محمد جميل الخطيب يكتب: حين تصبح الزراعة اقتصاداً عابراً للحدود .. عمّان تجمع المشرق حول مائدة واحدة

منذ 37 دقيقة
المشاهدات : 8324
 محمد جميل الخطيب يكتب: حين تصبح الزراعة اقتصاداً عابراً للحدود ..  عمّان تجمع المشرق حول مائدة واحدة
العقيد المتقاعد محمد جميل الخطيب

العقيد المتقاعد محمد جميل الخطيب

عضو اللجنه التحضيرية لمؤتمر المشرق العربي للصادرات الزراعية
ليس سهلاً اليوم أن تجمع تحت سقف واحد المزارع والمصدّر والمستورد والمستثمر والبنك وشركة النقل وصانع القرار، وأن تجعلهم جميعاً يتحدثون بلغة واحدة عنوانها: كيف نحول ما تنتجه أرضنا إلى قيمة اقتصادية تصل إلى أسواق العالم؟
وهنا تحديداً تكمن أهمية مؤتمر المشرق العربي للصادرات الزراعية الذي تستضيفه عمّان يومي 15 و16 أيلول، تحت شعار جميل في كلماته، كبير في معناه: «المشرق العربي.. قوة زراعية واحدة وأسواق بلا حدود».
هذا المؤتمر يستحق الاهتمام، ليس لأنه يضيف مؤتمراً جديداً إلى أجندة الفعاليات الاقتصادية، وإنما لأنه يضع يده على واحد من أكثر الملفات التصاقاً بحياة الناس: الزراعة.
فالحديث عن الزراعة ليس حديثاً عن أرقام الإنتاج والتصدير وحدها. خلف كل صندوق خضار أو فاكهة يصل إلى سوق خارجي مزارع انتظر موسماً كاملاً، وأسرة تعيش من هذه الأرض، وعامل، وناقل، وتاجر، ومصدّر، وسلسلة طويلة من الأعمال والأرزاق.
ولهذا فإن زيادة الصادرات الزراعية ليست مجرد تحسن في رقم اقتصادي، بل دخل يصل إلى بيت، وفرصة عمل تستمر، وأرض تبقى منتجة، وقرية تتحرك فيها عجلة الاقتصاد.
ومن هنا أجد أن أهم ما يميز المؤتمر هو أنه لا يريد الوقوف طويلاً أمام السؤال التقليدي: ما مشكلات القطاع الزراعي؟ فنحن نعرف كثيراً من هذه المشكلات، وسمعنا عنها كثيراً.
السؤال الأكثر أهمية اليوم هو: كيف نحلها؟
كيف نوصل المزارع إلى المشتري الحقيقي؟ وكيف يعرف المزارع، قبل أن يزرع، ماذا يريد السوق؟ وبأي كمية؟ وبأي مواصفات؟ وبأي سعر يستطيع المنافسة؟ كيف نمول الصادرات؟ وكيف نحمي المزارع والمصدّر من المخاطر؟ وكيف نرفع جودة المنتج ونضمن سلامته وتتبعه؟ وكيف نخفض كلف النقل والفاقد؟ وكيف نحافظ على سلسلة التبريد من المزرعة وحتى السوق الخارجي؟
هذه هي الأسئلة التي يحتاجها الاقتصاد الحقيقي. والجميل أن برنامج المؤتمر يحاول الاقتراب منها بصورة عملية، من خلال أربعة ملفات مترابطة: الأمن الغذائي، والحلول المالية، والشهادات والمعايير، والخدمات اللوجستية والشحن.
وهذه ليست عناوين منفصلة.
فلا قيمة لإنتاج زراعي وفير إذا لم نجد له سوقاً، ولا قيمة لسوق خارجي إذا لم يستطع المنتج اجتياز شروطه ومواصفاته، ولا قيمة لعقد تصديري إذا تعطلت الشحنة على الحدود أو وصلت متأخرة، ولا يستطيع المزارع أو المصدّر التوسع إذا بقي التمويل بعيداً عنه.
إنها سلسلة واحدة، وأي خلل في حلقة منها يدفع ثمنه الجميع، وفي مقدمتهم المزارع.
الأردن.. أكثر من دولة مستضيفة
اختيار عمّان لهذا المؤتمر يحمل دلالة مهمة.
فالأردن لا ينبغي أن ينظر إلى نفسه فقط كمنتج زراعي يريد بيع إنتاجه، وإنما كحلقة وصل اقتصادية ولوجستية تستطيع أن تجمع إنتاج المنطقة وتربطه بأسواق الخليج وأوروبا.
لدينا الموقع، والخبرة بالتصدير، والقطاع الخاص، وشبكة العلاقات التجارية، والخدمات اللوجستية، والأهم أن الأردن يمتلك سمعة وثقة واستقراراً يسمح له بأن يكون مساحة لقاء بين المنتج والمشتري والمستثمر.
وهذه فرصة علينا أن نحسن استثمارها. فالمنطقة من حولنا تتغير، ومفهوم الأمن الغذائي نفسه تغير. ولم تعد الدول تنظر إلى الغذاء باعتباره سلعة متوافرة في الأسواق متى شاءت، بل أصبح جزءاً من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي.
والحروب واضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع كلف الشحن والتغير المناخي أثبتت أن من يملك القدرة على الإنتاج، وشبكة نقل آمنة، وأسواقاً متنوعة، وشراكات إقليمية، يملك جزءاً مهماً من أمنه ومستقبله.
ولهذا فإن فكرة أن يعمل المشرق العربي كقوة زراعية أكثر تكاملاً تستحق أن تؤخذ بجدية.
ليس المطلوب أن تلغي دولة خصوصية دولة أخرى أو أن ينافس المزارع الأردني المزارع السوري أو اللبناني أو الفلسطيني في كل شيء. فالعكس هو الصحيح.
المطلوب أن نعرف أين تكمن ميزة كل دولة، وكيف تتكامل المواسم والمنتجات والخبرات والخدمات، وكيف نذهب إلى الأسواق الكبيرة بقدرة تفاوضية وتسويقية أفضل.
كثير من المؤتمرات تنتهي عندما تنطفئ أضواء القاعة. تقال كلمات جميلة، تلتقط الصور، تصدر التوصيات، ثم يعود الجميع إلى أعمالهم. لكن القيمة الحقيقية لأي مؤتمر اقتصادي تبدأ بعد المؤتمر.
ولذلك فإن وجود اجتماعات أعمال ثنائية B2B تجمع المنتجين والمصدّرين بالمشترين والمستثمرين، إلى جانب المعرض الزراعي وورش العمل التطبيقية، ربما يكون أهم من عشرات الكلمات والخطابات.
أنا شخصياً أقيس نجاح أي مؤتمر اقتصادي بسؤال بسيط:
ماذا حدث في اليوم التالي؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن نقيس به نجاح المؤتمر: هل وُقّع عقد تصدير؟ هل دخل منتج أردني سوقاً جديدة؟ هل وجد مزارع أو شركة تمويلاً؟ هل بدأت شراكة استثمارية؟ وهل حُلّت مشكلة في النقل أو الحدود أو المواصفات؟
إذا تحققت بعض هذه النتائج، فنحن أمام مؤتمر منتج، وليس مجرد فعالية.
المزارع الصغير يجب ألا يبقى الحلقة الأضعف
ومن أهم أهداف المؤتمر الوصول إلى خارطة طريق حقيقية للمزارع، وخصوصاً المزارع الصغير، تساعده على معرفة احتياجات الأسواق والكميات والأسعار التنافسية، بدلاً من أن يزرع أولاً ثم يبدأ رحلة البحث عمن يشتري محصوله.
فالمزارع ليس مطلوباً منه أن يكون خبيراً في الأسواق الأوروبية والخليجية، أو في الشحن والتأمين والتمويل والمواصفات الدولية؛ هناك منظومة كاملة يجب أن تقف خلفه بالمعلومة والتمويل والإرشاد والتسويق.
فالزراعة الحديثة تبدأ من السوق ثم تعود إلى المزرعة: نعرف ماذا يريد المستهلك، وبأي مواصفة وكمية وتوقيت، ثم ننتج وفق ذلك.
نريد للمؤتمر أن يصبح مؤسسة لا مناسبة
الطموح ألا تنتهي فكرة «المشرق العربي.. قوة زراعية واحدة» مساء السادس عشر من أيلول، بل تتحول إلى عمل مستمر؛ قاعدة بيانات للمشترين والمصدرين، وخارطة للمواسم والمنتجات والفرص، ومتابعة للعقود، وفريق يتابع مشكلات النقل والحدود والمواصفات.
فمؤتمر المشرق العربي للصادرات الزراعية يستحق الدعم والإشادة، لأنه يحاول جمع أجزاء الصورة في مكان واحد: الأرض والإنتاج والتمويل والجودة والنقل والتكنولوجيا والمستثمر والمشتري والسوق.
لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما يغادر آخر مشارك قاعة المؤتمر.
نريد عقوداً لا توصيات فقط، وأسواقاً جديدة لا جلسات فقط، واستثمارات لا صوراً تذكارية فقط. والأهم أن يشعر المزارع، وهو في أرضه بعيداً عن قاعات المؤتمرات، أن ما حدث في عمّان انعكس على محصوله ودخله ومستقبله.
عندها فقط نستطيع القول إننا لم نعقد مؤتمراً للزراعة… بل زرعنا بذرة لاقتصاد زراعي إقليمي جديد.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم