اللجان النيابية .. الميدان ليس بديلا عن الوظيفة الدستورية

منذ 49 دقيقة
المشاهدات : 9919
اللجان النيابية ..  الميدان ليس بديلا عن الوظيفة الدستورية

سرايا - يلاحظ المراقب أن ثمة تحولا في طريقة عمل اللجان النيابية يستحق التوقف، وقوامه حضور ميداني أوسع، وزيارات أكثر خارج مبنى المجلس، وعقد لقاءات مع قطاعات ومؤسسات وجهات مختلفة، ومحاولات للاقتراب من الملفات في مواقعها الأصلية بدلا من انتظارها حتى تصل إلى مقر مجلس النواب.


وفي الظاهر، يبدو هذا التحول إيجابيا؛ فالمجلس يفتح نوافذه على المجتمع ليكون أقرب إلى الناس من مجلس يكتفي بالوثائق والمراسلات؛ بيد أن ذلك يجب ألا يؤثر في عمل اللجان ودورها وطريقة التعامل مع الزيارات الخارجية؛ إذ إن السياسة البرلمانية لا تُقاس بظاهر الحركة وحده.

أما السؤال الأكثر أهمية فهو: هل نحن أمام تطوير لأدوات الرقابة البرلمانية، أم أمام توسع في النشاط الخارجي بدأ يأخذ مساحة أكبر من الوظيفة المؤسسية للجان؟

ويبدو التمييز هنا ضروريا، لأن القضية ليست في الزيارة ولا في خروج النائب من المجلس، وإنما في ضرورة ألا يتحول الخروج من المكان إلى خروج، ولو تدريجيا، من الدور الدستوري.


فالنائب، قبل أن يكون عضوا في لجنة أو ممثلا لدائرة انتخابية أو صوتا لقطاع اجتماعي، هو عضو في السلطة التشريعية، وهذه الصفة ليست تفصيلا بروتوكوليا؛ بل هي التي تمنح كلامه وأدواته ومساءلته وموقفه معناها، واللجنة ليست كيانا مستقلا عن مجلس النواب؛ بل أداة من أدواته، تعمل باسمه، وتعود إليه، وتصب مخرجاتها في عمله التشريعي والرقابي.

لذلك، فإن أي قراءة للتوسع في نشاط اللجان خارج المجلس يجب أن تنطلق من هذه الحقيقة: أن الميدان يخدم البرلمان، لكنه لا يحل محله.

هذه الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تصبح أكثر أهمية كلما اتسعت حركة اللجان؛ فالعمل البرلماني ليس مجرد وصول إلى مكان المشكلة، بل الوصول خطوة أولى فقط، وأما الرقابة فتبدأ عندما يحول النائب ما شاهده وسمعه إلى أسئلة محددة، ويطلب المعلومات، ويفحص المسؤوليات، ويستدعي الوزير أو المسؤول، ويقارن بين الواقع والسياسة الحكومية، ثم يضع توصيات قابلة للمتابعة، أو يقترح تعديلا تشريعيا، أو يستخدم الأدوات الرقابية المتاحة له.

وإذا انتهت الزيارة بانتهاء الاجتماع، فإنها تبقى نشاطا ميدانيا، أما إذا عادت نتائجها إلى المجلس وتحولت إلى مساءلة أو تشريع أو متابعة، فهنا تصبح الزيارة جزءا من الرقابة، وهذا هو الخط الفاصل الذي ينبغي ألا يضيع.


القاعدة والاستثناء
عموما، في التجربة البرلمانية، كان العمل داخل المجلس يحتل المساحة الأساسية من نشاط اللجان؛ إذ كانت اللجنة تجتمع داخل المجلس، وتناقش مشاريع القوانين والملفات الرقابية، وتستدعي الوزراء والمسؤولين والخبراء، وتعمل ضمن النوافذ الزمنية المتاحة بين جلسات المجلس؛ ولم يكن الخروج إلى مواقع العمل والمؤسسات المختلفة هو القاعدة لعقد الاجتماعات، بل كان الاستثناء الذي تفرضه طبيعة الملف والحاجة إلى المعاينة المباشرة.
وهذا التقليد لم يكن مجرد تمسك بمكان الاجتماع؛ بل كان يحمل معنى مؤسسيا واضحا: أن اللجنة تعمل من داخل بيت السلطة التشريعية وتحت مظلة المجلس.
أما اليوم، ومع زيادة الزيارات الخارجية، يصبح من المشروع إعادة طرح السؤال حول التوازن بين الميدان والمجلس، ليس بهدف العودة إلى برلمان مغلق على نفسه، وإنما حتى لا تتحول المرونة المطلوبة في العمل النيابي إلى حالة من السيولة المؤسسية، يصبح معها من الصعب التمييز بين اجتماع اللجنة، والزيارة، واللقاء التشاوري، والنشاط العام.
وهذا التمييز ليس شكليا أيضا، فالاجتماع البرلماني له أصوله ومحاضره ونصابه وقراراته ومخرجاته، أما الزيارة فلها وظيفة مختلفة، والخلط بين الاثنين قد يجعل النشاط أكثر من مجرد سلوك نيابي، فيما تصبح المساءلة عن النتائج أقل وضوحا.
وهنا تظهر أهمية النظام الداخلي لمجلس النواب الذي ينظم عمل اللجان ويحدد اجتماعاتها ومداولاتها ورفع تقاريرها، ويجعل عقد اجتماعاتها داخل المجلس هو الأصل، مع إمكانية عقدها في مكان آخر عند الضرورة وبالتنسيق وفق الأصول.
مبررات وظيفية
والمغزى السياسي من هذه القاعدة أهم من تفصيلها الإجرائي، فالمجلس هو المركز، والخروج منه يجب أن تكون له مبررات وظيفية، وليس في ذلك أي انتقاص من قيمة العمل الميداني، على العكس، فربما تحتاج الرقابة البرلمانية اليوم إلى حضور ميداني أكبر مما كان عليه الحال في السابق، خصوصا مع تعقد الملفات الاقتصادية والاستثمارية والاجتماعية، واتساع الفجوة أحيانا بين ما تقوله التقارير الرسمية وما يحدث على الأرض، لكن التطوير الحقيقي لا يكون بكثرة الزيارات وإنما بجودة استخدامها.
واللجنة التي تزور منطقة صناعية، مثلا، يجب ألا تكتفي بالاستماع إلى المستثمرين؛ بل عليها أن تعرف لماذا تأخرت المعاملة، ومن الجهة المسؤولة، وما التشريع الذي يعطل الاستثمار، وما الإجراء الحكومي المطلوب.
واللجنة التي تزور منشأة صحية لا ينبغي أن تعود فقط بانطباع عن مستوى الخدمة، بل ببيانات وأرقام وأسئلة موجهة إلى وزارة الصحة، واللجنة التي تلتقي العمال يجب أن تستمع إلى أصحاب العمل والحكومة والجهات المعنية أيضا، ثم تفصل بين المطالب المشروعة وبين ما يحتاج إلى تعديل تشريعي أو قرار حكومي أو رقابة على التنفيذ.
من هنا يتحول النائب من شاهد على المشكلة إلى فاعل في حلها، أما إذا أصبحت الزيارة تنتهي بصورة وتصريح، فإن البرلمان يكون قد ربح حضورا إعلاميا وخسر جزءا من القيمة الرقابية.
وثمة مسألة أخرى أكثر حساسية تتعلق باستقلالية اللجان، فاللجنة البرلمانية عندما تدخل مؤسسة أو تلتقي قطاعا أو تجتمع مع جهة ما، تدخل بوصفها ممثلة لمجلس النواب، وهذه الصفة تفرض عليها قدرا مضاعفا من الحياد والاستقلال، فهي لا تذهب لتتبنى رواية الجهة المضيفة، ولا لتكون جزءا من نشاطها، ولا لتمنحها شرعية سياسية أو إعلامية، وإنما لتجمع المعلومات من أجل أداء وظيفة رقابية.
وكلما اتسعت شبكة العلاقات الخارجية للجنة، ازدادت الحاجة إلى حماية هذه المسافة؛ فمجلس النواب يجب أن يكون قريبا من الجميع، دون أن يكون تابعا لأحد، ويستمع إلى الحكومة ولا يعمل لديها، ويتواصل مع القطاع الخاص ولا يصبح ممثلا له، ويلتقي النقابات ولا يتحول إلى نقابة، ويستمع إلى المجتمع المدني ولا يصبح جزءا منه، ويزور المؤسسات، لكنه لا يفقد موقعه الرقابي عليها.
هذه الاستقلالية ليست ترفا سياسيا، بل شرط أساسي لكي يثق المواطن بأن النائب الذي يسمع منه شكوى يستطيع في اليوم التالي أن يسأل الحكومة عنها، حتى لو كان قد جلس بالأمس مع المسؤول الحكومي نفسه.
الوظيفة الدستورية هي المهم
وهنا أيضا ينبغي عدم نسيان الوظيفة الدستورية للنائب وسط التفاصيل اليومية، فالنائب ليس مجرد شخصية عامة كثيرة الظهور، ولا مندوب خدمات، ولا وسيطا بين المواطن والإدارة. صحيح أن التواصل مع المواطنين ومتابعة قضاياهم جزء مهم من العمل النيابي، لكن القيمة الدستورية للعمل النيابي أكبر من ذلك بكثير.
والنائب يشارك في التشريع، ويمارس الرقابة السياسية على الحكومة، ويناقش السياسات العامة، ويستخدم أدوات السؤال والاستجواب والمناقشة وطرح الثقة وغيرها من الوسائل التي منحها الدستور والنظام للمجلس وأعضائه.
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن يخرج النائب إلى المصنع أو المستشفى أو الجامعة، بل أن يصبح هذا الخروج بديلا عن عودته إلى القبة، فالناس لا تنتخب النواب لكي يزوروا مشكلاتهم فقط، وإنما لكي ينقلوا هذه المشكلات إلى المكان الذي يمكن فيه مساءلة المسؤول عنها.
عمليا، الميدان يعطي النائب المعرفة، والقبة تمنحه الأداة، والقيمة الحقيقية للعمل النيابي تظهر عندما يلتقي الاثنان.
ومن المفيد في هذه المرحلة التفكير في إعادة تنظيم العلاقة بين الزيارات وعمل اللجان على أساس واضح، لا زيارة بلا هدف، ولا هدف بلا مخرجات، ولا مخرجات بلا متابعة داخل المجلس.
ويمكن للجنة أن تضع ملفا محددا للزيارة، وأن تحدد الجهات التي ستستمع إليها، وأن توثق المعلومات التي تحصل عليها، ثم تخصص اجتماعا داخل المجلس لمناقشة النتائج، وتحدد ما إذا كانت تحتاج إلى استدعاء وزير أو مسؤول، أو طلب وثائق إضافية، أو إعداد تقرير، أو تقديم توصية، أو اقتراح تشريع؛ بهذه الآلية تصبح الزيارة استثمارا رقابيا لا استهلاكا للوقت البرلماني؛ كما أن هذا التنظيم يحمي النواب أنفسهم من ضغط النشاط اليومي.


فاللجان أمام ملفات ضخمة تحتاج إلى قراءة ومراجعة وتشاور وصياغة، وإذا تحول جزء كبير من وقتها إلى التنقل والاجتماعات الخارجية، فإن السؤال يصبح: متى ستقرأ اللجنة ما جمعته؟ ومتى ستناقشه؟ ومتى ستكتب تقريرها؟ ومتى ستعود إلى الحكومة للمساءلة؟


البرلمان والمرحلة السياسية


من هنا، فإن قياس أداء اللجنة يجب أن يتغير. لا ينبغي أن يكون السؤال: كم زيارة قامت بها اللجنة؟ بل: كم قضية فتحت؟ وكم معلومة حصلت عليها؟ وكم توصية نُفذت؟ وكم ملفا تابعته؟ وما الذي تغير بعد تدخلها؟ هذه هي المؤشرات التي تعطي العمل النيابي قيمته.

 


وإذا كانت المرحلة السياسية الجديدة في الأردن تتطلب برلمانا أكثر حضورا وفاعلية، فإن ذلك يعني بالضرورة وجود مجلس نيابي أكثر مؤسسية، لا أكثر حركة فقط، فالتحديث السياسي لا يعني أن يتحول النائب إلى شخصية ميدانية دائمة، وإنما أن تتطور أدواته في التشريع والرقابة والتواصل، وأن تصبح اللجان أكثر تخصصا وقدرة على إنتاج المعرفة البرلمانية وصناعة القرار.

 


وهنا يمكن فهم الزيارات الخارجية باعتبارها أداة من أدوات التحديث البرلماني إذا أُحسن استخدامها، لكنها قد تصبح عكس ذلك إذا أخذت من وقت اللجان أكثر مما تضيف إلى عملها.

 


والمعادلة الصحيحة هي: كيف نجعل الخارج يخدم الداخل؟ كيف تتحول شكوى العامل إلى سؤال نيابي؟ وكيف يتحول خلل المصنع إلى توصية للحكومة؟ وكيف يتحول تأخر المشروع إلى مساءلة؟ وكيف يتحول قصور التشريع إلى تعديل للقانون؟ وكيف يتحول ما يراه النائب في الميدان إلى موقف مؤسسي يصدر عن مجلس النواب؟ عندها فقط يصبح الخروج من القبة إضافة للعمل البرلماني، لا ابتعادا عنه.


في المجمل، فإن القضية ليست دفاعا عن الماضي لمجرد أنه ماضٍ، ولا رفضا للتطوير لمجرد أنه جديد، فالعمل البرلماني بطبيعته يتغير، والبرلمانات الحديثة تحتاج إلى الانفتاح على المجتمع والقطاعات والخبراء ومواقع الإنتاج والخدمة، لكن التطوير الحقيقي يحتاج إلى شيء لا يتغير، يتمثل في هوية المؤسسة ودورها الدستوري.

 


يمكن للجان أن تتحرك أكثر، وأن تزور أكثر، وأن تستمع أكثر، وأن تفتح أبوابها على المجتمع أكثر؛ لكن عليها في المقابل أن تكون أكثر حرصا على أن تبقى كل هذه الحركة داخل المعنى الدستوري للعمل النيابي، فليست المشكلة أن يغادر النائب مبنى المجلس، بل تبدأ عندما يغادر المجلس، ثم لا يعود إليه بالملف.

 


عندها لا يكون مجلس النواب قد اقترب من الميدان، بل يكون الميدان قد أخذ شيئا من صورة المجلس، وهذه بالضبط هي النقطة التي تستحق أن تكون موضع نقاش سياسي ومؤسسي داخل مجلس النواب: كيف نوسع حضور اللجان من دون أن نوسع حدود أدوارها؟ وكيف نجعل النائب أكثر قربا من الناس، من دون أن نجعله أقل التصاقا بوظيفته الدستورية؟

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم