ماهر البطوش يكتب: الطريق ليس لك وحدك

منذ 27 دقيقة
المشاهدات : 13147
ماهر البطوش يكتب: الطريق ليس لك وحدك
ماهر البطوش

ماهر البطوش

الجلوس خلف مقود المركبة لا يعني أن الطريق أصبح مباحاً لصاحبها، ولا أن المركبة تمنحه حق تجاوز الآخرين أو تعطيلهم أو التعامل معهم وكأن الأولوية دائماً له. فالطريق ملك عام، يشترك في استخدامه الجميع، وتنظمه قواعد قانونية وضعت لحماية الإنسان وتنظيم حركة المرور، وما يقرره القانون من أولوية أو حق في المرور لا يبرر إساءة استعمال هذا الحق أو التعدي على حقوق الآخرين.

وهنا تظهر أخلاق القيادة؛ فالقانون يحدد للسائق ما له وما عليه، لكن احترام الطريق لا ينبغي أن يكون خوفاً من شرطي أو كاميرا، وإنما قناعة بأن لكل مستخدم حقاً فيه، وأن تصرفاً بسيطاً خلف المقود قد يحمي إنساناً أو يعرضه للخطر.

فليس المطلوب أن نبحث عن الشرطي لنعرف أين نقف ومتى نتوقف، وإنما أن نعرف حقوقنا وواجباتنا ونحترمها. أن نتوقف عند الإشارة، ونلتزم بالمسرب، ونتقيد بالسرعة المقررة، ونعطي الأولوية لمن قرر له القانون حقها؛ فهذه ليست مجاملات نقدمها للآخرين، وإنما التزامات قانونية وسلوكيات حضارية لا يستقيم الطريق من دونها.

وفي المقابل فإن معرفة حقك لا تعني أن تستخدمه بطريقة تؤذي غيرك. قد تكون لك الأولوية، لكن ذلك لا يمنحك الحق في المناورة الخطرة أو تعمد إعاقة الآخرين. وقد تستطيع المرور أولاً، لكن إفساح المجال أحياناً، عندما تسمح ظروف الطريق، ليس تنازلاً عن حقك، بل احترام لحق الآخر.

والطريق لا يضم السائقين وحدهم؛ فهناك المشاة والمارة وكبار السن والأطفال. هؤلاء ليسوا عائقاً أمام المركبة، وإنما شركاء في الطريق لهم حق في الأمان. لذلك فإن تخفيف السرعة عند مرورهم، أو الانتظار حتى يعبروا، أو مراعاة من يحتاج وقتاً أطول، ليس عبئاً على السائق، وإنما سلوك إنساني ومسؤولية أخلاقية.

ومن أكثر السلوكيات التي تستحق منا وقفة جادة الوقوف والاصطفاف. أن توقف مركبتك في ممر مخصص للمشاة، أو تقف بشكل مزدوج أمام بقالة أو محل بحجة شراء غرض سريع، أو تترك مركبتك أمام منزل أو مدخل قائلاً: " دقيقة وبرجع " قد يبدو لك أمراً عابراً، لكنه قد يعني للآخرين إغلاق طريق، أو تعطيل مركبة، أو إرباك حركة السير، أو إجبار أحد المشاة على النزول إلى الشارع.

وهنا السؤال البسيط: هل حاجتي لدقيقة تمنحني الحق في تعطيل حق الآخرين؟ بالطبع لا. فالشارع العام ليس موقفاً خاصاً، والحاجة الشخصية لا تمنح صاحبها حقاً في تعطيل الآخرين.

وتظهر الأخلاق أكثر عندما نختلف. سائق أخطأ، وآخر تأخر، وثالث يحاول الاندماج في المسرب. ليست كل هذه المواقف معارك يجب أن ننتصر فيها. أحياناً يكون أعظم انتصار للسائق أن يضبط غضبه، ويتسامح، ويمنح الآخر فرصة، ويختار الهدوء بدلاً من المشادة والاستفزاز.

ومن هنا فإن سلوكك على الطريق لا يتوقف عندك؛ أنت تترك أثراً في كل من يراك. فالطفل يتعلم من والده، والسائق الجديد يتأثر بمن حوله، والمجتمع يعتاد السلوك الذي يتكرر أمامه. فإذا رأى الناس احترام المشاة، والوقوف الصحيح، وإفساح المجال، والتعامل بتسامح، أصبح ذلك سلوكاً تنتقل عدواه الإيجابية من شخص إلى آخر.

ولا يعني ذلك أن نستغني عن الرقابة أو عن تطبيق القانون بحزم وعدالة؛ فالرقابة ضرورة، والقانون يجب أن يطبق على الجميع، خصوصاً عندما يكون السلوك خطراً على حياة الآخرين. لكن لا يمكن أن تكون هناك عين تراقب كل شارع وكل مركبة وكل لحظة.

ولهذا فإن أرقى درجات الالتزام أن تراقب نفسك بنفسك؛ أن لا تقف في المكان الخطأ ولو لم يمنعك أحد، وأن لا تعطل المشاة ولو لدقيقة، وأن لا تقف بشكل مزدوج لمجرد أنك مستعجل، وأن لا تستفز غيرك لمجرد أنك تعتقد أنك على حق.

فالقانون يحدد حقوقنا وواجباتنا، والرقابة تحمي تطبيقه، أما الأخلاق فتمنح هذا الالتزام معناه الحقيقي. والطريق ليس اختباراً لمن يصل أولاً، وإنما اختبارٌ لمدى احترامنا لبعضنا. وإذا أردنا شوارع أكثر أمناً وانضباطاً، فلنبدأ من خلف المقود؛ حيث يجب أن يسبق الوعيُ الرقابة، وأن تسبق الأخلاقُ المخالفة، وأن يكون كل واحد منا قدوة لغيره.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم