سرايا - الحديث عن دخول المرأة إلى مجال الجاهات والعطوات العشائرية لا ينبغي أن يتحول إلى معركة بين مؤيد للمرأة ومعارض لها؛ فالمرأة الأردنية لها مكانتها ودورها، ولا أحد ينتقص من قدراتها أو حضورها في مختلف ميادين الحياة.
لكن الجاهة العشائرية ليست مجرد حضور اجتماعي أو مناسبة بروتوكولية؛ فهي منظومة لها أعرافها وهيبتها، ومن يتصدرها يتحمل مسؤولية الحديث والطلب والتفاوض واحتواء المواقف الصعبة، وقد يواجه ظروفًا تحتاج إلى مشقة وعناء وتحمل ومواجهة مباشرة.
ولهذا استقر العرف، تاريخيًا، على أن يتولى الرجال هذه المهمة. وليس معنى ذلك أن المرأة عاجزة أو أقل قدرة، وإنما لأن طبيعة الجاهة العشائرية كما عرفها المجتمع الأردني قامت على أدوار محددة استقرت عليها العادة والعرف.
ومع ذلك، فإن العرف لم يكن يومًا أعمى عن الضرورة، ولدينا في مجتمعنا أمثلة نادرة تؤكد ذلك.
ففي إحدى الوقائع، وبعد حادث سير، قدم المرحوم الشيخ ضامن الحمايدة ومعه مجموعة من الوجهاء لأخذ عطوة، فاستقبلتهم المرحومة الشيخة حورية بنت نايف المجالي، وكانت لا تعلم بما تعرض له ابنها.
سألت الشيخ ضامن: «تريد عطوة على طيب أم على ميت؟»، فأجابها: «على طيب إن شاء الله»، فأعطته ما طلب.
هذه الحادثة تختصر الكثير من فلسفة العرف العشائري؛ فالمرأة هنا لم تدخل هذا الدور بوصفه انقلابًا على العرف، وإنما جاءت الضرورة لتفرض استثناءً، ولم يكن هناك من ذوي المتضرر من يستطيع القيام بالمهمة في تلك اللحظة.
وهنا الفرق بين الاستثناء الذي تفرضه الضرورة، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة.
فالواقعة لا تنتقص من المرأة، بل على العكس، تكشف عن قدرة امرأة من نساء المجتمع على تحمل موقف بالغ الحساسية، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن العرف كان قادرًا على التعامل مع الحالات الاستثنائية دون أن يهدم القاعدة العامة.
ومن هنا فإن السؤال اليوم ليس: هل تستطيع المرأة أن تترأس جاهة أو تعطي عطوة؟ فقد أثبت التاريخ الاجتماعي أن ذلك يمكن أن يحدث في حالات الضرورة.
السؤال هو: هل نريد تحويل الحالات الاستثنائية إلى قاعدة عامة، وإعادة تعريف الجاهة والعطوة بما يتجاوز ما استقر عليه العرف؟
أما ربط ذلك بالاتفاقيات الدولية، ومنها اتفاقية سيداو، فيحتاج إلى قدر من التروي؛ فالحقوق القانونية للمرأة أمر، والأدوار الاجتماعية والعشائرية المتوارثة أمر آخر. ولا ينبغي أن تتحول مفاهيم المساواة إلى أداة لإعادة صياغة كل عرف اجتماعي بمعزل عن خصوصية المجتمع.
فالمرأة ليست بحاجة إلى أن تتصدر كل جاهة حتى تثبت أنها شريكة كاملة في المجتمع، كما أن الرجل لا يفقد مكانته إذا أسند إلى المرأة دورًا في حالة استثنائية.
العرف يتسع للضرورة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتجريب كل جديد.
ولعل قصة المرحومة الشيخة حورية بنت نايف المجالي تبقى شاهدًا على أن الحكمة العشائرية كانت تعرف متى تتمسك بالقاعدة، ومتى تفتح باب الاستثناء عندما تفرض الضرورة نفسها.
وهنا لا نحتاج إلى «شيخة قِلطة» تبتكر أعرافًا جديدة، ولا إلى «شيخ قِلطة» يلغي أعرافًا مستقرة؛ بل نحتاج إلى عقلاء يعرفون أن العرف الحي هو الذي يحفظ كرامة الناس، ويستجيب للضرورة، دون أن يفقد هويته.
محمد مطلب المجالي
لكن الجاهة العشائرية ليست مجرد حضور اجتماعي أو مناسبة بروتوكولية؛ فهي منظومة لها أعرافها وهيبتها، ومن يتصدرها يتحمل مسؤولية الحديث والطلب والتفاوض واحتواء المواقف الصعبة، وقد يواجه ظروفًا تحتاج إلى مشقة وعناء وتحمل ومواجهة مباشرة.
ولهذا استقر العرف، تاريخيًا، على أن يتولى الرجال هذه المهمة. وليس معنى ذلك أن المرأة عاجزة أو أقل قدرة، وإنما لأن طبيعة الجاهة العشائرية كما عرفها المجتمع الأردني قامت على أدوار محددة استقرت عليها العادة والعرف.
ومع ذلك، فإن العرف لم يكن يومًا أعمى عن الضرورة، ولدينا في مجتمعنا أمثلة نادرة تؤكد ذلك.
ففي إحدى الوقائع، وبعد حادث سير، قدم المرحوم الشيخ ضامن الحمايدة ومعه مجموعة من الوجهاء لأخذ عطوة، فاستقبلتهم المرحومة الشيخة حورية بنت نايف المجالي، وكانت لا تعلم بما تعرض له ابنها.
سألت الشيخ ضامن: «تريد عطوة على طيب أم على ميت؟»، فأجابها: «على طيب إن شاء الله»، فأعطته ما طلب.
هذه الحادثة تختصر الكثير من فلسفة العرف العشائري؛ فالمرأة هنا لم تدخل هذا الدور بوصفه انقلابًا على العرف، وإنما جاءت الضرورة لتفرض استثناءً، ولم يكن هناك من ذوي المتضرر من يستطيع القيام بالمهمة في تلك اللحظة.
وهنا الفرق بين الاستثناء الذي تفرضه الضرورة، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة.
فالواقعة لا تنتقص من المرأة، بل على العكس، تكشف عن قدرة امرأة من نساء المجتمع على تحمل موقف بالغ الحساسية، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن العرف كان قادرًا على التعامل مع الحالات الاستثنائية دون أن يهدم القاعدة العامة.
ومن هنا فإن السؤال اليوم ليس: هل تستطيع المرأة أن تترأس جاهة أو تعطي عطوة؟ فقد أثبت التاريخ الاجتماعي أن ذلك يمكن أن يحدث في حالات الضرورة.
السؤال هو: هل نريد تحويل الحالات الاستثنائية إلى قاعدة عامة، وإعادة تعريف الجاهة والعطوة بما يتجاوز ما استقر عليه العرف؟
أما ربط ذلك بالاتفاقيات الدولية، ومنها اتفاقية سيداو، فيحتاج إلى قدر من التروي؛ فالحقوق القانونية للمرأة أمر، والأدوار الاجتماعية والعشائرية المتوارثة أمر آخر. ولا ينبغي أن تتحول مفاهيم المساواة إلى أداة لإعادة صياغة كل عرف اجتماعي بمعزل عن خصوصية المجتمع.
فالمرأة ليست بحاجة إلى أن تتصدر كل جاهة حتى تثبت أنها شريكة كاملة في المجتمع، كما أن الرجل لا يفقد مكانته إذا أسند إلى المرأة دورًا في حالة استثنائية.
العرف يتسع للضرورة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتجريب كل جديد.
ولعل قصة المرحومة الشيخة حورية بنت نايف المجالي تبقى شاهدًا على أن الحكمة العشائرية كانت تعرف متى تتمسك بالقاعدة، ومتى تفتح باب الاستثناء عندما تفرض الضرورة نفسها.
وهنا لا نحتاج إلى «شيخة قِلطة» تبتكر أعرافًا جديدة، ولا إلى «شيخ قِلطة» يلغي أعرافًا مستقرة؛ بل نحتاج إلى عقلاء يعرفون أن العرف الحي هو الذي يحفظ كرامة الناس، ويستجيب للضرورة، دون أن يفقد هويته.
محمد مطلب المجالي
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات