د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: حين تعمى إيران عن البوارج الأمريكية والقاعدة الإسرائيلية

منذ 30 دقيقة
المشاهدات : 9402
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: حين تعمى إيران عن البوارج الأمريكية والقاعدة الإسرائيلية
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

أمام إيران بحر تعرفه جيدًا، وفيه من الوجود العسكري الأمريكي ما لا يحتاج إلى خريطة؛ بوارج معلومة العناوين، بل إن بعضها أقرب جغرافيًا من عبور الصواريخ أجواء دول عربية. وقد ملأت طهران الدنيا منذ الثورة وعدًا بطرد «الشيطان الأكبر»، حتى حسبنا أنه يسكن وحده على الضفة الأخرى. لكن الأردن استيقظ على عشرين صاروخًا باليستيًا أُطلقت من الأراضي الإيرانية باتجاه المملكة، اعترض دفاعنا الجوي ثمانية عشر منها، وسقط اثنان في مناطق خالية والحمد لله بلا خسائر في الأرواح. وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا من صوت الصاروخ نفسه: إذا كانت أمريكا وإسرائيل هي العدو، وفلسطين هي القضية، فلماذا تمتد الصواريخ إلى الأرض العربية؟ ولماذا كلما اشتبكت إيران مع العالم وجد العربي نفسه، بطريقة أو بأخرى، في ساحة الاشتباك؟

والتاريخ حين نفتحه بلا مكبرات صوت يصبح ساخرًا إلى حد القسوة. إيران الشاه، التي لم تكن تعلق القدس على كل جدار، أرسلت الأطباء والدواء إلى مصر في حرب أكتوبر، وسمحت بمرور إمدادات إلى الجبهة المصرية؛ ثم جاءت إيران الثورة تحمل فلسطين فوق المنابر، فإذا بفضيحة إيران–كونترا تكشف أن «الموت لأمريكا» شيء، ووصول السلاح الأمريكي سرًا شيء آخر، وأن إسرائيل دخلت في بعض مراحل الطريق. ورحم الله الرئيس صدام حسين؛ فقد كان ثماني سنوات سدًا خشنًا أمام اندفاع مشروع الثورة الإيرانية نحو المشرق العربي، وخرج الطرفان من الحرب منهكين. ثم ارتكب صدام خطيئته الكبرى باحتلال الكويت، ففتح للأمريكي الباب على مصراعيه. لكن الباب لم يبدأ هناك؛ فالثورة الإيرانية وأزمة الرهائن واضطراب الخليج دفعت واشنطن منذ 1979 إلى توسيع حضورها العسكري والاستراتيجي في المنطقة، ثم جاء احتلال الكويت فأعطاها المفتاح والكرسي والغرفة أيضًا. يا لسخرية التاريخ: إيران التي هتفت بطرد أمريكا ساهم سلوكها في استدعائها إلى الخليج، ثم جاء صدام بخطئه فثبّتها فيه.

ومرت السنون، وإذا بالخريطة تكاد تشرح الفكرة من غير محلل: العراق صار ميدان نفوذ، وسوريا دفعت أثمانًا هائلة، ولبنان عرف دولة وسلاحًا فوق الدولة، واليمن تمزق، وفي كل مرة كانت فلسطين حاضرة في الخطاب أكثر من حضورها في الجغرافيا. وحتى القاعدة الإسرائيلية السرية التي تحدثت عنها تقارير دولية في الصحراء العراقية، واستُخدمت لدعم العمليات ضد إيران، بدت كأنها خارج دفتر الحساب؛ بينما تمتد الصواريخ إلى أرض عربية أخرى. ثم جاءت غزة واحترقت فلسطين نفسها، فإذا بالحسابات تصبح أكثر دقة، والمواجهة المباشرة مع القوة الأمريكية والإسرائيلية تخضع لميزان الربح والخسارة، بينما تبدو الساحات العربية أرحب للمغامرة.

والجواب في تقديري أبسط مما يبدو: إيران لا تريد حربًا مفتوحة مع أمريكا بقدر ما تريد إقناعها بأنها تستحق دورًا وحصة؛ وكأن رسالتها غير المعلنة تقول: أنتم لكم مصالحكم، ونحن لنا مجال نفوذنا؛ دعونا نكون القوة الخشنة التي تضبط هذه الجغرافيا بطريقتنا، نضغط على العرب، ونمد أذرعنا في عواصمهم، ونكون «البلطجي الإقليمي» الذي تحتاجونه أحيانًا ولا تريدون أن تظهروا إلى جانبه، واتركونا في المقابل نعيش داخل حدود اللعبة الكبرى. لذلك تبدو المواجهة مع أمريكا محسوبة بالسنتيمتر، بينما تبدو الأرض العربية أكثر قابلية للمجازفة. طهران، في هذه القراءة، لا تريد إخراج أمريكا من المنطقة بقدر ما تريد من أمريكا أن تعترف لها بحصة فيها. ومن يريد أمريكا يعرف أين قواتها، ومن يريد إسرائيل يعرف أين إسرائيل؛ أما الأردن فليس عنوانًا بديلًا، ولا صندوق بريد، ولا ساحة لتبادل الرسائل. حمى الله الأردن، وجيشه، وشعبه.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم