ماهر البطوش يكتب: المادة (15): جريمتان في نص واحد

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 18647
ماهر البطوش يكتب:  المادة (15): جريمتان في نص واحد
ماهر البطوش

ماهر البطوش

ما يُكتب على الشاشة لا يبقى دائماً على الشاشة؛ فالكلمة الإلكترونية يمكن أن تتحول من مجرد منشور إلى مسؤولية قانونية. ولهذا فإن فهم المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 لا يقتصر على معرفة العقوبة، وإنما يبدأ بفهم الفارق بين الأخبار الكاذبة التي تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي، وبين الذم والقدح والتحقير الذي يمس كرامة الإنسان واعتباره.

ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول مواد القانون مادة بعد أخرى، بهدف تبسيط النصوص وبيان ما يترتب عليها من مسؤولية، بلغة تجمع بين الدقة القانونية والوعي المجتمعي؛ لأن معرفة حدود المسؤولية قد تمنع الوقوع في الخطأ قبل أن يتحول إلى جريمة.

والفارق بين الجريمتين يبدأ من المصلحة التي يحميها القانون. فالأخبار الكاذبة التي تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي تتصل بمصلحة عامة ترتبط بأمن الدولة واستقرار المجتمع وتماسكه، بينما يتجه الذم والقدح والتحقير إلى حماية شرف الإنسان وكرامته واعتباره. ولذلك فإن اشتراك الفعلين في الوسيلة الإلكترونية لا يعني وحدة الطبيعة القانونية أو تطابق عناصر المسؤولية الجزائية فيهما.

وفي جريمة الأخبار الكاذبة، لا يكفي مجرد كون المعلومة غير صحيحة، وإنما يتعين أن تنطبق عليها الأوصاف والشروط التي حددها النص، ومن بينها استهداف الأمن الوطني أو السلم المجتمعي، مع توافر القصد الجرمي وفقاً لمقتضيات النص والقواعد العامة. أما الذم والقدح والتحقير فتدور المسؤولية فيه حول الفعل أو المحتوى الذي ينال من شخص المجني عليه وفقاً للأوصاف التي حددها القانون، مع توافر العناصر اللازمة لقيام الجريمة. وهنا تظهر أهمية التمييز بين الخبر غير الصحيح والخبر الكاذب، وبين النقد المشروع والفعل الذي يجاوز حدود المشروعية إلى الإساءة المجرّمة.

كما أن المادة (15/ب) وضعت حكماً خاصاً يتعلق بتحريك الدعوى، إذ جعلت ملاحقة الجرائم الواردة في الفقرة (أ) من اختصاص النيابة العامة دون الحاجة إلى شكوى أو ادعاء بالحق الشخصي إذا كانت موجهة إلى إحدى السلطات في الدولة أو الهيئات الرسمية أو الإدارات العامة. أما الحالات الأخرى فتخضع للقواعد القانونية الناظمة لتحريك الدعوى بحسب طبيعة المجني عليه والفعل المرتكب.

ومن المسائل التي تستحق التوقف عندها أن المشرع جمع في المادة نفسها بين جريمتين تختلفان في المحل والمصلحة المحمية والعناصر القانونية؛ فالأولى تتصل بحماية الأمن الوطني والسلم المجتمعي، بينما الثانية تتصل بحماية شرف الإنسان وكرامته واعتباره. ومن ثم فإن قيام المسؤولية الجزائية لا يُستمد من مجرد استخدام وسيلة إلكترونية، وإنما من توافر أركان الجريمة وشروطها التي حددها القانون.

وتثير المادة كذلك مسألة مهمة تتعلق بمصطلحي "الأمن الوطني" و"السلم المجتمعي" إذ لم يضع القانون تعريف محدد لهما ضمن أحكامه. وتزداد أهمية وضوح هذه المصطلحات في النصوص الجزائية تحديداً، لأن التجريم يجب أن يكون واضح الحدود، بما يمكّن المواطن من معرفة السلوك الذي يمكن أن يرتب عليه مسؤولية جزائية، ويضمن في الوقت ذاته أن يبقى تطبيق النص مرتبطاً بحدوده وغاياته دون توسع في التفسير.

ولا يعني الحديث عن ضرورة وضوح النص التشكيك في أهمية حماية الأمن الوطني والسلم المجتمعي؛ فهما من المصالح الأساسية التي تستحق الحماية القانونية. وإنما المقصود أن وضوح النص الجزائي يمثل ضمانة للمجتمع والفرد معاً؛ فالمجتمع يحتاج إلى حماية حقيقية من الأفعال التي تهدد أمنه واستقراره، والمواطن يحتاج في المقابل إلى معرفة واضحة لحدود ما يجرّمه القانون.

إن المادة (15) تضع أمام مستخدم الفضاء الرقمي مسؤولية واضحة في التعامل مع المحتوى الإلكتروني؛ فحرية التعبير لا تعني حرية نشر الكذب، وحق النقد لا يعني حق الإساءة، وإعادة النشر لا تعني بالضرورة غياب المسؤولية. فليس كل ما يصل إلى الهاتف حقيقة، وليس كل ما يُنشر أو يُعاد تداوله يخلو من الأثر القانوني. ولذلك فإن على مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي أن يتحقق قبل النشر، وأن يميز بين المعلومة والرأي، وبين النقد والإهانة، وأن يتعامل بحذر مع أي محتوى يمكن أن يمس أمن المجتمع أو كرامة الآخرين.

وفي النهاية فإن المسؤولية القانونية لا تبدأ عند وصول الأمر إلى القضاء، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ من اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن ينشر أو يعيد نشر ما وصل إليه. فالعالم الرقمي لا يمنح حصانة للكلمة، وحرية التعبير لا تعني إهدار كرامة الآخرين أو المساس بالمصالح التي يحميها القانون.

لذلك وقبل أن تنشر، توقف، وتحقق، وفكّر: هل ما تنقله صحيح؟ وهل يحق لك نشره؟ وما الأثر الذي قد يتركه على الآخرين أو على المجتمع؟ فلحظة من التفكير قبل النشر قد تجنب صاحبها تبعات قانونية طويلة، والكلمة المسؤولة لا تحمي صاحبها فحسب، بل تحمي حقوق الآخرين وتصون سلامة المجتمع، وتجعل من الفضاء الإلكتروني مساحة للتعبير الواعي، لا وسيلة للإساءة أو الإضرار.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم