حاتم القرعان يكتب: حين يُغلق باب الحافلة على طفل .. من يفتح باب المسؤولية؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 10168
حاتم القرعان يكتب: حين يُغلق باب الحافلة على طفل ..  من يفتح باب المسؤولية؟
حاتم القرعان

حاتم القرعان

هناك أخبار نقرأها ثم نمضي، وأخبار أخرى لا تسمح لنا أن نطوي صفحتها، لأنها لا تكشف حادثة عابرة، بل تضعنا أمام سؤال ثقيل: هل كان يمكن أن يحدث الأمر بطريقة أخرى؟

فاجعة طفل الزرقاء واحدة من تلك الأخبار التي لا يجوز أن تمر كخبر عابر. طفل في عمر الزهور خرج من منزله ليبدأ يومًا عاديًا، لكنه لم يعد إليه. رحم الله الطفل، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

وأمام هذا الألم، لا ينبغي أن ينحصر السؤال في: من المسؤول؟ فالمسؤولية القانونية لها مسارها، والتحقيقات ستحدد تفاصيل الحادثة، والقضاء سيقول كلمته. لكن السؤال الأوسع هو: هل منظومة نقل أطفالنا مصممة فعلًا لتحميهم؟

في الأردن، نشأت منظومة نقل الطلبة في جانب كبير منها استجابة لحاجة حقيقية؛ فأسر كثيرة تعتمد على السائقين والمركبات الخاصة لنقل أبنائها إلى المدارس، وبعض العاملين في هذا القطاع يعتمدون عليه مصدرًا أساسيًا لدخل أسرهم. لذلك فإن الحل ليس بإلغاء هذه المهنة أو التضييق على أصحابها، وإنما بتنظيمها بطريقة تحمي الطفل وتحافظ في الوقت ذاته على مصدر رزق الأسرة.

فالطفل ليس راكبًا عاديًا، والحافلة التي تنقله ليست مجرد مركبة تسير في الشارع؛ إنها تحمل أمانة. ورخصة القيادة وحدها لا تكفي، إذ يحتاج سائق نقل الطلبة إلى معرفة بأساسيات سلامة الأطفال، والتعامل معهم، والإسعافات الأولية، وإجراءات الطوارئ.

وما نراه أحيانًا من تحميل زائد، واستخدام الهاتف أثناء القيادة، والسرعة، والوقوف العشوائي، وخروج الأطفال من النوافذ، والتدخين داخل بعض المركبات، أو التعامل بعصبية مع الأطفال، يجب ألا يصبح مشهدًا مألوفًا. وقد تكون هذه الممارسات محدودة، لكن في قضايا الأطفال لا يمكن أن نقول إن الخطأ بسيط؛ لأن ثمن الخطأ قد يكون حياة طفل.

لهذا لا نحتاج إلى مزيد من المخالفات بقدر ما نحتاج إلى نظام يمنع الخطأ قبل وقوعه.

لماذا لا يكون هناك سجل وطني إلكتروني لمركبات نقل الطلبة وسائقيها، بحيث تكون المركبة والسائق معروفين للجهات المختصة ولأولياء الأمور؟ ولماذا لا يخضع السائق لدورة مختصرة في سلامة الأطفال ويحصل بعدها على اعتماد رسمي كناقل طلبة؟

والأهم أن يصبح التأكد من خلو المركبة من الأطفال بعد انتهاء الرحلة إجراءً إلزاميًا، لا مسألة تعتمد على الذاكرة أو حسن النية. ويمكن للتكنولوجيا أن تساعد في ذلك من خلال تطبيق بسيط أو تنبيه إلكتروني يؤكد انتهاء الرحلة وخلو المركبة.

كما يجب تحديد عدد الأطفال المسموح بنقلهم في كل مركبة، ووضع شروط واضحة للمركبات المستخدمة، والتأكد من ملاءمتها من حيث السلامة والتهوية والتكييف والنظافة.

ولا يمكن أن تبقى المدرسة خارج هذه المنظومة. فهناك حاجة إلى آلية واضحة للتنسيق بين المدرسة وولي الأمر والسائق، خصوصًا في حالات غياب الطفل أو عدم وصوله.

والأهل أيضًا شركاء في السلامة؛ فمن حقهم أن يعرفوا من يقود أبناءهم، وما المركبة التي تنقلهم، وكم عدد الأطفال فيها، وما الإجراءات المتبعة عند حدوث طارئ.

لكن يجب أن يكون التنظيم ذكيًا ومنخفض الكلفة. فلا يجوز أن تتحول عملية تنظيم نقل الطلبة إلى باب جديد للرسوم والجباية، فتزداد أعباء الأسر التي تعتمد على هذه المهنة. المطلوب أن تكون الدولة منظمة ورقيبة، والسائق ملتزمًا، والمدرسة متابعة، والأهل شركاء، والطفل هو محور المنظومة.

وربما آن الأوان لإطلاق برنامج وطني بعنوان «النقل الآمن لأطفال الأردن»، يبدأ تدريجيًا، ويقوم على تسجيل المركبات والسائقين، وتدريبهم واعتمادهم، وفحص المركبات، وتنظيم السعة، ووضع بروتوكول موحد للصعود والنزول والتأكد من خلو المركبة بعد انتهاء الرحلة.

فالطفل الذي فقدناه لن يعود، لكن يمكن أن تتحول فاجعته إلى جرس إنذار يدفعنا إلى إصلاح حقيقي.

لا نريد أن تنتهي القصة بانتهاء الخبر، ولا أن تكون الاستجابة مجرد حملة تفتيش مؤقتة. نريد أن نسأل السؤال الأهم: ماذا سنفعل حتى لا يتكرر الأمر؟

أطفالنا لا يحتاجون إلى طريق آمن فقط، بل إلى منظومة آمنة.

ولا نريد قتل مصدر رزق من يعمل في نقل الطلبة، كما لا نريد أن ندفع ثمن العشوائية بأطفالنا.

نظّموا نقل أطفالنا، احموا السائق، احموا الأسرة، والأهم… احموا الطفل.

فالمجتمع الواعي لا ينتظر الكارثة ليبحث عن الحل، بل يبني نظامًا يمنعها قبل أن تقع.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين.
بقلم :حاتم القرعان
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم