المديونية تقترب من 50 مليار دينار.. المواطن يتحمل كلفتها، والمرحلة المقبلة لم تعد تحتمل ترحيل المشكلة
إن المتابع للشأن الاقتصادي الأردني لا يستطيع أن يتعامل مع ملف المديونية باعتباره مجرد أرقام في نشرات مالية؛ فالدين الحكومي ارتفع من نحو 43.3 مليار دينار في آب 2024 إلى 49.7 مليار دينار في حزيران 2026، بزيادة تقارب 6.3 مليارات دينار. وقد يكون من الضروري توضيح أن هذه الزيادة في رصيد الدين لا تعني أن المبلغ كله اقتراض جديد تم إنفاقه، إذ إن جزءًا من الاقتراض يُستخدم لإعادة تمويل ديون سابقة وتسديد التزامات مستحقة. لكن ذلك لا يلغي الحقيقة الأهم: أن رصيد الدين وصل إلى مستوى يجعل استمرار النهج نفسه أمرًا يستوجب المراجعة والمعالجة الجادة.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه بكل صراحة: كيف وصلنا إلى هنا؟ إن هذه المديونية لم تتشكل بين ليلة وضحاها، وإنما هي حصيلة تراكم سنوات من السياسات الاقتصادية والمالية التي لم تنجح في معالجة أصل المشكلة بالقدر الكافي، وفي مقدمتها استمرار العجز، وتزايد الالتزامات، والاعتماد المتكرر على الاقتراض، وتأجيل القرارات الصعبة من حكومة إلى أخرى. وكان يفترض أن تكون هناك معالجة أكثر حسمًا لمسار المديونية، بدل الاكتفاء بإدارة آثارها وترحيل جزء من المشكلة إلى المراحل اللاحقة.
وفي هذا السياق، لا بد من تسمية الأمور بمسمياتها؛ فقد ارتفع رصيد الدين الحكومي، بعد استثناء حيازة مؤسسة الضمان الاجتماعي، بنحو 7.3 مليارات دينار بين نهاية أيلول 2020 ونهاية آب 2024، وبنحو 3.9 مليارات دينار بين نهاية آب 2024 ونهاية حزيران 2026. لذا، كان على حكومة الدكتور بشر الخصاونة، خلال فترة توليها المسؤولية، أن تحقق تقدمًا أكبر في معالجة مسار المديونية، كما أن الحكومة الحالية برئاسة الدكتور جعفر حسان مطالبة اليوم بالتعامل مع الملف بمنهج أكثر حزمًا، وألا يستمر ترحيل المشكلة من حكومة إلى أخرى. ولا تقع المسؤولية على الحكومات وحدها؛ فمجلس النواب الحالي ومجالس النواب المتعاقبة مطالبة أيضًا بمراجعة أدائها الرقابي، وممارسة دورها في مساءلة الحكومات، ومتابعة أسباب الاقتراض وأوجه الإنفاق ونتائج السياسات المالية. وعندما تستمر المشكلة دون معالجة جذرية أو مساءلة فاعلة، يبرز السؤال الذي لا يجوز تأجيله: *فمن يعلّق الجرس*؟
«*المشكلة ليست في حجم الدين وحده، بل في استمرار السياسات التي سمحت بتراكمه وترحيله من مرحلة إلى أخرى*.»
وكان ينبغي منذ سنوات أن تكون هناك سياسات أكثر حزمًا في ضبط نمو الإنفاق، وترتيب الأولويات، وتعزيز الإنتاج والاستثمار، ورفع كفاءة الإيرادات، وربط أي اقتراض جديد بأهداف اقتصادية واضحة. فالاقتراض قد يكون أداة ضرورية عندما يُستخدم في مكانه الصحيح، لكنه يصبح مشكلة عندما يتحول إلى وسيلة مستمرة لتغطية الاختلالات بدل معالجة أسبابها.
وتزداد خطورة الوضع عندما نضع كلفة الدين أمام أعيننا؛ فقد قُدّرت فوائد الدين العام في موازنة 2026 بنحو 2.26 مليار دينار. وهذه موارد كبيرة كان يمكن أن تتجه إلى قطاعات وخدمات ومشاريع يحتاج إليها المواطن. وإذا استمر الدين في الارتفاع، أو بقي خفضه أبطأ من المطلوب، فإن مساحة الحركة أمام الحكومات المقبلة ستضيق، وستنتقل كلفة القرارات المؤجلة بصورة أكبر إلى المواطن والأجيال القادمة.
لذلك، فإن المطلوب من الحكومة الحالية والحكومات التي ستأتي بعدها ليس مجرد إدارة الدين أو إعادة تمويله، وإنما وضع خطة وطنية واضحة وقابلة للقياس لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي، وضبط الإنفاق، وتعزيز النمو والإنتاجية، وتوسيع قاعدة الإيرادات دون تحميل المواطن أعباء إضافية، وربط الاقتراض بمشاريع ذات عائد اقتصادي حقيقي. والأهم أن تصبح هذه السياسة نهجًا ثابتًا للدولة، وليس برنامجًا مؤقتًا يتغير بتغير الحكومات.
وفي المقابل، فإن الشفافية والمساءلة يجب أن تكونا جزءًا أساسيًا من هذه المعالجة. فالدين العام ليس ملفًا يخص الحكومة وحدها، وإنما قضية تخص كل أردني؛ لأن المواطن لا يشارك في قرار الاقتراض، لكنه يتحمل في النهاية كلفة خدمة الدين وآثاره على الضرائب والإنفاق والخدمات وفرص العمل. ومن حقه أن يعرف بوضوح: كم تبلغ المديونية؟ ولماذا نقترض؟ وأين تذهب الأموال؟ وما الخطة للوصول بالدين إلى مستويات أكثر أمانًا؟
*الخلاصة*
لا أعتقد أن الأردن يملك ترف تأجيل معالجة المديونية أكثر من ذلك. فالوصول بالدين الحكومي إلى ما يقارب 50 مليار دينار يجب أن يكون نقطة تستدعي وقفة وطنية جادة، لا مجرد رقم يمر في التقارير المالية.
والمطلوب اليوم ليس البحث عن شماعة أو تحميل المسؤولية لجهة واحدة، وإنما الاعتراف بأن النهج الذي سمح بتراكم المشكلة يحتاج إلى تغيير حقيقي، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على قرارات واضحة وشجاعة تستهدف وقف نمو الدين والبدء بخفضه بصورة ملموسة.
*فإما أن نبدأ اليوم بخفض المديونية بقرارات واضحة وشجاعة، وإما أن نترك للأجيال القادمة فاتورة أكبر لم تكن شريكة في صنعها*.
بقلم اللواء المتقاعد
طارق عبدالمحسن الحباشنة
ماجستير إدارة استراتيجية
الباشا الحباشنة يكتب: 6.3 مليارات دينار زيادة في الدين الأردني .. من أوصلنا إلى هنا؟ وإلى أين نذهب؟
منذ 23 دقيقة
المشاهدات :
9890
اللواء المتقاعد طارق الحباشنة
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
05
حديث المدينة
شركات تأجير السيارات السياحية تشتكي من ارتفاع أسعار التأمين وتطالب بالسماح بالتأمين ضد الغير
منذ 5 أيام
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
نضال المجالي يكتب: التوجيه الملكي .. حين تصبح البيئة جزءا من معادلة الاقتصاد
منذ 28 دقيقة
كُتاب سرايا
ماهر أبو طير يكتب: ماذا دار بين نائب الرئيس والسوريين؟
منذ 28 دقيقة
كُتاب سرايا
وليد معابرة يكتب: مطبخ التعيينات ..
منذ 1 ساعة
كُتاب سرايا
الطورة يكتب: غيرنا التوجيهي .. فهل نسينا أن العالم سيقرأ شهاداتنا؟
منذ 17 ساعة
أخبار فنية
فن
ليلى علوي تستعرض جمالها بشوراع لبنان بإطلالة أنيقة ورسالة حب من القلب
منذ 1 ساعة
فن
عمرو مصطفى يصدر بيانًا قانونيًا بشأن حقوق ملكية لحن «طب ب بحبك»
منذ 7 ساعات
فن
حاتم صلاح يُرزق بمولوده الأول ويطلق عليه اسم فريد
منذ 7 ساعات
فن
زين عبيد نجم «ذا فويس كيدز» يحتفل بخطوبته في سوريا
منذ 9 ساعات
فن
ليدي غاغا تستقبل مولودها الأول سرا
منذ 11 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
نجل اسطورة الجزائر لخضر بلومي يتألق في البريميرليغ - فيديو
منذ 1 ساعة
رياضة
الدميسي بعد تعادل الوحدات أمام السلط: "بعرف المباراة كانت مش منيحة .. اصبروا شوي عشاني"
منذ 1 ساعة
رياضة
نيمار يسدد ديون سانتوس ويبرم صفقات كبرى للفريق أبرزها كوتينيو
منذ 1 ساعة
رياضة
انتفاضة ميلان تحرم لاتسيو من فوزه الرابع
منذ 10 ساعات
رياضة
تعادل سلبي بين الوحدات والسلط في دوري المحترفين
منذ 10 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
ليست مجرد مجاملة .. ماذا تكشف كلمة "شكراً" عن صحتك النفسية؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
أمريكا تعلن انتهاء تفشي داء السيكلوسبورا
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
3 أشخاص في العالم يمكنهم السفر دون جواز .. من هم؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
وسط أجواء سيئة .. فقدان الاتصال بعبارة إندونيسية (فيديو)
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
وفاة بلوغر مصرية بعد سقوط مروع في حادث غامض
منذ 7 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات