الشيخ حمزة الخطاطبة يكتب: لإبطالِ دعوى قيادة المرأة للجاهات العشائرية (نقولُ بتوزيعِ الأدوارِ لا بإلغاءِ الكرامة )

منذ 36 دقيقة
المشاهدات : 21927
الشيخ حمزة الخطاطبة يكتب: لإبطالِ دعوى قيادة المرأة للجاهات العشائرية (نقولُ بتوزيعِ الأدوارِ لا بإلغاءِ الكرامة )
فضيلة المحامي الشرعي الشيخ حمزة الخطاطبة

فضيلة المحامي الشرعي الشيخ حمزة الخطاطبة

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
إنّ السعيَ نحو نصرة المرأة وإكرامها مطلبٌ شرعيٌّ وأخلاقيّ أصيل، غير أن الخلط بين مفهوم "إكرام المرأة" وبين "إقحامها في أدوارٍ ليست من اختصاصها ولا تتناسب مع طبيعتها" ينحرفُ بالقضيةِ عن مسارها الصحيح، ومن ذلك الدعوات التي تطالب بممارسة المرأة لأدوارٍ قياديةٍ في المجالس العشائرية وترؤس الجاهات وإبرام العطوات وإدارة الصلحات، بزعم أن ذلك من التمكين، وهو في حقيقتهِ مجافاةٌ للعدلِ الشرعي ومخالفةٌ للعرف العشائري الأصيل، فالإسلام أقامَ البناء الاجتماعي على مبدأ العدالة الإلهية التي تربط التكليف بالتكوين، حيثُ قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؛ وهذه الآية الكريمة تضع الميزان الدقيق للتشريع، إذ أقرت بالعدل والتساوي في الحقوق والكرامة بقولهِ سبحانه : (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ.... الآية)، بينما خصّت الرجال بـ (دَرَجَةِ) القوامة والمسؤولية والقيادة في الشؤون العامة وإدارة المواجهات العشائرية الجسيمة، وحسم التباين الفطري وفي ذلك يقولُ اللهُ تعالى : ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالَأُنْثَىٰ﴾.

وجاء التوجيه النبوي ليشير إلى أن الإمارة العامة وإدارة الخصومات الكبرى من اختصاص الرجال لقوله ﷺ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»، في حين جاء التوجيه النبوي الخالد رفيقاً بالنساء وصائناً لطبيعتهن حين قال عليه الصلاة والسلام: «ارْفُقْ يَا أَنْجَشَةُ، وَيْحَكَ بِالقَوَارِيرِ»، وفي هذا التشبيه النبوي المُعجز بلاغةٌ ورِقَّةٌ متناهية ،إذ شبّهَ النبيُّ ﷺ المرأة بالقارورةِ لصفائِها ورِقَّتِها وسرعةِ تأثُّرِها، فالزجاجةُ الرقيقةُ تُخدشُ بالخشونةِ وتُكسَرُ بالقسوة، وإقحامُ المرأة في جلافة المواقف العشائرية ومواضع الخصومات هو كسرٌ لهذه القارورة وتكليفٌ لها بما يُنافي رِقّتها ولطافتها التي خلقها الله عليها.

وهذا التوجيه النبوي يتناغمُ تماماً مع موروثِنا العشائري الأصيل الذي جعلَ للمرأةِ مكانةً ساميةً وحرمةً مُصانة تتنزّهُ عن الخوض في تفاصيل النزاعات والمواجهات الميدانية، فلم يكن من عادات الآباء والأجداد إقحام النساء في تفاصيل الجاهات والصلحات، بل كانت حرمة المرأة مبعثاً لتحريك النخوة في نفوس الرجال لقضاء الحوائج دون أن تخرج هي للتفاوض، فالإسلام يقرر مبدأ "التكامل" لا "التماثل المطابق"، إذ يتساوى الرجل والمرأة في الكرامة الإنسانية والأهلية والجزاء والأصل في العبادات لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، بينما يقع الاختلاف في المهام الحياتية والتكاليف، فخُصّ الرجل بالحماية والإنفاق والشؤون العامة، وتخصصت المرأة بأعظم تخصص وهو صناعة الإنسان والرعاية الأسرية وتنشئة الأجيال.

إن الأصوات النشاز التي تنادي بهذه الدعوات تحت شعارات حقوق المرأة جاءت متأخرة جداً، فديننا الحنيف سبقهم بأكثر من ألف وأربعمائة عام فأكرم الأنثى أُمّاً وجعل الجنة تحت قدميها، وأكرمها بنتاً وأختاً وجعل رعايتها حجاباً من النار، وأكرمها زوجة وجعل حسن عشرتها المعيار الأول لفضل الرجال حين قال ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ»، فكرامة المرأة لا تتجلى في تقليدها للرجل في الجاهات، وإنما بإكرامها في عرشها الأسري وصيانة فطرتها، وحريٌّ بنا أن نحفظ للمرأة مكانتها العالية في بيتها ومجتمعها دون تكلّفٍ أو انحراف، متأملينَ قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.

والحمد لله رب العالمين.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم