الدكتور علي فواز العدوان يكتب: الفيزياء الجديدة للقوة

منذ 32 دقيقة
المشاهدات : 12689
الدكتور علي فواز العدوان يكتب: الفيزياء الجديدة للقوة
د. علي فواز العدوان

د. علي فواز العدوان

الحروب لم تعد تُحسم بمن يملك الطائرات الأكثر تطوراً، أو الأساطيل الأضخم، أو الجيوش الأكثر عدداً؛ فالعالم يدخل مرحلة جديدة من الصراع، أصبحت فيها التكنولوجيا والمعلومة والدقة قادرة على إعادة رسم ميزان القوة، ومنح الطرف الأضعف قدرة على إيلام الطرف الأقوى.
هذه هي خلاصة رؤية الكاتب الأمريكي توماس فريدمان، صاحب طرح «الفيزياء الجديدة للقوة»، في قراءته للحرب الأمريكية–الإيرانية، والتي يرى فيها تحولاً عميقاً في طبيعة القوة العسكرية في العالم.
فبحسب فريدمان، لم تعد القوة حكراً على الدول الكبرى التي تمتلك الجيوش والأسلحة الأكثر تطوراً، بعدما أصبحت الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والمعلومات والتكنولوجيا منخفضة الكلفة نسبياً قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بخصم يفوقها قوة وحجماً وإمكانات.
وهذه الرؤية لا تتوقف عند حدود المواجهة الأمريكية–الإيرانية، بل تمتد إلى الحرب الروسية–الأوكرانية، وإلى الصراعات التي شهدتها المنطقة، حيث أصبحت المسيّرات والصواريخ الدقيقة والحرب الإلكترونية والمعلومات الاستخبارية أدوات قادرة على تغيير حسابات المعركة، بل والتأثير في القرار السياسي والاقتصادي.
وهنا تكمن أهمية ما يطرحه فريدمان؛ فهو لا يتحدث عن تطور في الأسلحة فقط، وإنما عن تغيير في مفهوم القوة ذاته.
فالصاروخ الدقيق، والطائرة المسيّرة، والهجوم السيبراني، والمعلومة الاستخبارية، والذكاء الاصطناعي، لم تعد أدوات مساندة في الحرب، وإنما أصبحت مكونات أساسية في صناعة القوة والردع.
والأخطر أن معادلة الكلفة بدأت تنقلب؛ فقد تكون كلفة السلاح الهجومي محدودة، بينما تحتاج مواجهته إلى منظومة دفاعية باهظة الثمن، ما يسمح للطرف الأقل قدرة على استنزاف موارد الطرف الأقوى وإجباره على إعادة حساباته.
وهنا تنتقل «الفيزياء الجديدة للقوة» من مفهوم عسكري إلى معادلة استراتيجية جديدة.
فالسؤال لم يعد فقط: من يمتلك الجيش الأقوى؟
بل أصبح: من يمتلك التكنولوجيا والمعلومة والقدرة على استخدامها في اللحظة المناسبة؟
وهذه النقلة تحمل تداعيات مباشرة على الأمن القومي العربي.
فالمنطقة العربية تقع في قلب شبكة من الممرات البحرية ومصادر الطاقة والمنشآت الحيوية وشبكات الاتصالات والبنى التحتية، ما يجعلها عرضة لتداعيات أي انتقال للصراع من الجبهات التقليدية إلى الصواريخ والمسيّرات والهجمات السيبرانية.
ولهذا لم يعد الأمن القومي يعني حماية الحدود والجبهات التقليدية فقط، بل أصبح يعني حماية الدولة والمجتمع والاقتصاد والطاقة والمياه والغذاء والاتصالات والمعلومات والبنية التحتية الحيوية.
إن قراءة فريدمان يجب أن تكون بالنسبة للعرب أكثر من مجرد تحليل للحرب الأمريكية–الإيرانية؛ فهي جرس إنذار بشأن مستقبل الحروب وكيفية تشكل القوة في النظام الدولي الجديد.
فالدولة القوية في المستقبل لن تكون فقط الدولة التي تمتلك أكبر ترسانة عسكرية، وإنما الدولة التي تجمع بين المعرفة والتكنولوجيا والمعلومة والقدرة على اتخاذ القرار وتحويل هذه العناصر إلى قوة استراتيجية.
ومن هنا فإن العالم العربي أمام اختبار حقيقي هل يبقى مستهلكاً للتكنولوجيا الحديثة، أم ينتقل إلى بناء قدراته العلمية والتكنولوجية والدفاعية، وتطوير منظومات متقدمة للإنذار المبكر والأمن السيبراني وحماية البنى التحتية الحيوية.
إن «الفيزياء الجديدة للقوة» لا تعني أن القوى الكبرى فقدت تفوقها، وإنما تعني أن هذا التفوق لم يعد مطلقاً، وأن الطرف الأقل قوة يستطيع، إذا امتلك التكنولوجيا والمعلومة والقدرة على توظيفهما، أن يفرض كلفة استراتيجية على الطرف الأقوى.
وهنا تكمن الرسالة الأهم للعالم العربي: القوة لم تعد مجرد امتلاك السلاح، وإنما امتلاك القدرة على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وتحويلها إلى ردع يحمي الأمن الوطني والقومي.
فمن لا يشارك في صناعة أدوات القوة الجديدة، سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع نتائجها، وربما دفع ثمن صراعات لم يكن طرفاً فيها.
القوة لم تعد حكراً على الأقوياء وإنما أصبحت لمن يعرف كيف يصنعها ويستخدمها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم