أحسب أن لقاء وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية الدكتور عزمي المحافظة على شاشة "المملكة" يستحق أن يُقرأ بهدوء، لا باعتباره إعلاناً عن نظام تعليمي جديد، وإنما بوصفه محاولة مهمة لإعادة تركيب صورة قائمة أصلاً، ووضع تفاصيلها المتفرقة في سياق واحد أكثر وضوحاً واتصالاً.
فالكثير مما ورد في حديث الوزير ليس مستجداً بالمعنى التشريعي أو الإجرائي؛ فملامح النظام ومساراته ومراحله ونسب احتساب العلامات والامتحانات الوزارية كانت معروفة ومطبقة منذ العام الماضي، وتناولتْها نقاشات وقراءات متعددة. لكن المعرفة بالتفاصيل شيء، ورؤية الصورة كاملة شيء آخر.
وهنا تحديداً تكمن قيمة المقابلة. فالوزير لم يأتِ ليضع أمام الناس نظاماً لم يعرفوه من قبل، بقدر ما أعاد إضاءة المشهد من زاوية واحدة، وجمع عناصر كانت تُقرأ في أحيان كثيرة منفصلة، ثم وضعها داخل البناء الذي تنتمي إليه. وعندما تتجمع التفاصيل في سياقها، يتراجع كثير من الالتباس، ويصبح بالإمكان مناقشة النظام على أساس ما هو قائم فعلاً، لا على أساس ما يُظن أنه قائم.
فالمراحل التعليمية ليست مستحدثة، وشهادة الثانوية العامة التي يحصل عليها الطالب بعد استكمال متطلبات المرحلة ليست فكرة جديدة، والامتحان الوزاري وعلاقته بالقبول الجامعي ليسا كذلك. وكذلك توزيع المواد الوزارية بين الصفين الأول والثاني الثانوي، ونسب احتساب العلامات، ودراسة المواد العلمية في الصف الأول الثانوي؛ كلها عناصر كانت حاضرة في النظام منذ دخوله حيز التطبيق.
أما النقطة التي برزت بصورة أوضح في حديث الوزير، فتتصل بآلية التنافس على الالتحاق بالمسارات وفق المعدل المدرسي للطالب في الصف العاشر والأول الثانوي، وهي من النقاط التي تستحق أن تُفهم بدقة، لأنها تمس بصورة مباشرة حركة الطالب داخل المسارات التعليمية وما يترتب عليها من خيارات لاحقة.
وهنا أجد من الضروري التفريق بين أمرين كثيراً ما اختلطا في النقاش العام: أن تعرف النظام، وأن تؤيده.
فشرح النظام لا يعني بالضرورة الدفاع عنه، وفهم آلياته لا يعني التسليم بكل خياراته. يمكن للمرء أن يحيط بالتفاصيل، وأن يقرأ فلسفة النظام، ثم يختلف مع بعض أحكامه أو يناقش نتائجها وآثارها. بل إن النقد الجاد لا يبدأ إلا من معرفة دقيقة بما نريد نقده.
ومن هذه الزاوية، أرى أن أهمية المقابلة لم تكن في إضافة أخبار جديدة بقدر ما كانت في إزالة شيء من الضباب الذي أحاط بالنظام لدى قطاعات واسعة من الناس. فحين تتحدث الجهة المسؤولة مباشرة عن فلسفة النظام وآليات تطبيقه، وتربط بين أجزائه، يصبح المجال أوسع أمام الرأي العام ليحكم على التجربة من واقعها، لا من شذرات متداولة عنها.
لقد كانت لدينا تفاصيل كثيرة، لكن ما كان ينقص المشهد في أحيان كثيرة هو الصورة الجامعة لهذه التفاصيل.
وهذا أمر بالغ الأهمية في القضايا التعليمية؛ لأن النظام التعليمي لا يُفهم من مادة منفردة، ولا من نسبة مئوية، ولا من امتحان بعينه، وإنما من العلاقة بين المراحل والمسارات والمواد والتقييم والقبول الجامعي والخيارات التي يتيحها النظام أمام الطالب.
ولذلك فإن خروج الوزير شخصياً للحديث عن هذه القضايا له قيمة تتجاوز المقابلة ذاتها. فالرأي العام لا يحتاج فقط إلى القرارات، وإنما يحتاج أيضاً إلى من يشرح منطقها وسياقها وحدودها، ويضع أمام الناس ما يكفي من الوضوح حتى يصبح النقاش أكثر نضجاً وأقل خضوعًا للانطباعات.
وأعتقد أن هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن يبقى بعد انتهاء المقابلة: الوضوح ليس تفصيلاً إعلامياً في إدارة الإصلاح، بل جزء من الإصلاح نفسه.
فكلما تركت المؤسسات فراغاً في الشرح، ملأته التأويلات، وكلما غابت الصورة الكاملة، تقدمت التفاصيل المبتورة لتشكّل صورة قد لا تكون هي الصورة الحقيقية.
لم تتغير الخريطة في هذه المقابلة، لكن الغشاوة التي كانت تحجب بعض تفاصيلها عن كثير من الناس بدأت تنقشع. وما نحتاجه الآن ليس أن نتفق جميعاً على النظام لمجرد أننا فهمناه، وإنما أن نصل أولاً إلى مرحلة نفهم فيها ما هو قائم فهماً دقيقاً، ثم نختلف عليه ــ إن اختلفنا ــ على أساس المعرفة لا الالتباس.
فحين يصبح النظام مفهوماً كما هو، يبدأ النقاش الحقيقي حول ما ينبغي أن يكون عليه.
والله الموفق
فالكثير مما ورد في حديث الوزير ليس مستجداً بالمعنى التشريعي أو الإجرائي؛ فملامح النظام ومساراته ومراحله ونسب احتساب العلامات والامتحانات الوزارية كانت معروفة ومطبقة منذ العام الماضي، وتناولتْها نقاشات وقراءات متعددة. لكن المعرفة بالتفاصيل شيء، ورؤية الصورة كاملة شيء آخر.
وهنا تحديداً تكمن قيمة المقابلة. فالوزير لم يأتِ ليضع أمام الناس نظاماً لم يعرفوه من قبل، بقدر ما أعاد إضاءة المشهد من زاوية واحدة، وجمع عناصر كانت تُقرأ في أحيان كثيرة منفصلة، ثم وضعها داخل البناء الذي تنتمي إليه. وعندما تتجمع التفاصيل في سياقها، يتراجع كثير من الالتباس، ويصبح بالإمكان مناقشة النظام على أساس ما هو قائم فعلاً، لا على أساس ما يُظن أنه قائم.
فالمراحل التعليمية ليست مستحدثة، وشهادة الثانوية العامة التي يحصل عليها الطالب بعد استكمال متطلبات المرحلة ليست فكرة جديدة، والامتحان الوزاري وعلاقته بالقبول الجامعي ليسا كذلك. وكذلك توزيع المواد الوزارية بين الصفين الأول والثاني الثانوي، ونسب احتساب العلامات، ودراسة المواد العلمية في الصف الأول الثانوي؛ كلها عناصر كانت حاضرة في النظام منذ دخوله حيز التطبيق.
أما النقطة التي برزت بصورة أوضح في حديث الوزير، فتتصل بآلية التنافس على الالتحاق بالمسارات وفق المعدل المدرسي للطالب في الصف العاشر والأول الثانوي، وهي من النقاط التي تستحق أن تُفهم بدقة، لأنها تمس بصورة مباشرة حركة الطالب داخل المسارات التعليمية وما يترتب عليها من خيارات لاحقة.
وهنا أجد من الضروري التفريق بين أمرين كثيراً ما اختلطا في النقاش العام: أن تعرف النظام، وأن تؤيده.
فشرح النظام لا يعني بالضرورة الدفاع عنه، وفهم آلياته لا يعني التسليم بكل خياراته. يمكن للمرء أن يحيط بالتفاصيل، وأن يقرأ فلسفة النظام، ثم يختلف مع بعض أحكامه أو يناقش نتائجها وآثارها. بل إن النقد الجاد لا يبدأ إلا من معرفة دقيقة بما نريد نقده.
ومن هذه الزاوية، أرى أن أهمية المقابلة لم تكن في إضافة أخبار جديدة بقدر ما كانت في إزالة شيء من الضباب الذي أحاط بالنظام لدى قطاعات واسعة من الناس. فحين تتحدث الجهة المسؤولة مباشرة عن فلسفة النظام وآليات تطبيقه، وتربط بين أجزائه، يصبح المجال أوسع أمام الرأي العام ليحكم على التجربة من واقعها، لا من شذرات متداولة عنها.
لقد كانت لدينا تفاصيل كثيرة، لكن ما كان ينقص المشهد في أحيان كثيرة هو الصورة الجامعة لهذه التفاصيل.
وهذا أمر بالغ الأهمية في القضايا التعليمية؛ لأن النظام التعليمي لا يُفهم من مادة منفردة، ولا من نسبة مئوية، ولا من امتحان بعينه، وإنما من العلاقة بين المراحل والمسارات والمواد والتقييم والقبول الجامعي والخيارات التي يتيحها النظام أمام الطالب.
ولذلك فإن خروج الوزير شخصياً للحديث عن هذه القضايا له قيمة تتجاوز المقابلة ذاتها. فالرأي العام لا يحتاج فقط إلى القرارات، وإنما يحتاج أيضاً إلى من يشرح منطقها وسياقها وحدودها، ويضع أمام الناس ما يكفي من الوضوح حتى يصبح النقاش أكثر نضجاً وأقل خضوعًا للانطباعات.
وأعتقد أن هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن يبقى بعد انتهاء المقابلة: الوضوح ليس تفصيلاً إعلامياً في إدارة الإصلاح، بل جزء من الإصلاح نفسه.
فكلما تركت المؤسسات فراغاً في الشرح، ملأته التأويلات، وكلما غابت الصورة الكاملة، تقدمت التفاصيل المبتورة لتشكّل صورة قد لا تكون هي الصورة الحقيقية.
لم تتغير الخريطة في هذه المقابلة، لكن الغشاوة التي كانت تحجب بعض تفاصيلها عن كثير من الناس بدأت تنقشع. وما نحتاجه الآن ليس أن نتفق جميعاً على النظام لمجرد أننا فهمناه، وإنما أن نصل أولاً إلى مرحلة نفهم فيها ما هو قائم فهماً دقيقاً، ثم نختلف عليه ــ إن اختلفنا ــ على أساس المعرفة لا الالتباس.
فحين يصبح النظام مفهوماً كما هو، يبدأ النقاش الحقيقي حول ما ينبغي أن يكون عليه.
والله الموفق
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات