د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: في ذكرى حرب 1973: الجولان… بطولة أردنية عربية بدّدتها حسابات الأسد

منذ 47 دقيقة
المشاهدات : 9111
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: في ذكرى حرب 1973: الجولان… بطولة أردنية عربية بدّدتها حسابات الأسد
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

لم تكن مشاركة الأردن في حرب تشرين 1973 مجرد وقوف إلى جانب الأشقاء، بل كانت مشاركة قتالية رئيسية ومؤثرة على الجبهة السورية. والأهم أن الجيش العربي لم يعبر الحدود ليقيم خطًا دفاعيًا أو يحرس المؤخرة؛ بل انتقل من حماية أرضه إلى هجوم مدرع على أرض عربية محتلة، في مواجهة قوات إسرائيلية متفوقة نوعيًا وتسليحيًا. كان ذلك انتقالًا من الدفاع إلى المبادرة، ومن الانتظار إلى الذهاب نحو النار.

وحين اشتد الخطر على الجبهة السورية، تحرك اللواء المدرع 40 ليل 12–13 تشرين الأول. وصلت طلائعه إلى سوريا سريعًا، واكتمل حشده في مسرح العمليات، فيما بقي الجيش الأردني في الوقت نفسه ممسكًا بجبهته الأصلية. لم تكن قوة رمزية؛ كانت دبابات ومشاة آلية ومدفعية وإسنادًا، أُرسلت لتقاتل لا لتلتقط صورة الحرب.

وفي 16 تشرين الأول هاجم اللواء باتجاه تل مسحرة وجبا، فتقدم نحو 10 كيلومترات ودفع القوات الإسرائيلية إلى التراجع، ودمر وفق الرواية الأردنية الرسمية 10 دبابات إسرائيلية على الأقل. والمفارقة أن سرعة اللواء الأردني ورشاقته في المناورة جعلتاه يتقدم أسرع من القوات العربية على جناحيه؛ فانكشفت جوانبه واضطر إلى إعادة التنظيم. لم تكن المشكلة أن الأردنيين عجزوا عن التقدم، بل أنهم سبقوا إيقاع الهجوم المحيط بهم.

ثم عاد اللواء في 19 تشرين الأول إلى الهجوم مرة أخرى، واخترق المواقع الإسرائيلية بعمق 6 إلى 7 كيلومترات، ودُفعت القوات الإسرائيلية غربًا نحو 4 كيلومترات داخل قاطعه. وهكذا تراجعت القوات الإسرائيلية أمام الدروع الأردنية مرتين خلال أيام قليلة. وتورد تقديرات استخبارية أميركية معاصرة أن قتال ذلك اليوم كلّف الجانب الإسرائيلي نحو 30 دبابة و7 عربات مدرعة حاملة للصواريخ دمرت أو أخرجت من الخدمة.

ولم يكن اللواء 40 نهاية الحضور الأردني؛ ففي 20 تشرين الأول بدأ الأردن بدفع قيادة الفرقة المدرعة الثالثة الملكية ومدفعيتها وتعزيزاتها إلى سوريا، استعدادًا لهجوم عربي أوسع كان مقررًا في 23 تشرين الأول. أي أن الجبهة لم تكن تستعد للانسحاب؛ بل لجولة جديدة، وكان الأردنيون والعراقيون والسوريون على موعد مع هجوم آخر لو ترك للميدان أن يقول كلمته. وأيضاً كانت حاضرة بقوة مشاركة من قوات عربية.

وهنا تبدأ مرارة السياسة. فقد جاءت قرارات وقف إطلاق النار قبل أن يُختبر ذلك الهجوم، وقبل أن يُعرف إلى أين كان يمكن أن تصل الدبابات العربية. ولا يستطيع مؤرخ جاد أن يجزم بأن الجولان كله كان سيتحرر، لكن من المشروع أن يسأل: ماذا لو استمر الهجوم؟ ماذا لو صافحت الدبابات العربية قرى الجولان، وارتفعت الرايات فوق مواقع أخرى؟

وتصبح الأسئلة أشد حين نتذكر أن اسم حافظ الأسد كان حاضرًا في ملف الجولان منذ عام 1967، يوم كان وزيرًا للدفاع، وحين ارتبط سقوط القنيطرة ببلاغ عسكري ظل مثار جدل وشكوك طويلة. لا يكفي ذلك لإطلاق أحكام قطعية بالخيانة، لكنه يكفي ليضع قرارات دمشق اللاحقة تحت مجهر التاريخ، خصوصًا حين توقفت حرب 1973 فيما كانت قوات عربية قد بدأت الاستعداد لجولة هجومية أخرى.

لا يحتاج الأردن إلى أن ينتزع بطولة أحد؛ لمصر عبورها، ولسوريا تضحيات جنودها، وللعراق ثقله في الجبهة. لكن للأردن حقه أيضًا: جيش أمسك حدوده، ثم عبر إلى أرض شقيقة، وتحول إلى الهجوم، ودفع قوة متفوقة إلى الخلف مرتين، ثم استعد لمزيد من القتال.

كانت الفرحة العربية يومها أقرب مما اعتدنا أن نتصور، وكانت الدبابات قد قالت كلمتها قبل أن تقول السياسة كلمتها الأخيرة. وفي ذاكرة الأردن تبقى الصورة واضحة: حين اشتعلت الجبهة لم ينتظر الجيش العربي النار أن تصل إليه؛ ذهب إليها، وهاجم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم