محمد جميل الخطيب يكتب: من باريس وبراغ إلى البحر الميت .. تحرك ملكي يفتح آفاقا أوسع للشراكة والاستثمار الأوروبي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 17467
محمد جميل الخطيب يكتب: من باريس وبراغ إلى البحر الميت ..  تحرك ملكي يفتح آفاقا أوسع للشراكة والاستثمار الأوروبي
العقيد المتقاعد محمد جميل الخطيب

العقيد المتقاعد محمد جميل الخطيب

لم تكن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى فرنسا وجمهورية التشيك هذا الشهر مجرد محطتين في جولة خارجية، بل جاءت ضمن تحرك ملكي متواصل لتعزيز حضور الأردن وشراكاته مع الدول الأوروبية، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمار والتجارة ونقل التكنولوجيا والخبرات.
ويكتسب هذا التحرك أهمية خاصة مع اقتراب موعد مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي، المقرر عقده في البحر الميت في 19 تشرين الثاني المقبل، بما يوفر فرصة للبناء على ما يفتحه جلالة الملك من أبواب وعلاقات مع الدول والشركات والمؤسسات الأوروبية، وتحويلها إلى استثمارات ومشاريع وشراكات اقتصادية على أرض الواقع.
فالتحرك الملكي تجاه أوروبا لا يقف عند حدود العلاقات السياسية والدبلوماسية، بل يتجه بصورة واضحة نحو توسيع قاعدة المصالح المشتركة، لتشمل الأمن والدفاع إلى جانب التجارة والاستثمار والطاقة والمياه والصناعة والتكنولوجيا ونقل المعرفة والخبرات.
ومن هنا، يمكن قراءة محطتي باريس وبراغ باعتبارهما جزءا من مسار أوسع يقوده جلالة الملك، فيما يشكل مؤتمر البحر الميت محطة اقتصادية مهمة يفترض أن يلتقط خلالها القطاعان العام والخاص ما توفره هذه التحركات من فرص، والبناء عليها للوصول إلى نتائج اقتصادية واستثمارية ملموسة.
باريس.. الشراكة تتسع
في باريس، حملت مباحثات جلالة الملك مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أبعادا سياسية وأمنية واستراتيجية، وتوجت بتوقيع اتفاقية تعاون دفاعي توفر إطارا شاملًا لتنظيم وتطوير التعاون الدفاعي بين الأردن وفرنسا.
كما برز الدور الأردني الإقليمي من خلال ترؤس جلالة الملك إلى جانب الرئيسين الفرنسي واللبناني جولة جديدة من «اجتماعات العقبة»، التي ركزت على دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته والحفاظ على أمن لبنان وسيادته.
وهذه التحركات تؤكد أن علاقة الأردن مع دولة أوروبية محورية بحجم فرنسا لم تعد محصورة في جانب واحد، وإنما تتطور ضمن شراكة متعددة المسارات تشمل الأمن والدفاع والاستقرار الإقليمي إلى جانب العلاقات الاقتصادية والاستثمارية.
براغ.. الاقتصاد والصناعة في الواجهة
أما في جمهورية التشيك، فظهر البعد الاقتصادي والصناعي بصورة أكثر وضوحا.
فخلال مباحثاته مع الرئيس بيتر بافيل، أكد جلالة الملك الاهتمام بتوسيع التعاون والاستفادة من الإمكانات المتاحة لدى البلدين لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية وتشجيع الاستثمار وشراكات الأعمال.
وفي المقابل، برز اهتمام تشيكي بالتعاون مع الأردن في مجموعة من القطاعات الحيوية، من بينها التجارة والطاقة والصحة والمياه، إلى جانب الدفاع والأمن.
لكن المحطة التي تستحق التوقف عندها اقتصاديا وصناعيا كانت اجتماع جلالة الملك مع رؤساء ومسؤولي عدد من الشركات التشيكية المتخصصة في الصناعات الدفاعية، وبحث فرص تعزيز التعاون وتبادل الخبرات والبناء على الشراكة القائمة بين البلدين.
واطلاع جلالة الملك على تقنيات ومعدات طورتها هذه الشركات يفتح الباب أمام قراءة أوسع لهذه اللقاءات، تتصل بإمكانات التعاون الصناعي ونقل المعرفة والتكنولوجيا وإقامة شراكات بين الشركات، وليس النظر إلى الصناعات الدفاعية من بعدها العسكري فقط.
من العلاقات السياسية إلى المصالح الاقتصادية
ما يجمع محطتي باريس وبراغ هو أن العلاقات السياسية القوية يجري توظيفها لفتح مسارات أوسع للتعاون.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة التي يستطيع الأردن البناء عليها في علاقاته مع أوروبا: الاستقرار السياسي والعلاقات الدولية الواسعة والموقع الجغرافي والخبرات البشرية وشبكة الاتفاقيات التجارية، مقابل ما تمتلكه أوروبا من رأس مال وتكنولوجيا وخبرات وأسواق واسعة.
لكن التحدي يبقى في تحويل هذه المزايا إلى مصالح اقتصادية متبادلة؛ أي إلى استثمارات ومصانع وشراكات وعقود وفرص تصديرية ونقل للتكنولوجيا والمعرفة.
البحر الميت.. المحطة الاقتصادية التالية
وهنا يأتي مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي في البحر الميت في 19 تشرين الثاني المقبل.
الأردن يتجه إلى المؤتمر بمحفظة فرص استثمارية تقترب قيمتها من 15 مليار دولار، أي نحو 13 مليار يورو، موزعة على 15 قطاعا وقطاعا فرعيا، وفي مقدمتها الطاقة والتعدين والنقل والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية والسياحة والمياه والصناعة والاقتصاد الدائري.
وهذه القطاعات تتقاطع بصورة لافتة مع مجالات التعاون التي ظهرت خلال التحركات واللقاءات الأردنية مع الجانب الأوروبي، وخصوصا الطاقة والمياه والنقل والصناعة والتكنولوجيا.
وهنا يجب التأكيد أن رقم 15 مليار دولار يمثل قيمة فرص استثمارية سيعرضها الأردن، وليس استثمارات تم الالتزام بها، ولذلك فإن نجاح المؤتمر سيقاس بقدرة المملكة على تحويل جزء ملموس من هذه المحفظة إلى استثمارات واتفاقيات وتمويل ومشاريع فعلية.
القطاع الخاص يجب أن يكون في قلب المشهد
ولا يمكن تحقيق ذلك بالتحرك الحكومي وحده.فالمرحلة المقبلة تتطلب أن يكون القطاع الخاص الأردني حاضرا في صلب هذا التحرك، ليس كمدعو إلى مؤتمر، وإنما كشريك في إعداد المشاريع وبناء التحالفات والتفاوض مع الشركات الأوروبية.
ماذا نريد في اليوم التالي للمؤتمر؟
السؤال الأهم ليس فقط: كم شركة أوروبية ستحضر؟ وكم جلسة ستعقد؟ وكم تبلغ قيمة الفرص التي ستعرض؟
السؤال الحقيقي يجب أن يكون: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟
هل ستبدأ شركة أوروبية بدراسة إنشاء مشروع في الأردن؟ هل ستدخل شركة أردنية في تحالف مع نظيرتها الأوروبية؟ هل سيوقع عقد تصدير جديد؟ هل تدخل منشأة أردنية إلى سلسلة توريد أوروبية؟ هل تنتقل تكنولوجيا أو خبرة إلى شركة محلية؟ وهل تتحول إحدى فرص الـ15 مليار دولار من ملف معروض على المستثمرين إلى مشروع ممول وقابل للتنفيذ؟
هذه هي المؤشرات التي ينبغي أن نقيس بها النتائج.
فالفرصة الموجودة اليوم أمام الأردن أكبر من مجرد تنظيم مؤتمر ناجح؛ المطلوب بناء مسار أردني–أوروبي مستدام يبدأ من العلاقات السياسية والاستراتيجية القوية، ويمر بالشركات ورؤوس الأموال والتكنولوجيا، وينتهي باستثمارات وصادرات وفرص عمل ومشاريع حقيقية.
ومن باريس وبراغ وصولًا إلى البحر الميت، تبدو عناصر هذا المسار موجودة.
ويبقى التحدي الأهم: أن نحسن تحويل قوة العلاقات السياسية الأردنية مع أوروبا إلى قوة اقتصادية واستثمارية ملموسة، وأن ننتقل من عرض الفرص إلى اقتناصها وتنفيذها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم