حسبنا افتخاراً بما صنع الأولون، وكفانا اتكاءً على أمجادٍ صنعها غيرنا، فعشنا طويلاً نقتات على حكايات رجال أثبتوا أن هذا التراب ينجب الأحرار وقت الشدائد، بينما فرّطنا نحن في الأمانة وحوّلنا الإرث إلى ركام مكتفين بالتصفيق لبطولات خطّها الآباء والأجداد بدمائهم ، ظانين أن جذوة الحكاية ستبقى متوهجة دون عرق أو تضحية وفي خضم هذا السقوط، لم تعد المجاملات تفيد، فلست ممن يراقب وطني خلسة من ثقب الباب ولا يكتفي بما يحلو للعيون أن تراه، بل أقف أمامه بقلب مثقوب ينزف وجعاً على ما آلت إليه الحال، وبروح ترفض اعتياد الخراب وهي تسأل: ماذا سيبقى من أثرنا حين نرحل وبأي وجه سنقابل غضب الجيل القادم وهو يرث هذه الخيبة الماثلة أمام عينيه؟ حين يعتلي الجيل القادم منصة الحساب، لن تخدعهم تبريراتنا البائسة ولن تنفعهم معلقاتنا الرخوة، بل سيرفعون رؤوسهم ليواجهونا بلا رحمة وبلا أعذار، عارضين مرارة الدمار الماثل أمام أعينهم، مؤسسات تنهش عظامها أيدي العبث والترهل الإداري، وفساد يُدار بالصمت والتواطؤ والمجاملات، وكفاءات وطنية أُعدِمت في مهدها لحساب شبكة بغيضة من الواسطة والمحسوبيات التي تقبض على خناق المستقبل وتبيع أقدار أبنائهم في سوق الذمم وأمام هذا المشهد، يتكشّف الرعب الأكبر، فأجيال الغد لن تحابينا بالعاطفة، والتاريخ لن يرحم، ولن نجد من يغفر لنا هذا التفريط المخزي، إذ إن الجريمة الكبرى لم تكن أفعال العابثين وحدها، بل صمتنا الجبان وتواطؤنا المقيت حين رضخنا لنكون شهود زور على تفتيت مقدرات أجيال كاملة، مكتفين بالجلوس على أرصفة الحياد وعندما يقف الشاب مكبلاً أمام جدار عجزنا، فإنه لا يدوّن مجداً، بل يكدس في صدره غضباً محرقاً سيلعن طقوس وجودنا ويحرق الأخضر واليابس ليمحو كل خذلاننا. شتان، بل ألف شتان، ما بين جيل أسس مداميك هذا الوطن بالحرمان والصبر والدم، وجيل اليوم الذي يبدد رصيد التاريخ على موائد الترضيات والمجاملات العابرة بدم بارد، إن هذا الاستسلام التام للتراجع واعتباره قدراً محتوماً هو الخيانة العظمى لذاتنا ومستقبلنا، وهو صك إدانة سنحمله إلى قبورنا غير أن الأمر لم ينتهِ بعد ولم تُدق المسامير النهائية على النعوش، فما زال في جعبة هذا الوطن نبض حارق يرفض الموت، وما زالت صرخة الحق قادرة على إحداث زلزال يطيح بطاولات العبث، طالما أن فينا عقولاً تشعر بخطر اللحظة، وأقلاماً شريفة ترفض أن تبيع مدادها للشيطان أو تهادن على حساب الأجيال. لقد عاد التغيير اليوم ليكون معركة وجود ومصير لا تقبل الحياد ولا الرمادية، معركة تحتاج إلى جرأة قاطعة لا تتردد في بتر مواطن الخلل، وثورة جذرية على ثقافة الصمت وستر العيوب، وضرباً بيد من حديد على يد كل متطاول يعبث بمقدرات هذا الشعب وحتّمت علينا هذه اللحظة أن نفتح العيون قبل أن تُقفل الأبواب، لنسارع إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، مستلهمين قول جلالة الملك عبدالله الثاني بأن «مستقبل أبنائنا وأحفادنا أمانة في أعناقنا جميعاً، ولن نسمح بأن تضيع الجهود أو أن يتراجع الوطن بسبب التقصير أو التهاون»، لكي لا نُورثهم وطناً ينزف على أيدينا، بل أمانة تُصان وتراباً يعتزون بالانتماء إليه، لا مرثية سوداء تدون ذلّنا وتلعن ساعةً شهدت خذلاننا الصامت أمام عتبات الخراب. حفظ الله الأردن حصناً منيعاً برؤية قيادته الحكيمة، لتبقى سردية أجياله عنواناً للوفاء، ودرعاً تحمي نقاء الحكاية من عتبات الخراب.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات