د.م. أمجد عودة الشباطات يكتب: الاستثمار في الأردن وعقلية BAU

منذ 33 دقيقة
المشاهدات : 8438
د.م. أمجد عودة الشباطات يكتب: الاستثمار في الأردن وعقلية BAU
د.م. أمجد عودة الشباطات

د.م. أمجد عودة الشباطات

في الإدارة مفهوم يُعرف اختصاراً بـ BAU، أي Business as Usual، ويمكن تبسيطه بأنه «إدارة العمل المعتاد»: تنفيذ الإجراءات، وإنجاز المعاملات، وتشغيل الخدمات، ومعالجة المشكلات اليومية، وتحسين العمليات القائمة. وهي عقلية ضرورية لاستمرار المؤسسات وكفاءة أعمالها، لكنها ليست العقلية التي صُممت لإحداث تحول في واقع معقد.

وهنا، في تقديري، تكمن إحدى مشكلات إدارة ملف الاستثمار في الأردن.

غلبت على هذا الملف عقلية BAU. نراجع إجراء، ونعدل تعليمات، ونشكل لجنة، ونطلق منصة، وننظم مؤتمراً، ونعد خريطة استثمارية، ونطرح فرصاً للترويج. بعض هذه الجهود ضروري ومفيد، لكن كثرة المبادرات لا تعني بالضرورة حدوث تحول، وتحسين أجزاء من المنظومة لا يعني أن المنظومة نفسها قد تغيرت.

فالاستثمار ليس معاملة نختصر خطواتها، ولا فرصة نعد لها دراسة ثم نسوقها. إنه منظومة تتداخل فيها التشريعات والإجراءات والتكلفة والتمويل والبنية التحتية والمهارات والبيانات والخدمات والأسواق والتنافسية، إضافة إلى رحلة المستثمر منذ التفكير في الاستثمار حتى التأسيس والتشغيل والتوسع.

وعندما تكون المعضلات متعددة ومترابطة، فإن معالجة كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى قد تنتج تحسينات، لكنها لا تصنع بالضرورة تحولاً. قد نختصر مدة معاملة، ونرقمن خدمة، ونطور منصة، ونحسن الترويج، ثم تبقى حلقة أخرى في السلسلة كافية لتعطيل النتيجة كلها.

لذلك فالمشكلة ليست دائماً في قلة العمل، بل قد تكون في الطريقة التي ننظم بها هذا العمل ونربطه بالنتيجة التي نريد الوصول إليها.

وهنا يختلف منطق إدارة المشاريع عن منطق العمل المعتاد.

المشروع في جوهره أداة للتغيير؛ يبدأ من وضع قائم وينتهي بقدرة أو نتيجة جديدة. ولذلك لا ينشغل بالتنفيذ وحده، بل بتحليل المشكلة، وتحديد الوضع المستهدف، وبناء مبررات التدخل، وإدارة المخاطر والموارد وأصحاب العلاقة، ثم التحقق من المنافع التي تحققت بسببه.

وعندما نتحدث عن قضية بحجم الاستثمار الوطني، فإن إدارة المشروع الواحد لا تكفي. نحن أمام مستوى أعلى من التفكير والإدارة: إدارة محافظ المشاريع والبرامج.

فإدارة المحفظة لا تبدأ بالسؤال: ما المشاريع التي لدينا؟ بل: ما الذي نريد تحقيقه، وما مجموعة المشاريع والبرامج والمبادرات التي تقودنا إليه؟

ومن هنا تتغير طريقة اتخاذ القرار. نحدد الفجوات أولاً، ثم التدخلات اللازمة لإغلاقها، ونرتب الأولويات، ونخصص الموارد، وندير الترابط بين المشاريع، ونراجع ما يستحق الاستمرار وما يحتاج إلى تعديل، وما ينبغي إيقافه إذا لم يعد يحقق قيمة تبرر تكلفته.

بهذه العقلية لا يصبح عدد المبادرات مؤشراً للنجاح، ولا عدد المؤتمرات، ولا المنصات، ولا حجم ما نعلنه من فرص. المعيار هو ما أحدثته هذه التدخلات مجتمعة في قدرة الأردن على جذب الاستثمار المناسب، وتثبيته وتوسيعه، وتحويله إلى نمو وفرص عمل وقيمة مضافة.

ولنأخذ الاستثمار في المحافظات مثالاً.

قد نبدأ بعقلية العمل المعتاد بحصر الفرص الاستثمارية، ثم إعدادها وعرضها وتسويقها. أما بعقلية إدارة التغيير، فإن التسويق ليس بالضرورة نقطة البداية.

نبدأ بالجاهزية.

هل المحافظة جاهزة فعلاً للاستثمار الذي نريد جذبه؟ هل الفرصة مجدية؟ هل الموقع مهيأ؟ هل البنية التحتية والخدمات والطاقة والنقل والمهارات وسلاسل الإمداد متوافرة؟ هل الإجراءات قابلة للتنفيذ ضمن زمن وتكلفة مقبولين؟ وهل المستثمر الذي نستهدفه يتناسب أصلاً مع الميزة الفعلية للمحافظة؟

وقد يقود التحليل إلى نتيجة مختلفة تماماً عما بدأنا به: أن الأولوية ليست حملة ترويجية جديدة، بل طريقاً أو خدمة أو مهارة مفقودة، أو تجهيز موقع، أو معالجة فجوة تمويلية، أو تعديل إجراء أو تشريع، أو توفير بيانات يحتاجها المستثمر لاتخاذ القرار.

عندها لا تعود لدينا مجموعة أنشطة متفرقة، بل محفظة تغيير؛ لكل تدخل فيها سبب، وأولوية، ومسؤولية، وموارد، ومنافع مستهدفة، وعلاقة واضحة بالنتيجة النهائية.

وهذا يتطلب أيضاً إدارة تغيير مؤسسي. فإصدار تشريع لا يعني أن الواقع تغير، ورقمنة الإجراء لا تعني بالضرورة أنه أصبح أفضل، وإنجاز المشروع لا يعني أن منفعته تحققت. التغيير الحقيقي يجب أن يصل إلى طريقة العمل والمسؤوليات والقدرات والسلوك المؤسسي وآليات اتخاذ القرار، ثم يصبح جزءاً مستقراً من عمل المؤسسة.

وهذه الفكرة تتجاوز الاستثمار. فالتعليم، والتحول الرقمي، والإصلاح الإداري، والنقل، والمياه، والتنمية المحلية، وغيرها من الملفات الكبرى، لا تعاني عادة من مشكلة منفردة يمكن إصلاحها بإجراء منفرد. إنها منظومات، والمنظومات لا تتغير بتجميع مبادرات متفرقة، بل بإدارة تحول مترابط.

لهذا نحتاج داخل الوزارات والمؤسسات إلى حوكمة تفهم علم إدارة المحافظ والبرامج والمشاريع، وتتكامل معها إدارة التغيير. حوكمة لا تكتفي بالسؤال عن نسبة الإنجاز، بل تسأل عن المنفعة؛ ولا تكتفي بمتابعة ما أُنجز، بل تختبر إن كان ما أُنجز يقربنا فعلاً من الهدف الاستراتيجي.

عقلية BAU ضرورية؛ فهي التي تُبقي المؤسسة تعمل اليوم.

لكن إدارة المشاريع والبرامج والمحافظ هي التي تمكنها من بناء غد مختلف.

وعندما تكون المشكلة في الوضع القائم نفسه، فإن تحسين إدارة هذا الوضع، مهما بلغت كفاءته، لن يكون بديلاً عن تغييره.

وفي ملف الاستثمار في الأردن، سنبقى ندور في الدائرة نفسها إذا استمررنا في تغيير المبادرات والإجراءات والأدوات، وأبقينا العقلية التي تدير التغيير كما هي.

هتان للدراسات والاستشارات | AMJCOM
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم