الطورة يكتب :الرأي العام .. لا تصدق الأغلبية

منذ 41 دقيقة
المشاهدات : 11960
الطورة يكتب :الرأي العام  ..  لا تصدق الأغلبية
يوسف الطورة

يوسف الطورة

لا شيء أكثر إثارة للاشمئزاز من الأغلبية لأنها تتكون من القلة القوية من الأفراد، ومن الأوغاد الذين يتكيفون، ومن الضعفاء الذين يخضعون، ومن الجموع التي تقلد دون أن تعرف ما تريده.

بمعنى أن ما يسمى بـ "رأي الأغلبية" ليس بالضرورة معياراً للحقيقة أو الحكمة، المثير حين تقدم بوصفها حجة أو تعامل باعتبارها دليل على الحقيقة.

فالكثرة في ذاتها لا تمنح الرأي صواباً، ولا تمنح الخطأ حصانة، ولا تجعل الباطل حقاً لمجرد أن أفواجاً من الناس اصطفت خلفه.

كان "غوته" ينظر إلى الأغلبية بعين شديدة القسوة، لا بوصفها كتلة متجانسة تمتلك وعياً مشتركاً، وإنما بوصفها خليطاً من قلة لها قوة السبق والتأثير، ومن الانتهازيين الذين يتكيفون مع القوة، ومن الضعفاء الذين يخضعون لها، ومن جموع تقلد ما تراه سائداً دون أن تسأل نفسها ماذا تريد؟ ولماذا تريد؟، والبقية إما تتلون خوفاً، أو تخضع عجزاً، أو تقلد بلا وعي.

فالرأي العام ليس دائماً نتاج عقول اجتمعت على التفكير، قد يكون في كثير من الأحيان نتاج أفراد تخلوا عن عقولهم لصالح الجماعة كرهاً لا طواعية.

وهذا ما يجعل الرأي العام مفهوماً ملتبساً فمن يصنعه ومن يوجهه؟ ومن يملك القدرة على تحديد ما الذي يجب أن يشغل الناس؟ ومن يقرر أي الأصوات تستحق الانتشار وأيها يتوجب أن تبقى هامشية.

وما نسميه إجماعاً قد لا يكون أكثر من خوف جماعي من الاختلاف، وما نطلق عليه حكمة الأغلبية قد يكون أحياناً مجرد قدرة الأغلبية على إسكات الأقلية.

في علم الاجتماع يسمى هذا سلوك القطيع، حيث يتخلى الأفراد عن عقولهم المستقلة ليتبعوا الصوت الأعلى أو الاتجاه الأكثر شيوعاً.

أما في الفلسفة النقدية فهي دعوة إلى تحرير الذات من سطوة الكثرة، والتفكير بعقل فردي قادر على إدراك ما وراء ضوضاء المجموع.

التاريخ لم يكن يوماً سجلاً لانتصارات الأكثرية على الحقيقة، كم من فكرة كانت شاذة لأنها سبقت عصرها، وكم من حقيقة بدت مستهجنة لأنها اصطدمت بعادة الجماعة وعنادها، وكم من إنسان وقف وحيداً أمام زمن كامل ثم أثبت الزمن بعد فوات الأوان أنه كان أكثر بصيرة من الجموع الساخرة.

إنها رؤية قاسية وصادمة أن الأغلبية ليست ضماناً للعدالة أو للحق، وإنما قد تكون أداة لتكريس الرداءة، ومن هنا تصبح مهمة المثقف والمفكر ليست إرضاء الجمع، وإنما مقاومة الانقياد الأعمى وصون العقل من ذوبانه في الرأي العام.

الثابت الكثرة قد تمنحك الأمان لكنها لا تمنحك الحقيقة، والقطيع قد يمنحك شعوراً دافئاً بأنك لست وحدك لكنه قد يأخذ منك الذي يجعلك إنسان مستقل، ويجردك القدرة على أن تفكر وحدك.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم