التعليمُ عن بُعدٍ.. امتِحانًا للمستقبلِ واختبارًا لجودةِ التعليمِ بقلم: أستاذ مشارك محمد حرب بشير اللصاصمة عميد كلية اللغات وعلومها تُشَكِّلُ الطَّفَرَةُ التِّكْنُولُوجِيَّةُ المَشْهُودَةُ فِي العَصْرِ الرَّاهِنِ زَلْزَالًا مفاهيميًا فِي بَنِيَّةِ المَنَاهِجِ التَّرْبَوِيَّةِ، إِذْ لَمْ يَعُدِ التَّعْلِيمُ عَنْ بُعْدٍ مُجَرَّدَ جِسْرٍ إِسْعَافِيٍّ لِتَجَاوُزِ المَحَطَاتِ الاِسْتِثْنَائِيَّةِ أَوْ حَلٍّ هَامِشِيٍّ يُلْجَأُ إِلَيْهِ عِنْدَ انْغِلَاقِ الصَّرْحِ المَدْرَسِيِّ، بَلْ أَعَادَ هَذَا المَسَارُ الرَّقْمِيُّ صِيَاغَةَ الوهَجِ الإِبِسْتِمُولُوجِيِّ (الْمَعْرِفِيِّ) لِلْعَمَلِيَّةِ التَّعْلَمِيَّةِ فِي جَوْهَرِهَا، مِمَّا جَعَلَهُ امْتِحَانًا حَضَارِيًّا لِلْمُسْتَقْبَلِ وَاخْتِبَارًا مَنَهَجِيًّا صَارِمًا لِجَوْدَةِ المَنْظُومَاتِ التَّرْبَوِيَّةِ. إِنَّ التَّحَدِّيَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي يَفْرِضُهُ هَذَا الأنَّمُوذَجُ لَا يَرْتَكِزُ عَلَى مَدَى القُدْرَةِ التِّقْنِيَّةِ عَلَى بَثِّ المَعْلُومَةِ عَبْرَ الأَقْمَارِ أَوْ الأَلْيَافِ الضَّوْئِيَّةِ، بَلْ يَتَجَسَّدُ فِي المَدَى الَّذِي تَسْتَطِيعُ فِيهِ المَنَصَّاتُ الاِفْتِرَاضِيَّةُ أَنْ تَتَحَوَّلَ مِنْ "حَاوِيَاتٍ أَيْقُونِيَّةٍ" لِلتَّلْقِينِ المُمَهَّدِ إِلَى مَعَامِلَ حَيَّةٍ لِإِنْتَاجِ المَعْرِفَةِ وَتَفْكِيكِهَا وَبِنَاءِ التَّفْكِيرِ النَّاقِدِ، كَمَا أَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ لاَ يَقْبَلُ الْمُسَاوَمَةَ عَلَى المَخْرَجَاتِ، بَلْ يَتَطَلَّبُ أَنْمَاطًا شَخْصِيَّةً قَادِرَةً عَلَى التَّصَدِّي لِلْمَجْهُولِ الْمَعْرِفِيِّ بِمُرُونَةٍ وَاِقْتِدَارٍ. تَكْشِفُ الأَبْحَاثُ المَنْتَمِيَةُ إِلى عُلُومِ الأَعْصَابِ التَّرْبَوِيَّةِ أَنَّ تَلَقِّي المَعَارِفِ عَبْرَ الشَّاشَاتِ الزُّجَاجِيَّةِ يُحْدِثُ بَالِغَ الأَثَرِ فِي الْبِنْيَةِ الإِدْرَاكِيَّةِ لِلْمُتَعَلِّمِ، حَيْثُ يُعِيدُ النَّشَاطُ الرَّقْمِيُّ تَشْكِيلَ خَارِطَةِ الاِنْتِبَاهِ وَيَرْفَعُ مِنْ حِدَّةِ التَّشَتُّتِ الْبَصَرِيِّ إِذَا لَمْ يُسْنَدْ بِبَيْدَاغُوجْيَا تَفَاعُلِيَّةٍ دَقِيقَةٍ. إِنَّ سَكْبَ المَوَادِّ التَّقْلِيدِيَّةِ المُحَنَّطَةِ فِي قَوَالِبَ رَقْمِيَّةٍ لاَ يُنْتِجُ تَعْلِيمًا عَصْرِيًّا، بَلْ يُكَرِّسُ ظَاهِرَةً تُسَمَّى "الِاغْتِرَابَ المَعْرِفِيَّ"، حَيْثُ يَصِيرُ الْمُتَعَلِّمُ مُسْتَهْلِكًا سَلْبِيًّا يُمَارِسُ صَمْتًا ذِهْنِيًّا خَلْفَ كَامِيرَاتٍ مُغْلَقَةٍ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ المِحْوَرَ الأَسَاسِيَّ لِجَوْدَةِ التَّعْلِيمِ عَنْ بُعْدٍ يَتَطَلَّبُ كَسْرَ ثَنَائِيَّةِ (المُلَقِّنِ وَالْمُتَلَقِّي)، وَالاِنْتِقَالَ إِلى هَنْدَسَةِ "الْبِيئَاتِ التَّعَلُّمِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ"، حَيْثُ يُدَارُ الِانْتِبَاهُ المَعْرِفِيُّ وَفْقَ نَظَرِيَّاتِ "الْعِبْءِ الذِّهْنِيِّ"، عَبْرَ جُرَعَاتٍ مَعْرِفِيَّةٍ مَرْكَزَةٍ تَتَخَلَّلُهَا مَهَامُّ سُلُوكِيَّةٌ وَتَطْبِيقَاتٌ تَحْلِيلِيَّةٌ تُعَزِّزُ الاِسْتِيعَابَ العَمِيقَ بَدَلًا مِنَ التَّحْصِيلِ السَّطْحِيِّ. إِنَّ المَفْهُومَ العِلْمِيَّ لِـ "الجَوْدَةِ" فِي المَنْظُومَاتِ الاِفْتِرَاضِيَّةِ يَتَجَاوَزُ المَفَاهِيمَ التَّسْوِيقِيَّةَ الَّتِي تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ بَرَاقَةِ المِنَصَّاتِ وَسُرَعَاتِ الخَطِّ الشَّبَكِيِّ، لِيَصِلَ إِلى المَعْيَارِ الأَكْثَرِ عُمْقًا وَهُوَ "شُمُولِيَّةُ العَدَالَةِ التَّمْكِينِيَّةِ". يَقِفُ التَّعْلِيمُ عَنْ بُعْدٍ أَمَامَ مِرْآةٍ كَاشِفَةٍ لِلْمُجْتَمَعَاتِ، فَقَدْ جَسَّدَتِ التَّجْرِبَةُ ظَاهِرَةَ "اللاَّمُسَاوَاةِ التِّكْنُولُوجِيَّةِ"، فِيمَا يُعْرَفُ بِـ "الفَجْوَةِ الرَّقْمِيَّةِ المُرَكَّبَةِ"، الَّتِي لَمْ تَعُدْ تَعْنِي فَقَطْ مَدَى تَوَافُّرِ الأَجْهِزَةِ، بَلْ شَمِلَتْ أَيْضًا القُدْرَةَ عَلَى طَرِيقَةِ اسْتِخْدَامِهَا لِإِنْتَاجِ القِيمَةِ المَعْرِفِيَّةِ. وَبِالتَّالِي، فَإِنَّ المِعْيَارَ الإِنْسَانِيَّ وَالأَخْلَاقِيَّ لِجَوْدَةِ المَنَاهِجِ المَعْمُولِ بِهَا يَرْتَبِطُ وُثُوقًا بِمَدَى قُدْرَتِهَا عَلَى مَحْوِ الأُمِّيَّةِ الرَّقْمِيَّةِ الإِبْدَاعِيَّةِ لَدَى الفِئَاتِ الأَقَلَّ حَظًّا، حَتَّى لاَ يَتَحَوَّلَ التَّقَدُّمُ التِّقْنِيُّ إِلى أَدَاةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ أَدَوَاتِ التَّهْمِيشِ أَوْ الفَرْزِ الاِجْتِمَاعِيِّ. وَفِي سِيَاقٍ مُتَّصِلٍ، يُلْقِي التَّعْلِيمُ الاِفْتِرَاضِيُّ بِظِلَالِهِ عَلَى المُنْطَلَقَاتِ الأَخْلَاقِيَّةِ لِلْعَمَلِيَّةِ الأَكَادِيمِيَّةِ، لاسيَّمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَزَاهَةِ التَّقْيِيمِ وَالأَمَانِ الأَكَادِيمِيِّ. لَقَدْ كَشَفَتْ أَدَوَاتُ الذَّكَاءِ الاِصْطِنَاعِيِّ التَّولِيدِيِّ عَنْ عُقْمِ المَنَاهِجِ الاِخْتِبَارِيَّةِ الرَّتِيبَةِ الَّتِي تَقِيسُ مَهَارَاتِ الحِفْظِ وَالاسْتِظْهَارِ؛ إِذْ أَمْسَى المُمَارِسُ قَادِرًا عَلَى جِنَايَةِ الإِجَابَاتِ المُتَقَنَةِ فِي لَحَظَاتٍ خَاطِفَةٍ. هَذَا الشَّلَلُ فِي أنَمُوذَجِ الاِمْتِحَانَاتِ النَّمَطِيَّةِ أَدَّى بِحَصَافَةٍ إِلى إِعَادَةِ الاعْتِبَارِ لِـ "التَّقْيِيمِ التَّكْوِينِيِّ الْمُسْتَمِرِّ"، القَائِمِ عَلَى بَنِيَّةِ المَشَارِيعِ، وَالتَّفْكِيرِ المَنْطِقِيِّ، وَحَلِّ المَشَاكِلِ المَيْدَانِيَّةِ المُرَكَّبَةِ. إِنَّ هَذَا الاِنْزِيَاحَ فِي آلِيَّاتِ القِيَاسِ أَعَادَ لِلْمَعْرِفَةِ جَوْهَرَهَا الوَظِيفِيَّ، بَعْدَمَا ظَلَّتْ لِعُقُودٍ رَهِينَةَ "حُرَّاسِ النَّصِّ" وَأَوْرَاقِ الإِجَابَاتِ المُمَقَّوتَةِ. مِنْ جَهَةٍ أُخْرَى، لاَ يُمْكِنُ إِغْفَالُ البُعْدِ النَّفْسِيِّ وَالوِجْدَانِيِّ الَّذِي يُمَثِّلُ الرَّكِيزَةَ العَمِيَقَةَ لِلشَّخْصِيَّةِ الإِنْسَانِيَّةِ. حيث حَذِّرُ عُلَمُاءُ الاِجْتِمَاعِ النَّفْسِيِّ مِنْ خَطَرِ "التَّصَنُّعِ الاِجْتِمَاعِيِّ" أَوْ "الجَفَافِ العَاطِفِيِّ" النَّاجِمِ عَنِ الاِنْغِمَاسِ المُفْرِطِ فِي العُزْلَةِ الشَّاشَاتِيَّةِ، حَيْثُ يُفْقَدُ الفَصْلُ المَدْرَسِيُّ كَوْنَهُ مَساحَةً حَيَّةً لِلتَّثاقُفِ، وَتَطْوِيرِ الذَّكاءِ الاِجْتِمَاعِيِّ، وَفَهْمِ لُغَةِ الجَسَدِ، وَتَمَثُّلِ القِيَمِ الإِنْسَانِيَّةِ المَشْتَرَكَةِ. لِذَلِكَ، فَإِنَّ جَوْدَةَ التَّعْلِيمِ الرَّقْمِيِّ الْمُمَيَّزِ تَكْمُنُ فِي مَدَى قُدْرَتِهِ عَلَى ابْتِكَارِ آَلِيَّاتٍ لِـ "الأَنَسَنَةِ" عَبْرَ دَمْجِ الأَنْشِطَةِ الحَافِزَةِ لِلرَّوُحِ الجَمَاعِيَّةِ، وَإِتَاحَةِ المَسَاحَاتِ لِلْحِوَارِ التَّلْقَائِيِّ، بِمَا يَضْمَنُ عَدَمَ تَحْوِيلِ الأَجْيَالِ النَّاشِئَةِ إِلى كَائِنَاتٍ خَوِارِزْمِيَّةٍ تُجِيدُ فَقَطْ التَّعَامُلَ مَعَ المَدْخَلَاتِ وَالمُخْرَجَاتِ بَارِدَةِ الحِسِّ. إِنَّ النَّجَاحَ فِي عَبُورِ هَذَا الاِخْتِبَارِ المَصِيرِيِّ يَرْتَبِطُ بِمَدَى وُجُودِ رؤْيَةٍ إِسْتِرَاتِيجِيَّةٍ تَشْكِيلِيَّةٍ تَتَجَاوَزُ أَوْهَامَ "التَّقْنِيَّةِ لِلْمُجَرَّدِ التَّقْنِيِّ" إِلى بِنَاءِ "المُتَعَلِّمِ المُسْتَدَامِ"، الَّذِي يَمْتَلِكُ أَدَوَاتِ "التَّعَلُّمِ الذَّاتِيِّ المَدَى الحَيَاتِيَّ." يَتَطَلَّبُ هَذَا المَسَارُ ثَوْرَةً فِي صِيَاغَةِ بَرَامِجِ إِعْدَادِ الْمُعَلِّمِينَ، لِيَتَحَوَّلُوا مِنْ نَاقِلِينَ لِلْمَعْلُومَةِ إِلى "مُهَنْدِسِي خَبَرَاتٍ تَعَلُّمِيَّةٍ" وَقَادَةٍ فِكْرِيِّينَ يُمَارِسُونَ التَّدْرِيبَ الوجْدَانِيَّ وَالمَعْرِفِيَّ. كَمَا يَقْتَضِي الوَضْعُ مَؤُونَةً اسْتِثْمَارِيَّةً ثَابِتَةً فِي أَبْحَاثِ البَيْدَاغُوجْيَا الرَّقْمِيَّةِ، لِقِيَاسِ الأَثَرِ العَصَبِيِّ وَالسُّلُوكِيِّ لِلْمَنَاهِجِ عَبْرَ دِرَاسَاتٍ مَيْدَانِيَّةٍ طَوِيلَةِ الأَمَدِ تُعَالِجُ الخَلَلَ قَبْلَ اسْتِشْرَائِهِ. فِي الخِتَامِ، يُشِيرُ المَشْهَدُ إِلى أَنَّ التَّعْلِيمَ عَنْ بُعْدٍ لَيْسَ شِهَابًا عَابِرًا فِي سَمَاءِ المَنَاهِجِ، بَلْ هُوَ زَاوِيَةُ الرَّاهِنِ الَّتِي تُشَكِّلُ مَلاَمِحَ المُسْتَقْبَلِ الأَكَادِيمِيِّ كُلِّهِ. إِنَّهُ الْمِرْآةُ الصَّادِقَةُ الَّتِي تَكْشِفُ عَوْرَةَ المَنَاهِجِ المَهْتَرِئَةِ وَتُعْلِي مِنْ شَأْنِ المَنْظُومَاتِ المَرْنَةِ القَادِرَةِ عَلَى الاِبْتِكَارِ وَالتَّأَقْلُمِ. إِنَّ الفَوْزَ بِهَذَا الرِّهَانِ المَصِيرِيِّ لاَ يَعْنِي مَحْوَ التَّعْلِيمِ الحُضُورِيِّ، بَلْ صَهْرَهُ مَعَ التَّقْنِيَّةِ فِي بَوْتَقَةٍ بَيْدَاغُوجِيَّةٍ هَجينةٍ (مَخْلُوطَةٍ) جَسُورَةٍ، تَجْعَلُ مِنْ الإِنْسَانِ بِلَا جَدَلٍ هُوَ المَرْكَزُ وَالْغَايَةُ، وَتَمْنَحُهُ السَّلاَحَ المَعْرِفِيَّ وَالأَخْلَاقِيَّ الَّذِي يُؤَهِّلُهُ لِعِمَارَةِ العَالَمِ الجَدِيدِ بِكُلِّ جَدَارَةٍ وَاقْتِدَارٍ.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات