عمر الدريني يكتب: الإدارة المدرسية بين المنصب والرسالة

منذ 39 دقيقة
المشاهدات : 5246
 عمر الدريني يكتب: الإدارة المدرسية بين المنصب والرسالة
عمر الدريني

عمر الدريني

حين يُختبر المعنى الحقيقي للقيادة التربوية في قلب المدرسة، حيث تُصاغ العقول قبل أن تُسجَّل الدرجات، وتُبنى القيم قبل أن تُقاس النتائج، تقف الإدارة المدرسية بوصفها العقل المنظّم والضمير التربوي الذي يضبط الإيقاع اليومي للعملية التعليمية. فهي ليست مجرد موقع وظيفي، ولا رتبة إدارية، بل مسؤولية إنسانية كبرى تُقاس بعمق الأثر لا بعلو المنصب. لكن هذه الحقيقة كثيرًا ما تصطدم بواقع آخر؛ واقع تتداخل فيه المفاهيم، وتختلف فيه النوايا، بين من يرى الإدارة منصبًا يُطلب ويُتنافس عليه، ومن يدركها رسالة تُحمل وأمانة تُؤدى.


وهنا تبدأ المفارقة الكبرى: بين من يصعد إلى المنصب، ومن يصعد بالمنصب إلى قيمته الحقيقية. أولًا: الإدارة المدرسية… أمانة لا امتياز الإدارة المدرسية في أصلها ليست مكسبًا وظيفيًا، بل تكليف ثقيل ومسؤولية أخلاقية وتربوية تقوم على خدمة الطالب والمعلم والمجتمع المدرسي. وقد وضع القرآن الكريم قاعدة خالدة في مفهوم المسؤولية حين قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] وقال النبي ﷺ في تأسيس شامل لمفهوم القيادة: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» وهنا تتجلى الحقيقة: الإدارة ليست سلطة… بل رعاية ومسؤولية ومحاسبة أمام الله والناس والتاريخ.


ثانيًا: بين منطق المنصب ومنطق الرسالة في الواقع التربوي، تتباين الرؤى: فهناك من يتعامل مع الإدارة بوصفها مكسبًا وظيفيًا أو وجاهة اجتماعية وهناك من يتعامل معها بوصفها ميدانًا للإصلاح وصناعة الأثر وهذا الاختلاف ليس شكليًا، بل جوهريًا، لأنه يحدد اتجاه المدرسة كلها: من يطلب المنصب يركز على الصورة ومن يحمل الرسالة يركز على الأثر وفي الحكمة: "المنصب يرفع الاسم… لكن الرسالة ترفع القيمة".


ثالثًا: حين يتحول المنصب إلى غاية عندما تصبح الإدارة هدفًا بحد ذاتها، تظهر ملامح خطيرة: تضخيم الجانب الشكلي والإجرائي ضعف المبادرات التطويرية الانشغال بالملفات على حساب الطالب إدارة تلاحق الإجراءات بدل أن تقود التغيير وهنا تفقد الإدارة روحها، وتتحول من قيادة تربوية إلى جهاز إداري يكرر نفسه.


رابعًا: حين تتحول الإدارة إلى رسالة أما حين تُفهم الإدارة كرسالة، فإنها تتحول إلى قوة تغيير حقيقية: دعم المعلم وتمكينه بناء بيئة تعليمية محفزة صناعة القرار التربوي الواعي تحويل المدرسة إلى مساحة نمو إنساني وفي الأمثال: "القائد الحقيقي لا يُقاس بما يدير… بل بما يُحدثه من تغيير".

خامسًا: أثر النظرة على المدرسة إن انعكاس هذا التفاوت ليس نظريًا، بل واقعي: إدارة تحمل الرسالة → مدرسة نابضة بالحياة، إبداع، واستقرار إدارة تبحث عن المنصب → مدرسة مثقلة بالإجراءات وضعف الأثر فالمدرسة ليست مباني فقط، بل هي انعكاس مباشر لوعي القيادة فيها.


سادسًا: القيادة بين الحزم والعدل والإنسانية الإدارة المدرسية الناجحة ليست قسوة مطلقة ولا تساهلًا مفرطًا، بل هي توازن دقيق بين: الحزم في القرار العدالة في التطبيق الرحمة في التعامل والشورى في الإدارة وقد قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] وفي ذلك إشارة إلى أن القيادة ليست تفردًا، بل عقل جماعي يُحسن الإصغاء قبل أن يحكم.



سابعًا: من المنصب إلى الرسالة… لحظة التحول الحقيقي التحول الحقيقي في مفهوم الإدارة لا يحدث بتغيير الموقع، بل بتغيير الوعي: من “ماذا أملك؟” إلى “ماذا أقدم؟” من “كيف أُرى؟” إلى “ما الأثر الذي أتركه؟”.


وفي الشعر: وليسَ المنصبُ إلا ظلَّ مسؤوليةٍ يبقى الأثرُ بعدَ الاسمِ إن صدقَ العملُ خاتمة تبقى الإدارة المدرسية قلب العملية التعليمية النابض، لكنها لا تُقاس بالمسميات ولا بالمناصب، بل بمدى قدرتها على صناعة بيئة تربوية عادلة، واعية، وإنسانية. وحين تنتصر الرسالة على المنصب، تتحول الإدارة من موقع إداري إلى قيمة تربوية، ومن سلطة تنظيمية إلى أثر إنساني باقٍ، ومن لقب عابر إلى بصمة تصنع الأجيال.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم