحاجة إلى الوسائل الشخصية الضاغطة.

وبعبارة أخرى:

أفضل بديل للحبس ليس إجراءً واحداً، بل منظومة تنفيذ ذكية.

---

ثاني عشر: هل تعطلت العجلة الاقتصادية؟

الجواب القانوني والاقتصادي المسؤول يحتاج إلى شيء من الهدوء، وهو أمر نادر في النقاشات العامة.

لا تظهر البيانات الرسمية التي أمكن الوقوف عليها دليلاً يسمح بالقول إن الاقتصاد الأردني أو الائتمان المصرفي قد تعطلا بسبب تقييد حبس المدين.

بل إن التسهيلات الائتمانية استمرت في الارتفاع خلال النصف الأول من 2025، كما بقيت مؤشرات القطاع المصرفي ضمن مستويات يمكن إدارتها وفق تقارير البنك المركزي.

لكن هذا لا يعني أن أثر التنفيذ على الاقتصاد غير موجود.

فالعلاقة هنا أكثر دقة.

ضعف التنفيذ قد يزيد مخاطر الائتمان، لكنه ليس بالضرورة سبباً كافياً وحده لتفسير اتجاه الائتمان أو الاقتصاد.

والفارق بين الجملتين كبير.

الأولى تحليل اقتصادي قابل للبحث.

أما الثانية فتحتاج إلى دليل سببي لا توفره الأرقام الحالية وحدها.

وهنا تحديداً يجب أن يكون النقاش القانوني أكثر مهنية: لا نريد الدفاع عن الدائن بالأرقام التي لا تثبت موقفنا، ولا الدفاع عن المدين بإخفاء الأرقام التي لا تناسبه.

---

ثالث عشر: ما الذي يجب أن يقاس خلال السنوات المقبلة؟

بعد أكثر من عام على بدء تطبيق التعديل، أصبح من الضروري ألا يقتصر تقييم التجربة على عدد الأشخاص الذين لم يتم حبسهم.

المعيار الحقيقي يجب أن يشمل مؤشرات أكثر دقة، من بينها:

أولاً: مدة التنفيذ

كم يوماً أو شهراً يحتاج الدائن للوصول إلى حقه بعد صدور الحكم؟

ثانياً: نسبة التحصيل

كم تبلغ قيمة المبالغ المحصلة مقارنة بالقيمة الإجمالية للمطالبات التنفيذية؟

ثالثاً: فاعلية الحجز

كم من الحجوزات يتحول فعلياً إلى تحصيل؟

رابعاً: الاقتطاع من الدخل

كم يتم تحصيله من الرواتب والأجور بصورة منتظمة؟

خامساً: التسويات

كم عدد التسويات التي تستمر حتى نهايتها دون إخلال؟

سادساً: إخفاء الأموال

كم عدد الحالات التي يثبت فيها نقل أو إخفاء الأموال بقصد تعطيل التنفيذ؟

سابعاً: الائتمان

هل تغيرت شروط منح الائتمان أو الضمانات المطلوبة نتيجة ارتفاع مخاطر التحصيل؟

هذه المؤشرات ستكون أكثر قيمة من الجدل النظري حول الحبس.

---

رابع عشر: المطلوب ليس إعادة الحبس، بل بناء بديل أقوى

إذا كان الاتجاه التشريعي هو الحد من حبس المدين، فإن الخطأ سيكون التعامل مع ذلك باعتباره نهاية المسألة.

بل يجب أن يكون بداية لإصلاح أوسع.

ويحتاج هذا الإصلاح، في تقديري، إلى سبعة مسارات متوازية:

1. إنشاء نظام فعال لكشف أموال المدين

بحيث تستطيع دائرة التنفيذ الوصول إلى المعلومات المالية ذات الصلة ضمن الضمانات القانونية وحماية الخصوصية.

2. تسريع الحجز والتنفيذ

فالوقت في التنفيذ ليس مسألة إجرائية فقط، بل قيمة اقتصادية.

كل شهر تأخير قد يعني خسارة فرصة تجارية أو زيادة تكلفة التمويل أو انخفاض قيمة الأصل.

3. تطوير الاقتطاع الإلكتروني من الدخل

بحيث يصبح السداد الدوري وسيلة طبيعية ومنظمة لاستيفاء الدين.

4. تعزيز التسويات

مع وضع آلية واضحة لخطة السداد وآثار الإخلال بها.

5. مكافحة إخفاء الأموال

فالمدين المعسر شيء، والمدين الذي يخفي أمواله شيء آخر تماماً.

6. تطوير المزادات الإلكترونية

والاستمرار في رفع كفاءة البيع والتنفيذ على الأموال، وهي بالفعل من الأدوات التي تستخدمها دوائر التنفيذ، كما تظهر أرقام وزارة العدل.

7. نشر مؤشرات أداء سنوية

وهذه ربما أهم نقطة.

يجب أن يعرف المجتمع سنوياً:

كم كان حجم التنفيذ؟ كم حُصل؟ كم استغرق؟ وما نسبة النجاح؟

لأن الإصلاح الذي لا يمكن قياسه يتحول بسهولة إلى شعار.

---

خامس عشر: بين حق الدائن وكرامة المدين

ليس من العدالة أن يُحبس إنسان لأنه فقير.

وليس من العدالة أيضاً أن يحصل شخص على حكم قضائي ثم يكتشف أن الحكم لا يستطيع الوصول إلى حقه.

ولا ينبغي أن يكون النقاش:

الدائن أم المدين؟

بل:

كيف نحمي الاثنين؟

المدين المعسر يحتاج إلى حماية من الحبس.

والدائن يحتاج إلى حماية من المماطلة.

والاقتصاد يحتاج إلى حماية من ارتفاع مخاطر الائتمان.

والقضاء يحتاج إلى حماية هيبة أحكامه من أن تتحول إلى حقوق نظرية غير قابلة للتحصيل.

هذه المصالح ليست متناقضة بالضرورة.

التناقض يظهر عندما لا تكون لدينا منظومة تنفيذ قادرة على الجمع بينها.

---

الخاتمة: معيار النجاح ليس عدد من خرج من السجن، بل عدد الحقوق التي وصلت إلى أصحابها

بعد أكثر من عام على دخول تعديل قانون التنفيذ المتعلق بحبس المدين حيز التطبيق، تظهر أمامنا صورة أكثر تعقيداً من الشعارات التي رافقت النقاش.

فمن ناحية، لا تظهر البيانات المصرفية المتاحة دليلاً على توقف الائتمان أو انهيار القطاع المصرفي نتيجة التعديل؛ بل استمرت التسهيلات الائتمانية في النمو خلال النصف الأول من 2025، بينما بقيت مؤشرات الاستقرار المالي ضمن مستويات قابلة للإدارة وفق تقارير البنك المركزي.

ومن ناحية أخرى، فإن نسبة الديون غير العاملة ارتفعت من 4.5% في 2022 إلى 5.1% في 2023 ثم 5.6% في 2024، وبلغت 5.8% بصورة أولية في النصف الأول من 2025. لكن هذه الزيادة بدأت قبل نفاذ تعديل حبس المدين، ولذلك لا يمكن نسبتها إلى التعديل وحده.

أما في مجال التنفيذ، فتظهر الأرقام الرسمية حجم النشاط الكبير الذي تتعامل معه دوائر التنفيذ، بما في ذلك عشرات آلاف الدعاوى التنفيذية وآلاف المزادات الإلكترونية ومئات آلاف التحويلات المالية، وهو ما يؤكد أن التنفيذ المدني أصبح جزءاً أساسياً من حركة الأموال في الاقتصاد.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد:

هل نجحنا في إلغاء حبس المدين؟

بل:

هل نجحنا في بناء منظومة تنفيذ تجعل الدائن يحصل على حقه دون الحاجة إلى حبس المدين؟

إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام تطور حقيقي في فلسفة التنفيذ.

أما إذا بقي الدائن ينتظر سنوات للوصول إلى حق ثابت بحكم قضائي، فإن المشكلة لا تكون في حماية المدين من الحبس، وإنما في أن البديل التنفيذي لم يصل بعد إلى مستوى الفاعلية المطلوبة.

فالاقتصاد لا يحتاج إلى سجن المدين.

لكنه يحتاج إلى ثقة.

والثقة لا تقوم فقط على أن يعرف المتعامل أن القانون يحمي حريته، وإنما أيضاً على أن يعرف أن الحق الذي يثبت أمام القضاء يمكن تحصيله خلال مدة معقولة.

ومن هنا فإن حماية المدين المعسر وحماية الدائن ليستا مشروعين متعارضين.

المدين يحتاج إلى ألا يتحول عجزه إلى سجن، والدائن يحتاج إلى ألا يتحول حكمه إلى ورقة.

وبين الاثنين تقف الدولة، لا بوصفها طرفاً في الدين، وإنما بوصفها الضامن لفعالية القانون.

ولهذا، فإن معيار نجاح الإصلاح يجب ألا يكون عدد أوامر الحبس التي توقفت، وإنما الزمن الذي يحتاجه الدائن لتحصيل حقه، ونسبة الحقوق التي تصل فعلاً إلى أصحابها، وكلفة المخاطر التي يتحملها الاقتصاد نتيجة التعثر، وقدرة النظام على التمييز بين المعسر والمماطل.

فإذا استطعنا أن نصل إلى مال المدين بكفاءة، ونحمي الحد الأدنى من معيشته، ونمنع إخفاء الأموال، ونسرع الحجز والبيع والاقتطاع والتسوية، فإننا نكون قد انتقلنا فعلاً من تنفيذ يضغط على الشخص إلى تنفيذ يصل إلى المال.

وهذه، في النهاية، هي المعادلة التي تستحق أن نقيس بها الإصلاح.

لا نريد حبس المدين. ولا نريد إفلات المدين المماطل. نريد قانوناً يحمي الحرية، ويحمي الحق، ويحمي الثقة التي تتحرك بها عجلة الاقتصاد.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم