العقاربة تكتب: خدمة العلم… مدرسة وطنية لصناعة جيلٍ أكثر انضباطًا وجاهزية

منذ 51 دقيقة
المشاهدات : 17973
العقاربة تكتب: خدمة العلم… مدرسة وطنية لصناعة جيلٍ أكثر انضباطًا وجاهزية
الدكتورة فاطمة العقاربة

الدكتورة فاطمة العقاربة

لم يكن تخريج الدفعة الثانية من مكلفي خدمة العلم في مركز خدمة العلم بمعسكرات شويعر، يوم الخامس عشر من أيلول 2026، مجرد مناسبة عسكرية تختتم مرحلة من التدريب، بل كان مشهدًا وطنيًا يحمل دلالات أعمق تتصل بمستقبل الشباب الأردني، وبقدرة الدولة على الاستثمار في الإنسان باعتباره الركيزة الأساسية للأمن الوطني والتنمية والاستقرار.

وبرعاية رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن مجدي محمد الحراسيس، احتفى الأردن بتخريج الدفعة الثانية من مكلفي خدمة العلم، بحضور عدد من كبار ضباط القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي وذوي الخريجين. وقد جاءت هذه المناسبة تتويجًا لمرحلة تدريبية تضمنت التدريب العسكري والتوعية والمهارات الحياتية، وأسهمت في تعزيز الانضباط والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية وصقل شخصية المنتسبين. فمن التدريب إلى بناء الشخصية لان
القيمة الحقيقية لخدمة العلم لا تختزل في التدريب العسكري وحده، وإنما في منظومة القيم التي ترافق هذا التدريب.
فالشاب الذي يتعلم احترام الوقت، والانضباط في أداء واجبه، والعمل ضمن فريق، وتحمل المسؤولية، والاعتماد على الذات، يكتسب أدوات سترافقه في حياته الجامعية والمهنية والاجتماعية.
ولهذا فإن خدمة العلم يمكن النظر إليها باعتبارها مدرسة وطنية متكاملة لبناء الشخصية، تجمع بين التأهيل البدني والعسكري والمعرفي والمهارات الحياتية، بما يتجاوز مفهوم التدريب التقليدي إلى الاستثمار في قدرات الشباب الأردني.
ولا ننسى أن برامج الدفعة الثانية أُعدت بصورة تراعي الجوانب البدنية والعسكرية والمعرفية، إلى جانب تنمية القدرات والمهارات المهنية والحياتية.
في عالم تتغير فيه طبيعة التحديات الأمنية بسرعة، لم تعد الجاهزية مفهومًا عسكريًا محضًا؛ فالإنسان الواعي والمنضبط والقادر على التعامل مع الأزمات جزء أساسي من منظومة الأمن الوطني.
ومن هنا تبرز أهمية خدمة العلم في إعداد جيل يدرك أن حماية الوطن لا تتوقف عند حدود الميدان العسكري، وإنما تشمل الوعي والمسؤولية والانضباط والقدرة على التعامل مع الظروف الاستثنائية.
إن الاستثمار في الشباب هو في جوهره استثمار في الأمن الوطني الأردني، لأن الدول القوية تحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات تحتاج إلى إنسان يمتلك المعرفة والانضباط والقدرة على تحمل المسؤولية.
ويأتي تخريج الدفعة الثانية في مرحلة تتولى فيها قيادة القوات المسلحة مسؤولياتها في تعزيز الجاهزية والتحديث والتطوير.
وقد رعى اللواء الركن مجدي محمد الحراسيس، منذ توليه رئاسة هيئة الأركان المشتركة في الثاني من أيلول 2026، عددًا من النشاطات المرتبطة بمسؤوليات القوات المسلحة، ومنها رعايته تخريج الدفعة الثانية من مكلفي خدمة العلم.
واللافت في هذه المناسبة أن الرسالة العسكرية لم تقتصر على الاستعراض والانضباط العسكري، بل ظهرت في طبيعة البرامج التدريبية التي هدفت إلى صقل شخصية الشباب وتنمية قدراتهم، وهو ما يجعل خدمة العلم جزءًا من رؤية أوسع لبناء الإنسان وتعزيز جاهزية المجتمع.
وفي الوقت ذاته، حمل حفل التخريج بُعدًا إنسانيًا مؤثرًا، إذ استُذكر مكلفو خدمة العلم الذين قضوا إثر حادث السير الذي تعرضت له الحافلة التي كانت تقلهم أثناء عودتهم إلى أماكن سكنهم، مع الدعاء لهم بالرحمة وللمصابين بالشفاء.
وهذه الذكرى تؤكد أن الوطن لا ينسى أبناءه، وأن المسؤولية الوطنية تظل مرتبطة بالإنسان قبل أي اعتبار آخر.
وقد كان حضور هذه الحادثة في المشهد الرسمي لخدمة العلم تعبيرًا عن أن خلف كل رقم واسم شابًا وأسرة وذكريات، وأن المؤسسة العسكرية تحمل مسؤوليتها تجاه منتسبيها في مختلف الظروف.
ربما تكون أهم رسالة يمكن توجيهها إلى خريجي الفوج الثاني أن انتهاء فترة الخدمة لا يعني انتهاء مسؤوليتهم الوطنية.
فالزي العسكري قد يُخلع، لكن الانضباط يجب أن يبقى.
وساعات التدريب تنتهي، لكن قيمة الوقت يجب أن تستمر.
والأوامر العسكرية تنتهي بانتهاء الخدمة، لكن احترام القانون والمسؤولية تجاه المجتمع يجب أن يصبحا جزءًا من السلوك اليومي.
إن الوطن لا يحتاج من شبابه أن يحملوا السلاح جميعًا، بقدر ما يحتاج إلى أن يحمل كل واحد منهم مسؤوليته في موقعه؛ الطالب في جامعته، والمهندس في عمله، والطبيب في مهنته، والمعلم في مدرسته، والعامل في موقعه، وكل شاب وشابة في المجتمع.
إن التجربة الأردنية في خدمة العلم تضع أمامنا مفهومًا مهمًا: الدفاع عن الوطن يبدأ ببناء الإنسان.
فكلما امتلك الشباب وعيًا أكبر، وانضباطًا أعلى، وقدرة على العمل الجماعي، ومهارات عملية وحياتية، أصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتحديات.
ولهذا فإن نجاح برنامج خدمة العلم لا يقاس فقط بعدد من تخرجوا منه، وإنما بما تتركه التجربة في شخصياتهم، وما يحولونه بعد ذلك إلى سلوك وعمل وإنتاج ومسؤولية.
لقد غادر خريجو الدفعة الثانية معسكرات التدريب وهم يحملون تجربة ستبقى جزءًا من ذاكرتهم الوطنية. ومن مسؤوليتهم أن يحولوا ما تعلموه إلى ممارسة يومية، وأن يكونوا نموذجًا للشاب الأردني الذي يجمع بين العلم والعمل والانضباط والانتماء.
وفي النهاية، فإن خدمة العلم ليست محطة عابرة في حياة الشباب؛ إنها تجربة وطنية هدفها أن تقول لجيل كامل إن الوطن لا يحتاج فقط إلى من يحبه، بل إلى من يعرف كيف يخدمه.
وهنا تكمن الرسالة الأهم:
نبني الإنسان… لتعزيز الجاهزية، ونرسخ الانضباط… لحماية المستقبل، ونُعد الشباب… ليكونوا شركاء حقيقيين في بناء الأردن.
كل التقدير لخريجي الدفعة الثانية من مكلفي خدمة العلم، ولكل القائمين على تدريبهم وتأهيلهم، وللقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، المؤسسة التي ظلت على الدوام مدرسة في الانضباط والواجب والوطنية.
حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، وحمى جيشه العربي وأبناءه، وجعل شباب الوطن دائمًا عنوانًا للقوة والبناء والعطاء .
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم