سرايا - تجاوز الدين العام الأمريكي الشهر الماضي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، وواصل الصعود إلى نحو 40.18 تريليون دولار مطلع الشهر الجاري، وهو رقم يفوق الناتج السنوي لمعظم اقتصادات العالم، ويمثل أكبر دين حكومي في التاريخ.
ومع ذلك، لم تتوقف الحكومة الأمريكية عن دفع رواتب موظفيها، ولم تهجر الأسواق الدولار، ولم يمتنع المستثمرون عن شراء سندات الخزانة الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، يحذّر بعض الخبراء من تداعيات استمرار ارتفاع الدين الأمريكي، ليس على أكبر اقتصاد في العالم فحسب، بل على الاقتصاد العالمي كله.
فكيف تراكم هذا الدين؟ ، ومن أقرض الولايات المتحدة كل هذه الأموال؟ ، ولماذا يواصل المستثمرون شراء سنداتها؟ ، وهل يمنحها الدولار حصانة دائمة، أم يمكن أن يتحول تضخم الدين وتكلفة خدمته إلى تهديد للاقتصادين الأمريكي والعالمي؟
هل كل أمريكي مدين بـ113 ألف دولار؟
الدين العام هو مجموع الأموال التي اقترضتها الحكومة الفدرالية ولم تسدد أصلها بعد. وينشأ عندما تتجاوز نفقاتها إيراداتها خلال سنة مالية، فالفرق يسمى "العجز"، وتغطيه الخزانة بإصدار السندات، ومع استمرار العجز عاما بعد آخر يتراكم الدين وتتزايد أعباؤه.
لكنّ ذلك لا يجعل الرقم بلا معنى، فبحسب مكتب الميزانية في الكونغرس، يؤدي ارتفاع الدين إلى زيادة مدفوعات الفائدة وتضييق المساحة المتاحة للإنفاق على البرامج والخدمات الأخرى، وقد يضع الحكومة مستقبلا أمام خيارات تشمل زيادة الإيرادات أو خفض بعض النفقات والمزايا.
وتزداد المفارقة حدة عندما يُقسم الدين على عدد السكان. ففي مارس/آذار 2026، قدرت اللجنة الاقتصادية المشتركة في الكونغرس نصيب الفرد بنحو 113.6 ألف دولار.
لكنّ المواطن الأمريكي لا يتلقى فاتورة بهذا المبلغ، ولن يطرق أحد بابه مطالبا بسداده، فنصيب الفرد مجرد قسمة حسابية تُستخدم لتقريب ضخامة الدين، وإن كان المواطن يتحمل تبعاته بصورة غير مباشرة.
ويضع تزايد الاقتراض الحكومي ضغوطا على أسعار الفائدة وتكاليف الاقتراض في الاقتصاد، وهو ما قد ينعكس على الرهون العقارية وقروض الشركات.
كيف تراكمت التريليونات؟
بلغ الدين الأمريكي نحو 5.8 تريليونات دولار في نهاية السنة المالية 2001، واقترب من 10 تريليونات دولار في 2008، ثم قفز إلى 26.9 تريليون دولار في 2020، قبل أن يتجاوز 40 تريليون دولار في 2026.
وجاء هذا التراكم بعد تخفيضات ضريبية متعددة، وحروب وأزمات مالية وبرامج تحفيز وجائحة عالمية، إلى جانب الارتفاع المستمر في نفقات التقاعد والرعاية الصحية.
وشكلت الأزمة المالية العالمية التي اندلعت عام 2008 مثالا واضحا على دور الدين بصفته أداة للطوارئ، إذ اقترضت الحكومة لتمويل إنقاذ النظام المالي وتحفيز الاقتصاد وتعويض انهيار الإيرادات.
وتكرر الأمر بصورة أوسع خلال جائحة كورونا، عندما ارتفع الدين الفدرالي في السنة المالية 2020 وحدها بنحو 4.2 تريليونات دولار، وفق مكتب المحاسبة الحكومي.
بيد أن الأزمات لا تفسر الصورة كاملة، فبعد انحسارها ظلت الولايات المتحدة تسجل عجزا كبيرا، بسبب فجوة هيكلية بين الإنفاق والإيرادات.
وفي فبراير/شباط 2026، توقع مكتب الميزانية في الكونغرس عجزا قدره 1.9 تريليون دولار خلال السنة المالية، أي ما يعادل 5.8% من الناتج المحلي، مقارنة بمتوسط تاريخي بلغ 3.8% خلال نصف قرن.
ثم رفع المكتب تقديره إلى نحو 2.1 تريليون دولار، استنادا إلى نتائج الأشهر العشرة الأولى من السنة، مما يعكس اتساع العجز المتوقع وتزايد الضغوط على المالية العامة.
ودفع ذلك مدير مكتب الميزانية في الكونغرس، فيليب سواجل، إلى التحذير من أن المسار المالي الأمريكي "غير قابل للاستمرار".
وترى رئيسة لجنة الميزانية الفدرالية المسؤولة، مايا ماكغينيس، أن أثر الدين لا يبقى في دفاتر الخزانة، بل يزاحم أولويات الإنفاق ويجعل البلاد أكثر عرضة للطوارئ الداخلية والاضطرابات الخارجية.
لماذا تستمر أميركا في الاقتراض؟
كون الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم لا يعني أن حكومتها تملك رصيدا نقديا يكفي لجميع التزاماتها. والحكومة، شأنها شأن أي مؤسسة، تحتاج إلى الاقتراض عندما تنفق أكثر مما تجمعه من الضرائب والرسوم.
وقد يكون الاقتراض مفيدا عندما يمول بنية تحتية ترفع الإنتاجية أو يحمي الاقتصاد من ركود عميق. لذلك يرى بعض الخبراء أن العجز قد يكون ضروريا في الأزمات، حين يتراجع إنفاق الأفراد والشركات.
لكنّ استمرار عجز ضخم خلال فترات النمو يقلل قدرة الدولة على الاستجابة للصدمة التالية، ويجعل الاقتراض جزءا دائما من تشغيل الحكومة بدلا من أن يكون أداة استثنائية.
ولا يحين موعد سداد الدين الأمريكي دفعة واحدة، بل يتوزع على آجال مختلفة، تبدأ بأذون تُستَحق خلال عام أو أقل، وتمتد إلى سندات متوسطة وطويلة الأجل، إلى جانب سندات ترتبط قيمتها بالتضخم للمساعدة في حماية أموال المستثمرين من تراجع قوتها الشرائية.
وعندما يحين موعد سداد جزء من الدين، تلجأ الخزانة غالبا إلى إصدار سندات جديدة لتمويله. وإذا كانت أسعار الفائدة قد ارتفعت، تُضطر إلى الاقتراض بتكلفة أعلى، وهنا لا يعود الخطر مرتبطا بحجم الدين وحده، بل بتزايد تكلفة خدمته أيضا.
من يملك الدين؟
ينقسم الدين الإجمالي بصورة رئيسية إلى قسمين،
• أولهما الدين الذي يحمله الجمهور، وبلغ نحو 32.3 تريليون دولار عند تجاوز الدين الكلي حاجز 40 تريليون دولار.
ويشمل هذا القسم ما تملكه الصناديق والأفراد والبنوك وشركات التأمين وصناديق التقاعد والاحتياطي الفدرالي والحكومات والمستثمرون الأجانب.
• أما القسم الثاني، البالغ نحو 7.8 تريليونات دولار، فيتمثل في التزامات داخلية بين الجهات الحكومية. وينشأ، مثلا، عندما تستثمر صناديق الضمان الاجتماعي فوائضها في أوراق تصدرها الخزانة.
ورغم أن هذا الجزء ليس دينا لمستثمر خارجي، فإنه ليس رقما وهميا، إذ يمثل مطالبات حكومية مرتبطة بالتزامات مستقبلية تجاه المتقاعدين وغيرهم.
وتفند الأرقام الاعتقاد الشائع بأن الصين "تمول أمريكا"، فقد بلغ إجمالي حيازة المستثمرين الأجانب من سندات الخزانة نحو 9.3 تريليونات دولار في يونيو/حزيران 2026، أي نحو 29% من الدين الذي يحمله الجمهور.
وكانت اليابان أكبر حائز أجنبي بنحو 1.117 تريليون دولار، تلتها المملكة المتحدة بنحو 940 مليار دولار، ثم الصين بنحو 633 مليار دولار.
وبذلك، لا تتجاوز الحيازة الصينية 1.6% تقريبا من إجمالي الدين الأمريكي، ولا تستطيع بكين مطالبة واشنطن بسداد الدين فجأة.
ويمكن للصين بيع سنداتها في السوق، لكنّ البيع الواسع قد يخفض أسعارها ويلحق بها خسائر، كما قد يضغط على الدولار ويرفع قيمة اليوان إذا حولت بكين العائدات إلى عملات أخرى، مما قد يضر بتنافسية صادراتها.
مزاد الثقة الأمريكية
عندما تحتاج الخزانة إلى المال، تعلن مزادا تحدد فيه نوع الورقة المالية وقيمتها وتاريخ استحقاقها. ويشتري المستثمرون هذه الأوراق لأنها مدعومة بالتزام الحكومة الأمريكية الكامل بالسداد، ويمكن تداولها بسهولة في سوق ضخمة.
وتستخدم البنوك سندات الخزانة ضمانا للحصول على السيولة، وتحتفظ بها صناديق التقاعد لمقابلة التزاماتها، بينما تشتريها البنوك المركزية لإدارة احتياطياتها وحماية عملاتها.
ويعزز الدولار هذا الطلب، إذ استحوذ على 57.13% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية في الربع الأول من 2026، مقابل 20.03% لليورو وأقل من 2% لليوان الصيني.
وما دام جانب كبير من التجارة والتمويل والاحتياطيات مقوما بالدولار، تحتاج المؤسسات العالمية إلى أصول دولارية آمنة وسائلة.
امتياز الدولار وحدوده
ترى النظرية النقدية الحديثة أن الدولة التي تقترض بعملتها وتصدر تلك العملة لا تواجه خطر الإفلاس بالطريقة نفسها التي تواجهه دولة مدينة بعملة أجنبية، فالولايات المتحدة لا يمكن أن تنفد منها الدولارات من الناحية التقنية.
لذلك، يمثل التضخم ونقص الموارد الحقيقية القيد الأساسي لإصدار النقود، وليس وصول الدين إلى رقم معين، إذ إن إصدار العملة ليس حلا بلا مقابل.
فإذا ضخت الحكومة الأموال عبر طباعة مزيد من الدولارات لتمويل الإنفاق بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات، فإن ذلك يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الدولار أمام العملات الأجنبية، مما يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى.
لكنّ استقلال الاحتياطي الفدرالي، إلى جانب القوانين المنظمة للإنفاق والاقتراض، يمنع الخزانة من إصدار النقود كلما حان موعد سداد أحد السندات.
أين يبدأ الخطر؟
لا يوجد حد سحري للدين الأمريكي يؤدي تجاوزه تلقائيا إلى انهيار الاقتصاد. والمؤشر الأهم هو مسار نسبة الدين إلى الناتج، وحجم مدفوعات الفائدة قياسا إلى الإيرادات، وقدرة الحكومة على تعديل الضرائب والإنفاق.
ويُتوقع أن يبلغ صافي مدفوعات الفائدة تريليون دولار في 2026، ثم يرتفع إلى 2.1 تريليون دولار في 2036.
ويعني ذلك أن كل دولار يوجَّه إلى خدمة ديون سابقة يقلل الحيز المتاح للدفاع والتعليم والبنية التحتية ومواجهة الركود، أو يتطلب مزيدا من الضرائب والاقتراض.
لكنّ فقدان ثقة الأسواق ليس الطريق الوحيد إلى الأزمة، فقد يأتي الخطر أيضا من داخل النظام السياسي الأمريكي بسبب الخلاف بشأن سقف الدين.
ولا يتعلق سقف الدين بإقرار إنفاق جديد، بل يحدد قدرة الخزانة على الاقتراض للوفاء بالتزامات سبق أن أقرها الكونغرس.
ويبلغ السقف الحالي 41.1 تريليون دولار، بعدما رفعه الكونغرس بمقدار 5 تريليونات دولار ضمن قانون أُقر في يوليو/تموز 2025.
وهذا السقف سارٍ حاليا وليس معلقا، مما يعني أن الخزانة لا تستطيع زيادة الدين الخاضع له إلى ما فوق هذا المستوى من دون موافقة جديدة من الكونغرس.
وعندما يقترب الدين من السقف، تستخدم الخزانة ما يُعرف بـ"الإجراءات الاستثنائية"، مثل تعليق بعض الاستثمارات مؤقتا في صناديق التقاعد الحكومية، لتوفير مساحة مالية إضافية.
لكنّ هذه الإجراءات لا تخفض الدين ولا تحل المشكلة، بل تمنح الحكومة وقتا محدودا. وإذا نفدت الأموال والإجراءات الاستثنائية من دون رفع السقف أو تعليقه، فقد تعجز الخزانة عن دفع بعض الالتزامات في مواعيدها.
وهنا يختلف سقف الدين عن الإغلاق الحكومي، فالإغلاق يحدث عندما لا يقر الكونغرس التمويل السنوي لبعض الجهات، فتتوقف خدمات حكومية مؤقتا.
أما أزمة سقف الدين فتهدد قدرة الخزانة على دفع التزامات أُقرت بالفعل، بما فيها المزايا والرواتب وفوائد السندات، ولذلك يمكن أن تكون تداعياتها المالية أشد خطورة.
وعندما تأخر رفع سقف الدين إلى اللحظات الأخيرة عام 2021، أدى ذلك إلى زيادة تكاليف اقتراض الخزانة بنحو 1.3 مليار دولار خلال تلك السنة المالية وحدها، وفق مكتب المحاسبة الحكومي.
اختبار للثقة
حتى الآن، يمر الدين الأمريكي باختبار صامت في كل مزاد تعقده الخزانة: هل سيقبل المستثمرون إقراض واشنطن مجددا؟ وما العائد الذي سيطلبونه مقابل ذلك؟
ولا تتوقف مخاطر استمرار تضخم الدين الأمريكي عند حدود الولايات المتحدة، فكلما احتاجت الخزانة إلى طرح مزيد من السندات، قد تضطر إلى تقديم عوائد أعلى لجذب المشترين.
ولأن العائد الأمريكي يمثل مرجعا لتسعير القروض والسندات عالميا، تنتقل الزيادة إلى تكلفة تمويل الحكومات والشركات والأفراد في دول عديدة.
كما قد تسحب العوائد المرتفعة رؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة، فتتعرض عملات الاقتصادات الناشئة للضغط، وترتفع تكلفة سداد ديونها المقومة بالدولار.
وفي الوقت نفسه، يؤدي انخفاض أسعار السندات الأمريكية إلى خسائر في محافظ البنوك والصناديق والبنوك المركزية التي تحتفظ بها.
وإذا تزامنت هذه الضغوط مع تراجع الثقة بالدولار أو بقدرة واشنطن على ضبط ماليتها، فقد تتحول مشكلة الدين الأمريكي من عبء على موازنة دولة واحدة إلى مصدر اضطراب للائتمان والاستثمار والنمو في الاقتصاد العالمي.
وإذا أحجم المستثمرون الأجانب عن شراء السندات الأمريكية، فلن تجد واشنطن نفسها بلا تمويل فورا، إذ يأتي معظم الطلب من داخل الولايات المتحدة، بما يشمل البنوك والصناديق والمستثمرين والاحتياطي الفدرالي.
وقد تضطر الخزانة أولا إلى عرض عوائد أعلى لجذب مشترين جدد، مما يرفع تكلفة الدين.
وحتى الآن تنجح واشنطن في التعامل مع ارتفاع الدين، لكنّ هذه الحلول لها تكاليف أخرى. ولذلك، لن تبدأ لحظة الخطر الحقيقية عندما يضيف عداد الدين تريليونا جديدا، بل عندما يتشكك المستثمرون في قدرة الحكومة على سداد المستحقات.
وفي النهاية، يعتمد الامتياز الذي يسمح لواشنطن بالاقتراض أكثر من الجميع على أصل لا تستطيع طباعته وهو الثقة.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات