العقاربة تكتب: حين تتحول الخبرة العسكرية إلى منصة للافتراء

منذ 56 دقيقة
المشاهدات : 10894
العقاربة تكتب: حين تتحول الخبرة العسكرية إلى منصة للافتراء
الدكتورة فاطمة العقاربة

الدكتورة فاطمة العقاربة

ردٌّ على عبد الكريم خلف: الأردن ليس ساحةً لتصفية الحسابات ولا مؤسساته العسكرية مادةً للتخمين

هناك فرقٌ شاسع بين أن يكون المرء خبيرًا عسكريًا، وبين أن يتحدث في الشأن العسكري وكأن اللقب وحده يمنحه حصانةً من السؤال والمساءلة. فالخبرة لا تُقاس بارتفاع الصوت، ولا بعدد العبارات الرنانة، ولا بالقدرة على توزيع الاتهامات على الدول والمؤسسات، وإنما تُقاس بالدقة، وبالقرينة، وباحترام عقول الناس.


ومن هذا الباب، فإن ما نُسب إلى الخبير العسكري العراقي عبد الكريم خلف من حديث كاذب عن استهداف العقبة، وربط ذلك بوجود قاعدة أمريكية أو أمريكيين يختبئون فيها، ثم الانتقال إلى الحديث عن «سيد الشيعة» ومن سيُسقط ترامب وأمريكا، وصولًا إلى الادعاء بوجود من يزوّد إيران بأخبار أمنية من الأردن، ليس تحليلًا عسكريًا رصينًا بقدر ما هو خلطٌ بين الوقائع والتخمينات والرسائل السياسية.والاوهام التي تسيطر على ضعف الفكر العسكري الذي ينتمي له
أما أخطر ما في هذه التصريحات، فهو أنها لا تكتفي بتفسير حدثٍ لم تُعرض أدلته، بل تقترب من اتهام مؤسسات عسكرية أردنية بالتورط في تسريب معلومات أمنية. وهنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في الرأي، بل يصبح سؤالًا يستحق إجابة واضحة: أين الدليل؟ ما مصدر هذه المعلومات؟ وما الذي يبرر الزجّ باسم الأردن ومؤسساته العسكرية في رواية من هذا النوع؟
فالجيش العربي الأردني ليس صفحةً في دفتر التحليلات العابرة، ولا مؤسسةً يجوز أن تُرمى عليها الاتهامات جزافًا لإسناد رواية سياسية. ومن يتحدث عن مؤسسة عسكرية، خصوصًا في منطقة تعجّ بالتوترات، عليه أن يدرك أن الكلمة غير المسؤولة قد تُحدث ضررًا يتجاوز صاحبها، وأن احترام الدول ومؤسساتها ليس مجاملةً دبلوماسية، بل مسؤولية أخلاقية ومهنية.

وإذا كان لدى عبد الكريم خلف دليلٌ على ما يقول، فليقدّمه. وإن لم يكن لديه، فالأجدر به أن يتراجع عن الاتهام، لا أن يختبئ خلف صفة «الخبير العسكري». فالرتبة السابقة لا تمنح صاحبها حق اختراع المعلومات، والخبرة لا تعفي من التحقق، والحديث عن الأمن القومي ليس مجالًا للاستعراض. والكذب والافتراء بالتحليل العسكري ما هو الا ضعف للراوي لروايته الكاذبة

أما الحديث عن أن إيران ضربت العقبة لوجود قاعدة أمريكية، أو أن أمريكيين يختبئون فيها خوفًا منها، فهو كلام يحتاج إلى وقائع موثقة، لا إلى نبرةٍ واثقة. الثقة في الإلقاء ليست دليلًا، والجزْم ليس إثباتًا، والقدرة على صناعة رواية لا تعني امتلاك الحقيقة.

والأردن، الذي يعرفه أبناؤه ويعرفه العالم، ليس دولةً تُدار بالشائعات، ولا مؤسسةً عسكريةً تُختزل في رواية ينسجها متحدث من وراء شاشة. الأردن دولةٌ لها سيادتها، وجيشٌ له تاريخه، ومؤسساتٌ تعرف مسؤولياتها، وشعبٌ لا يقبل أن تتحول بلاده إلى مادةٍ للاتهام المجاني.

ولعلّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على صاحب هذه التصريحات هو: هل جئتَ لتشرح للناس ما تعرفه، أم لتقنعهم بما لا تستطيع إثباته؟

فإذا كان المقصود تحليلًا عسكريًا، فليكن التحليل قائمًا على المعلومات. وإذا كان المقصود موقفًا سياسيًا، فليُطرح بوصفه موقفًا سياسيًا. أما أن تُخلط السياسة بالأمن، والتخمين بالمعلومة، والاتهام بالتحليل، ثم يُطلب من الناس أن يتعاملوا مع ذلك باعتباره «خبرة عسكرية»، فهذه ليست مهنية، بل إساءةٌ إلى المهنة نفسها.

إن كرامة الخبير الحقيقي لا تُصان بالصمت عن الخطأ، بل بالاعتراف به. ومن يخطئ في تقدير موقف عسكري يمكن أن يُحترم إذا صحّح كلامه. أما من يصرّ على اتهام الدول والمؤسسات من دون دليل، فليس من حقه أن يطالب الناس باحترام روايته لمجرد أنه قدّم نفسه خبيرًا.

وفي المقابل، فإن الردّ الأردني لا يحتاج إلى صراخ، ولا إلى شتائم، ولا إلى سباقٍ في الإساءة. يكفيه أن يقول: الأردن ليس متهمًا في رواية أحد، ومؤسساته العسكرية ليست مادةً للتشهير، ومن لديه دليل فليقدّمه، ومن لا يملك الدليل فليحفظ لسانه عن الافتراء.

أما عبد الكريم خلف، فليتذكر أن الخبير الذي يفقد دقة المعلومة، يفقد جزءًا من قيمة الخبرة التي يتحدث باسمها. وأن احترام الناس لا يُنتزع باللقب، بل يُكتسب بالصدق. وأن من يرفع شعار المهنية العسكرية، أولى به أن يعرف أن أخطر ما يمكن أن يفعله المتحدث في الشأن الأمني هو أن يجعل من الظنّ حقيقة، ومن التخمين اتهامًا، ومن الاتهام موقفًا عامًا.

الأردن أكبر من أن يُختزل في رواية عابرة، وأمنه أكبر من أن يكون مادةً للمزايدات، وكرامة مؤسساته لا تُمسّ لأن أحدًا قرر أن يرفع صوته.

فليكن الردّ واضحًا، هادئًا، وحاسمًا:
لا نطلب من أحد أن يحب الأردن، لكننا نطالبه أن يحترم الحقيقة. ولا نطلب منه أن يتفق مع سياساته، لكننا نطالبه ألا يختلق اتهامات ضد مؤسساته. ومن أراد أن يتحدث في الأمن والعسكر، فليحمل معه دليلًا يليق بخطورة ما يقول.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم