في الأفلام الهنديَّة القديمة لا يحتاج المشاهد منَّا إلى منطق يتعامل به مع أحداث الفيلم الذي ارتكب السعادة بمشاهدته! وندم على اليوم الذي ولد فيه حينما قرَّر أن يفتح التلفاز ليقضي وقت فراغه! بل إِنَّه لا يحتاج إلى عقل يحكُم على قصة الفيلم الهندي، أو إلى إدراك أَدبي للنصِّ الذي أَعَدُّهُ كاتب "السيناريو"!
ما ينبغي على المشاهد فعله؛ هو أن يكتفي بتوظيف "مسلَّمات اللاوعي" والإيمان بقصة البطلين اللذين يسيران على رصيفٍ متآكل يُشبه وجه المدينة بعد ليلة حمراء من الفقر، حيث كانا يسيران بين بائعي "الذُّرة" التي يملأُها الذباب المتطاير على أسقف العربات، و"الجرذان" التي تصلِّي على علبةِ حليب فارغة وممزقة تم استهلاكها قبل يومين، فيعثر -حينها- البطلان على طفلةٍ ضائعة تبكي منذ ساعات! ليلتقطانها بخفَّة كما يلتقط المرء علكة ملتصقة بأسفل حذائه، ثم يأخذاها إلى بيتهما المتهالك، ليعملان على تربيتها بدموع وعواصف من الأغنيات العاطفيَّة، ثم يُطعمانها أشهى المأكولات والحلويَّات، ليكتشف المشاهد بعد ثلاث ساعات من الرقص في الشوارع والقتال على أسطح القطارات أَنَّ الطفلة -التي وجدوها ضائعة- ليست طفلة يتيمة، بل إنَّها أُمهم التي اختطفت في حادثة غامضة قبل أن تَلِدهُما بشهرين!
إِنَّ تلك المقدمة لم تكن سوى إشارة إلى أنَّ السيناريو السينمائي الهندي يجسد خلاصةً للسياسات العربيَّة في ترشيح واحتلال كراسي الدولة وتسجيلها تسجيلاً رسميَّاً للورثة والمستفيدين! فالسياسيون في الوطن العربي يلتقطون لنا كلَّ يتيمٍ تائِه بين الأزقّة السياسيَّة، فيطعمونه ويكسونه، لتبدأ عمليَّة تنصيبه كوليِّ أَمرٍ يتحكُّم برقابنا! لندرك –حال رؤيته- بأَنَّنا نمارس التمجيد والتطبيل من أجله ضمن مسرحيَّات هشَّة- معلنين أَنَّه أَبونا الشرعي منذ الأَزل، وإِنَّنا نحن اليتامى الضائعون، وهو الذي ربَّانا بالهراوات وأرضعنا بالضرائب صغاراً، ليكون لنا المنقذ الوحيد في حلِّ أَزماتنا التي تمَّ ترحيلها من زمن إلى آخر، وأَنَّه الوصي على الدين والدنيا، وعلينا أن نقدم واجب الولاء والطاعة لقراراته الوضعيَّة التي يعزف بها على القانون كيفما شاء، وأينما شاء، وأَنَّى شاء.
في الحقيقة؛ ليس هناك فروقات تُذكر بين الثقافتين (الهنديَّة، والعربيَّة)، ففي الثقافة الهنديَّة، يصرخ البطل باكياً في نهاية الفيلم؛ وهو يردد كلمات التعجب: ((يا للصدمة! "الطفلة طلعت أُمِّي"!))، ونحن نصرخ ونردد شعارات بائسة: (("يا للمهزلة! المسؤول طلع ابن الشعب، وأَبو الشعب، وجَدُّ الشعب!))، لنكتفي بتلقِّي معلومة تقنعنا بِأَنَّه الشخص الأوحد الذي ضاع منّا فوجدناه، بعد أن أنكرنا وجودنا وجحدنا إمكاناتنا منذ البداية.
إنَّ السياسة العربيَّة "سناريو" بلا "سيناريست" وفيلم بلا "مخرج"!، فلا نهاية سعيدة ولا نهاية حزينة! هي مجرَّد رقصٍ على دماء الوطن، وصراخٍ على جوع المواطن، ومسدَّساتٍ تُطلِقُ رصاصاً فارغاً، بينما الجمهور الذي اعتاد على الصمت ما زال يصفّق كالأَبله؛ لاكتشافه بِأَنَّ البطل لم يزل حيَّاً بعد خمسين طلقة.
إِنَّ الهندي يرضى بِأَن تتحوّل الطفلة إلى أمّ، أَمَّا نحن العرب؛ فنرضى بأَن يتحوَّل المراسل إلى مدير، والسفرجي إلى رئيس شعبة، والموظف إلى قائد ملهم، والخادم إلى سيِّد، ثم نهتف له في منشوراتنا التي نكتبها بماء النفاق! ضمن جملة يعتريها الكذب ويتخلَّلها الدجل، وتؤطرها صياغة ركيكة تخلو من أَبجديَّات "الفهم" لنعيد تدويرها مثل أغنية هنديَّة تستمر خمس ساعات، اضطررنا أن نرقص عليها ونحن نَغُصُّ بالخبزِ اليابس؛ هاتفين: مبارك يا سيدي.. "بُكُم تزهو المناصب"!
لقد ضحكنا طويلاً على هذه الخرافة السينمائيَّة، حتى اكتشفنا لاحقاً أنَّ حياتنا السياسيَّة ليست سوى نسخة عربيَّة من الفيلم الهندي، لكنَّها تفتقر إلى الموسيقى، وتخلُو من أيَّة نهاية! ففي كلِّ عقدٍ أَو عقدين؛ نجد طفلةً ضائعةً في أَزقَّة السياسة، قد تكون على شكل جنرال متقاعد، أو موظف صغير، أو شاعر يتغنَّى بالبطولة، أو حتى خادم للشعب يدَّعي أَنَّه لا يريد الحكم! فنأخذه إلينا! ونطعمه من جيوبنا! ونكسوه من فقرنا! ونرفع صورته على الجدران؛ كما نعلِّق صور أبنائنا في المهد، ثم فجأة -وبعد سنوات قليلة- نكتشف أنَّ تلك الطفلة ليست طفلة، بل هي أمٌّ الجميع، وإنَّها القائدة التاريخيَّة الحكيمة، والملهمة، التي رعتنا منذ أن كنَّا في الأَرحام! ليتحوَّل الرئيس بعدها من رئيس قد تنحى عن منصبه؛ إلى مرشح أبدي يحتل أَفكارنا، ثم يورثنا أبناءه كما يورث قطعة أرض أو قطيع من الأَغنام، لنبقى –بعدها- نعيش مرحلة لا يخرج فيها المسؤول من الشعب؛ بل يتحول الشعب كله إلى أبناء يتامى يبحثون عن أمهم الضائعة؛ ليكتشفوا –في النهاية- أنَّها كانت تحتل مقعدها على الكرسي قبل ولادتهم.
خلاصة القول: إِنَّ السياسة العربيَّة ليست سوى فيلم هندي مدبلج بالعربيَّة الركيكة، قائم على إعادة تدوير الوجوه نفسها، بنفس الحوارات، وبنفس النهاية المملَّة! غير أنَّ الفرق بين الفيلم الهندي والسياسة العربيَّة؛ هي أَنَّ الممثل الهندي يضحك أَخيراً، بينما نحن نواصل البكاء والدهشة؛ عالقين في مسلسل من التوريثات التي لا نهاية لها؛ تُعرض حلقاته على شاشة سوداء لا يظهر منها سوى أصوات الصراخ والخُطب الجماهيريَّة المسجوعة التي ساهمت في بناء ثقافة أجلست المجتمعات العربيَّة على "خازوقٍ" وراثي؛ قبلنا به إداريَّاً، وصفَّقنا له بحرارة أَدبيَّة لا أدب فيها سوى عنوانها الذي يختصر الأَفلام؛ ليعرضها لنا بصورتها السياسيَّة الهنديَّة المعرَّبة!
الكاتب الساخر: وليد معابرة
قاتل البحر الميت
ما ينبغي على المشاهد فعله؛ هو أن يكتفي بتوظيف "مسلَّمات اللاوعي" والإيمان بقصة البطلين اللذين يسيران على رصيفٍ متآكل يُشبه وجه المدينة بعد ليلة حمراء من الفقر، حيث كانا يسيران بين بائعي "الذُّرة" التي يملأُها الذباب المتطاير على أسقف العربات، و"الجرذان" التي تصلِّي على علبةِ حليب فارغة وممزقة تم استهلاكها قبل يومين، فيعثر -حينها- البطلان على طفلةٍ ضائعة تبكي منذ ساعات! ليلتقطانها بخفَّة كما يلتقط المرء علكة ملتصقة بأسفل حذائه، ثم يأخذاها إلى بيتهما المتهالك، ليعملان على تربيتها بدموع وعواصف من الأغنيات العاطفيَّة، ثم يُطعمانها أشهى المأكولات والحلويَّات، ليكتشف المشاهد بعد ثلاث ساعات من الرقص في الشوارع والقتال على أسطح القطارات أَنَّ الطفلة -التي وجدوها ضائعة- ليست طفلة يتيمة، بل إنَّها أُمهم التي اختطفت في حادثة غامضة قبل أن تَلِدهُما بشهرين!
إِنَّ تلك المقدمة لم تكن سوى إشارة إلى أنَّ السيناريو السينمائي الهندي يجسد خلاصةً للسياسات العربيَّة في ترشيح واحتلال كراسي الدولة وتسجيلها تسجيلاً رسميَّاً للورثة والمستفيدين! فالسياسيون في الوطن العربي يلتقطون لنا كلَّ يتيمٍ تائِه بين الأزقّة السياسيَّة، فيطعمونه ويكسونه، لتبدأ عمليَّة تنصيبه كوليِّ أَمرٍ يتحكُّم برقابنا! لندرك –حال رؤيته- بأَنَّنا نمارس التمجيد والتطبيل من أجله ضمن مسرحيَّات هشَّة- معلنين أَنَّه أَبونا الشرعي منذ الأَزل، وإِنَّنا نحن اليتامى الضائعون، وهو الذي ربَّانا بالهراوات وأرضعنا بالضرائب صغاراً، ليكون لنا المنقذ الوحيد في حلِّ أَزماتنا التي تمَّ ترحيلها من زمن إلى آخر، وأَنَّه الوصي على الدين والدنيا، وعلينا أن نقدم واجب الولاء والطاعة لقراراته الوضعيَّة التي يعزف بها على القانون كيفما شاء، وأينما شاء، وأَنَّى شاء.
في الحقيقة؛ ليس هناك فروقات تُذكر بين الثقافتين (الهنديَّة، والعربيَّة)، ففي الثقافة الهنديَّة، يصرخ البطل باكياً في نهاية الفيلم؛ وهو يردد كلمات التعجب: ((يا للصدمة! "الطفلة طلعت أُمِّي"!))، ونحن نصرخ ونردد شعارات بائسة: (("يا للمهزلة! المسؤول طلع ابن الشعب، وأَبو الشعب، وجَدُّ الشعب!))، لنكتفي بتلقِّي معلومة تقنعنا بِأَنَّه الشخص الأوحد الذي ضاع منّا فوجدناه، بعد أن أنكرنا وجودنا وجحدنا إمكاناتنا منذ البداية.
إنَّ السياسة العربيَّة "سناريو" بلا "سيناريست" وفيلم بلا "مخرج"!، فلا نهاية سعيدة ولا نهاية حزينة! هي مجرَّد رقصٍ على دماء الوطن، وصراخٍ على جوع المواطن، ومسدَّساتٍ تُطلِقُ رصاصاً فارغاً، بينما الجمهور الذي اعتاد على الصمت ما زال يصفّق كالأَبله؛ لاكتشافه بِأَنَّ البطل لم يزل حيَّاً بعد خمسين طلقة.
إِنَّ الهندي يرضى بِأَن تتحوّل الطفلة إلى أمّ، أَمَّا نحن العرب؛ فنرضى بأَن يتحوَّل المراسل إلى مدير، والسفرجي إلى رئيس شعبة، والموظف إلى قائد ملهم، والخادم إلى سيِّد، ثم نهتف له في منشوراتنا التي نكتبها بماء النفاق! ضمن جملة يعتريها الكذب ويتخلَّلها الدجل، وتؤطرها صياغة ركيكة تخلو من أَبجديَّات "الفهم" لنعيد تدويرها مثل أغنية هنديَّة تستمر خمس ساعات، اضطررنا أن نرقص عليها ونحن نَغُصُّ بالخبزِ اليابس؛ هاتفين: مبارك يا سيدي.. "بُكُم تزهو المناصب"!
لقد ضحكنا طويلاً على هذه الخرافة السينمائيَّة، حتى اكتشفنا لاحقاً أنَّ حياتنا السياسيَّة ليست سوى نسخة عربيَّة من الفيلم الهندي، لكنَّها تفتقر إلى الموسيقى، وتخلُو من أيَّة نهاية! ففي كلِّ عقدٍ أَو عقدين؛ نجد طفلةً ضائعةً في أَزقَّة السياسة، قد تكون على شكل جنرال متقاعد، أو موظف صغير، أو شاعر يتغنَّى بالبطولة، أو حتى خادم للشعب يدَّعي أَنَّه لا يريد الحكم! فنأخذه إلينا! ونطعمه من جيوبنا! ونكسوه من فقرنا! ونرفع صورته على الجدران؛ كما نعلِّق صور أبنائنا في المهد، ثم فجأة -وبعد سنوات قليلة- نكتشف أنَّ تلك الطفلة ليست طفلة، بل هي أمٌّ الجميع، وإنَّها القائدة التاريخيَّة الحكيمة، والملهمة، التي رعتنا منذ أن كنَّا في الأَرحام! ليتحوَّل الرئيس بعدها من رئيس قد تنحى عن منصبه؛ إلى مرشح أبدي يحتل أَفكارنا، ثم يورثنا أبناءه كما يورث قطعة أرض أو قطيع من الأَغنام، لنبقى –بعدها- نعيش مرحلة لا يخرج فيها المسؤول من الشعب؛ بل يتحول الشعب كله إلى أبناء يتامى يبحثون عن أمهم الضائعة؛ ليكتشفوا –في النهاية- أنَّها كانت تحتل مقعدها على الكرسي قبل ولادتهم.
خلاصة القول: إِنَّ السياسة العربيَّة ليست سوى فيلم هندي مدبلج بالعربيَّة الركيكة، قائم على إعادة تدوير الوجوه نفسها، بنفس الحوارات، وبنفس النهاية المملَّة! غير أنَّ الفرق بين الفيلم الهندي والسياسة العربيَّة؛ هي أَنَّ الممثل الهندي يضحك أَخيراً، بينما نحن نواصل البكاء والدهشة؛ عالقين في مسلسل من التوريثات التي لا نهاية لها؛ تُعرض حلقاته على شاشة سوداء لا يظهر منها سوى أصوات الصراخ والخُطب الجماهيريَّة المسجوعة التي ساهمت في بناء ثقافة أجلست المجتمعات العربيَّة على "خازوقٍ" وراثي؛ قبلنا به إداريَّاً، وصفَّقنا له بحرارة أَدبيَّة لا أدب فيها سوى عنوانها الذي يختصر الأَفلام؛ ليعرضها لنا بصورتها السياسيَّة الهنديَّة المعرَّبة!
الكاتب الساخر: وليد معابرة
قاتل البحر الميت
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات