بين لغة القانون وحرمة البيوت: عندما يغيب الذكاء التنفيذي عن الخطاب الرسمي تُقاس احترافية المؤسسات الحكومية في الدول الحديثة لا بقدرتها على ترهيب المواطنين بالنصوص القانونية، بل بمدى نجاحها في بناء جسور الثقة والشراكة مع المجتمع. وما صدر مؤخرًا عن إدارة دائرة الإحصاءات العامة بشأن آلية تنفيذ التعداد ومواجهة الامتناع عنه يُمثّل نموذجًا صارخًا للخطاب الذي يضرّ بالهدف الوطني بدلاً من أن يخدمه. إن الأصل في التعداد السكاني أنه مشروع وطني استراتيجي يهدف إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة لتطوير الخدمات وتوجيه التنمية. والمواطن الواعي لا يعترض على التعداد ولا يتنصل من استحقاقاته القانونية، لكن المشكلة تكمن في تحويل هذا الاستحقاق من عملية تعاونية مجتمعية إلى معركة يفرض فيها المسؤول شروطه بنبرة استعلاء وتهديد بالغرامات والفرائض. البيوت الأردنية ليست مقارًا إدارية تُستباح بأوامر إملاء، وكرامة الأسرة الأردنية ليست تفصيلاً هامشيًا يُتجاوز عنه بنبرة الوصاية. أن يُخاطَب المواطن بلغة تتضمن فرض الأوقات وإشهار العقوبات المالية فورًا، فهذا يعكس خللاً عميقًا في فهم طبيعة الوظيفة العامة. إن المنصب الإداري ليس منصة للاستعلاء، بل هو تكليف يتطلب أعلى درجات اللباقة والدبلوماسية والرصانة. لقد ضرب هذا الخطاب المستفز أصل الفكرة الإحصائية؛ فالبيانات الدقيقة تُجمع بالتعاون والشعور بالمسؤولية الوطنية، وليس بالإكراه والتهديد. وكان الأجدى بإدارة الإحصاءات أن تركز على توعية الشارع بأهمية التعداد وأثره على تحسين معيشتهم، بدلاً من الدخول إلى المنازل بنبرة العجز التواصلي التي لا تُنتج سوى النفور والرفض. على المؤسسات الرسمية أن تدرك أن احترام المواطن وكرامته وحرمة بيته هي القاعدة الأساسية التي تبدأ منها هيبة الدولة، وأن لغة التهديد لا تصنع التزامًا، بل تبني جدارًا من الرفض. من أراد من المسؤولين أن يُطاع، فعليه أولاً أن يتقن فن احترام الناس.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات