أنوار رعد المبيضين تكتب: العالم على حافة إعادة التشكل، .. حين تصبح الحروب وقودًا لاقتصاد عالمي مضطرب

منذ 1 يوم
المشاهدات : 13509
أنوار رعد المبيضين تكتب: العالم على حافة إعادة التشكل، ..  حين تصبح الحروب وقودًا لاقتصاد عالمي مضطرب
أنوار رعد مبيضين

أنوار رعد مبيضين

العالم على حافة إعادة التشكل، حين تصبح الحروب وقودًا لاقتصاد عالمي مضطرب. أنوار رعد المبيضين. لم يعد من الممكن النظر إلى ما يجري في العالم باعتباره مجموعة أزمات منفصلة ، حرب هنا وأزمة طاقة هناك ونزاع تجاري في مكان آخر ، فالمشهد الدولي اليوم يبدو وكأنه شبكة واحدة مترابطة، تتقاطع فيها الحروب مع النفط، والتجارة مع التحالفات، والأمن مع الاقتصاد، بينما يدفع الإنسان العادي الثمن في نهاية المطاف. من مضيق هرمز إلى غزة، ومن أوكرانيا إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية، تتشكل أمام أعيننا ملامح مرحلة دولية مختلفة، ربما يكون عنوانها الأبرز : " من يملك القدرة على التحكم في طرق الطاقة والتجارة، يملك جزءًا كبيرًا من مفاتيح السياسة الدولية " ، ولعل أخطر ما في المشهد الحالي أن الاقتصاد العالمي لم يعد منفصلًا عن الجغرافيا السياسية؛ فكل صاروخ يمكن أن ينعكس على سعر برميل النفط، وكل تهديد لممر بحري قد يتحول إلى ارتفاع في تكاليف النقل والتأمين، وكل عقوبة اقتصادية قد تعيد رسم خريطة التجارة والتحالفات. مضيق هرمز، حين يتحول الممر البحري إلى ورقة سياسية في قلب هذا المشهد يقف مضيق هرمز، الذي تحول في الأسابيع الأخيرة من ممر تجاري حيوي إلى واحدة من أخطر أوراق الضغط الجيوسياسي. وفي 18 أغسطس/آب، ارتفعت أسعار النفط مجددًا مع تراجع الآمال بالتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وبلغ خام برنت نحو 91 دولارًا للبرميل، وسط مخاوف من استمرار اضطراب حركة الشحن عبر المضيق. وليس الأمر متعلقًا بالنفط وحده. فاضطراب الملاحة في هرمز يعني ارتفاع كلفة النقل والتأمين، وتأخير وصول البضائع، وزيادة الضغوط على الصناعات التي تعتمد على الطاقة ، كما أن استمرار الأزمة قد ينعكس على الغذاء والأسمدة والطيران والنقل، بما يجعل تداعيات الصراع تصل إلى مواطن يعيش آلاف الكيلومترات بعيدًا عن منطقة الحرب. وهنا تكمن خطورة استخدام الممرات التجارية كسلاح سياسي: الضغط لا يقع على الحكومات وحدها، وإنما يمتد إلى حياة الناس اليومية. النفط لم يعد سلعة فقط بل أداة نفوذ لطالما كان النفط عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد العالمي، لكنه في لحظات الأزمات يتحول إلى أكثر من سلعة، يصبح ورقة تفاوض، وأداة ضغط، ومصدر قوة للدول المنتجة، وفي الوقت ذاته نقطة ضعف للدول المستوردة، وتشير وكالة الطاقة الدولية في تقريرها لشهر أغسطس إلى استمرار تأثير اضطرابات السوق النفطية على التوازن بين العرض والطلب، وفي الوقت نفسه، تحاول الدول المنتجة إعادة ترتيب طرق تصديرها. فقد بدأت السعودية باستئناف تحميل شحنات من داخل منطقة مضيق هرمز واستخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة الفجيرة، في محاولة للتعامل مع المخاطر اللوجستية التي فرضتها الأزمة، وهذا يكشف جانبًا مهمًا من الصراع: المعركة ليست فقط على إنتاج النفط، وإنما على القدرة على إخراجه من مناطق الإنتاج إلى المستهلك العالمي، ومن هنا تصبح الموانئ والمضائق وخطوط الأنابيب والممرات البحرية جزءًا من معادلة الأمن القومي للدول. غزة وأوكرانيا، وجه آخر للصراع العالمي ، وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى هرمز وأسواق الطاقة، لا يمكن فصل ذلك عن الحرب في غزة والحرب الروسية الأوكرانية. في غزة، لا تختصر المأساة في أرقام الضحايا والدمار؛ فكل أزمة طاقة أو إمدادات أو مساعدات تتحول بالنسبة للمدنيين إلى مسألة حياة أو موت ، أما الحرب في أوكرانيا، فقد أثبتت خلال السنوات الماضية أن الطاقة والغذاء والأسواق ليست ملفات اقتصادية محضة، بل أدوات تؤثر في العلاقات بين الدول وفي قدرة الحكومات على الصمود السياسي والاقتصادي ، وهنا يظهر السؤال الأخطر. : هل أصبح المدنيون في الحروب الحديثة هم الحلقة الأضعف في صراع أكبر من حدود ساحات القتال؟ عندما ترتفع أسعار الوقود، لا يدفع المستهلك ثمن النفط فقط، وإنما يدفع أيضًا ثمن النقل والطعام والإنتاج والخدمات. وعندما تتعطل طرق التجارة، تتأثر الشركات والمزارعون والعمال والأسر قبل أن تتأثر البيانات الرسمية للحكومات ، لذلك، فإن أي قراءة سياسية للأزمات الحالية تتجاهل البعد الإنساني تبقى قراءة ناقصة ، الحرب التجارية، الجبهة التي لا تستخدم الصواريخ في المقابل، تتوسع جبهة أخرى لا تستخدم الطائرات أو الصواريخ: الحرب التجارية ، فالولايات المتحدة تواجه في الوقت نفسه خلافات تجارية متصاعدة مع شركائها، ومن أبرز التطورات الحالية التهديد بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على نحو 20 مليار دولار من السلع الكندية، مع استمرار المفاوضات في محاولة لمنع التصعيد ، وقد يبدو هذا الملف منفصلًا عن الشرق الأوسط، لكنه ليس كذلك. فالعالم الذي يشهد حروبًا عسكرية يشهد أيضًا إعادة ترتيب لسلاسل التوريد والتحالفات الاقتصادية ، والدول لم تعد تسأل فقط: من حليفنا سياسيًا؟ بل أصبحت تسأل: من أين نشتري الطاقة؟ ومن أين نستورد الغذاء؟ وأين ننتج صناعاتنا؟ ومن يضمن لنا طرق التجارة في زمن الأزمات؟ وهذه الأسئلة تعيد رسم العلاقات الدولية ببطء، وربما بصورة أعمق من بعض الاتفاقيات السياسية. من التحالفات العسكرية إلى التحالفات الاقتصادية والنفطية، العالم يتجه تدريجيًا نحو تحالفات أكثر تعقيدًا، لم تعد التحالفات قائمة فقط على القوة العسكرية، هناك تحالفات للطاقة، وشراكات في الموانئ، واتفاقيات تجارية، وممرات اقتصادية، وتعاون في الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد، وهذا يعني أن مستقبل القوة الدولية لن تحدده الجيوش وحدها، الدولة الأقوى في المستقبل قد تكون الدولة التي تستطيع تأمين طاقتها، وغذاءها، وسلاسل توريدها، وممراتها التجارية، وعلاقاتها الاقتصادية، في الوقت نفسه، ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت منظمة أوبك+، والدول المنتجة للنفط، والموانئ والمضائق البحرية، والطرق البديلة لتصدير الطاقة، عناصر أساسية في الحسابات السياسية للدول الكبرى. ولكن ماذا عن الإنسان؟ وسط كل هذه الحسابات، هناك سؤال لا يجب أن يختفي: أين الإنسان؟ قد تتحدث الأسواق عن برميل النفط، وتتحدث الحكومات عن العقوبات، ويتحدث السياسيون عن مناطق النفوذ، لكن خلف كل رقم هناك إنسان. عامل قد ترتفع تكلفة نقله إلى عمله، أسرة قد ترتفع فاتورتها بسبب الطاقة، مزارع قد ترتفع تكلفة الأسمدة التي يحتاجها. طفل قد ينتظر المساعدة الإنسانية في منطقة حرب، ومدني قد يجد نفسه عالقًا بين حدود مغلقة أو طرق تجارية متوقفة. لهذا فإن الأمن الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الأسلحة التي تمتلكها الدول، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان من نتائج الصراعات التي لا يملك قرار إشعالها. هل نحن أمام نظام عالمي جديد؟ السؤال الأكبر ليس: هل سيرتفع سعر النفط أو ينخفض؟ السؤال هو: ماذا سيحدث للنظام الدولي إذا استمرت هذه الأزمات في الوقت نفسه؟ إذا استمرت اضطرابات الطاقة، وتصاعدت الحروب، واتسعت النزاعات التجارية، وأصبحت الدول أكثر اعتمادًا على التحالفات الإقليمية، فقد نشهد انتقالًا تدريجيًا من عالم اقتصادي شديد الترابط إلى عالم أكثر تجزئة، تحاول فيه كل دولة أو مجموعة دول تأمين احتياجاتها بعيدًا عن المخاطر الخارجية، وهذا التحول يحمل فرصًا لبعض الدول، لكنه يحمل مخاطر كبيرة على الدول الأكثر هشاشة، وقد يصبح العالم أمام اقتصاد أكثر تكلفة، وتجارة أكثر تعقيدًا، وطاقة أكثر ارتباطًا بالسياسة، وتحالفات أكثر براغماتية. لكن الأخطر هو أن يتحول منطق القوة إلى قاعدة وحيدة في العلاقات الدولية؛ فإذا أصبحت السيطرة على النفط والممرات البحرية والتجارة أدوات للضغط المستمر، فإن القانون الدولي والحقوق الإنسانية والسلام سيجدون أنفسهم أمام اختبار تاريخي ، والخلاصة فإن العالم لا يحتاج إلى حرب جديدة ، لكن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة نفط، ولا مجرد حرب في الشرق الأوسط، ولا مجرد نزاع تجاري، ولا مجرد حرب في أوروبا، إنه اختبار للنظام الدولي نفسه، اختبار لقدرة الدول الكبرى على اختيار الدبلوماسية بدل التصعيد، ولقدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين، ولقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام صدمات الطاقة والتجارة، وقد تستطيع الدول أن تعيد توجيه شحناتها، وتفتح طرقًا بديلة، وتزيد إنتاج النفط، وتفرض العقوبات والرسوم الجمركية. لكن هناك شيئًا لا يمكن تعويضه بسهولة: حياة الإنسان. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حسابات النفط والتحالفات والمصالح هو: إلى أين يقود العالم هذا المسار؟ فالقوة التي لا تنتج سلامًا، والاقتصاد الذي لا يحمي الإنسان، والسياسة التي لا تمنع الحرب، كلها قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها لا تصنع استقرارًا دائمًا، والعالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من ساحات الصراع بقدر ما يحتاج إلى إعادة تعريف القوة نفسها؛ من قوة تفرض إرادتها على الآخرين، إلى قوة تستطيع أن تحمي السلام، وتحفظ طرق التجارة، وتضمن أمن الطاقة، وتصون كرامة الإنسان ، ففي النهاية، قد يتغير سعر النفط من يوم إلى آخر، وقد تتغير التحالفات والحكومات والحدود السياسية، لكن تكلفة الحرب التي يدفعها الإنسان قد تبقى لعقود. ناشطة في حقوق الإنسان على مستوى العالمي.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم