إن التأمل في واقع التعليم العالي ليس مجرد نزهة فكرية في تلافيف اللوائح والنصوص، بل هو مواجهة عارية مع أزمة وجودية تشهدها الذات الأردنية البحثية. لقد تحولت مجالس الأمناء في مشهدنا الأكاديمي المحلي من كينونة "الفلسفة القائدة" والحاضنة الاستراتيجية للتنوير، إلى مجرد هيكل بيروقراطي يمارس طقوس الإدارة التكلسية، حيث تُستبدل الديناميكية المعرفية بحكمة الأعمار المتقدمة التي لا ترى في الأفق سوى إعادة إنتاج الماضي.
في المقابل، تُعطي الجامعات العالمية النموذج الحقيقي للفلسفة الأكاديمية: إنها مؤسسات لا تكتفي باجترار السلطة، بل تُصنَع فيها المقاعد بعقول مشتعلة حيويةً وتنوعاً، وتُمكّن أجيال التكنولوجيا والابتكار من رسم مصيرها المعرفي. أما في نموذجنا المحلي، فقد حُنّطت الفكرة في قوالب الإسناد السياسي، وغدت مجالس الأمناء تشكيلات صماء تُدار بالعقلية التقليدية، في عزلة تامة عن نبض الواقع المتسارع ومقتضيات عصر الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة.
وتتجلّى المأساة الفلسفية والأخلاقية لهذا التكلس الإداري في التجاهل الصارم للثنائية القاتلة: سلطوية القبول الموحد، وتوحّش الكلفة التعليمية.
ديكتاتورية القبول الموحد:
يستمر نظام القبول الموحد كآلية قسرية لمسح الفروق الفردية، مصادراً إرادة الطالب وحقه في الاختيار والابتكار، ليُساق الشغف الإنساني نحو تخصصات فرضتها الأرقام الصماء لا العقول الشغوفة. وفي هذا السياق، يقف مجلس الأمناء موقف الشاهد الصامت، حارساً للجمود التنظيمي دون أن يملك الجرأة الفلسفية أو الجسارة الاستراتيجية لمساءلة هذا القالب الشمولي الذي يقتل روح المبادرة ويدفن العبقرية الفردية في مهدها.
تسليع المعرفة واغتراب الطالب:
مع الارتفاع المتواصل لكلفة التعليم الفعلي مقابل الجودة المتردية، تحول التعليم العالي من حق إنساني وسبيل للترقي الاجتماعي إلى عبء مالي يرهق كاهل الأسرة الأردنية. وأمام هذا العجز المؤسسي عن ابتكار الحلول وتنمية الأوقاف الأكاديمية—كما تفعل مجالس الأمناء العالمية—يجد الطالب الأردني نفسه مغترباً في وطنه؛ يُطرد قسراً من فضاءات جامعاته الوطنية ليخوض رحلة شتات علمي بحثاً عن تعليم يُحترم فيه عقله وتكافؤ فرصه خارج الحدود، مضطراً لاستنزاف طاقاته ومدخرات أهله في الغربة.
أين يقف مجلس الأمناء من هذه الجريمة الحضارية؟
إن الدور التاريخي لمجلس الأمناء لا ينبغي أن يُختزل في التوقيع على الموازنات وتعيين القيادات بنفس الآليات النمطية؛ بل إن مسؤوليته الأخلاقية والأكاديمية تتطلب خروجاً صريحاً عن حالة الارتهان للحلول الجاهزة. إن استمرار المجالس كأداة للضبط والربط البيروقراطي، دون تقديم البدائل لاستقلال الجامعات المالي، ودون صياغة فلسفة قبول مرنة تستوعب روح العصر، ودون حماية الطالب الأردني من القهر المادي والأكاديمي، يمثل استقالة صريحة من العقد الفكري والأخلاقي مع المجتمع.
لقد آن الأوان لرفع الغطاء عن هذه الهياكل الشكلية، والاعتراف بأن التنوير الأكاديمي لن يتحقق إلا بكسر الأغلال البيروقراطية، وإعادة الاعتبار للعقل الناقد، وتشبيب دماء القرار، ليتحول الجامعي من مستهلك مقهور لنظام سلبي إلى صانع للمستقبل على أرضه.
في المقابل، تُعطي الجامعات العالمية النموذج الحقيقي للفلسفة الأكاديمية: إنها مؤسسات لا تكتفي باجترار السلطة، بل تُصنَع فيها المقاعد بعقول مشتعلة حيويةً وتنوعاً، وتُمكّن أجيال التكنولوجيا والابتكار من رسم مصيرها المعرفي. أما في نموذجنا المحلي، فقد حُنّطت الفكرة في قوالب الإسناد السياسي، وغدت مجالس الأمناء تشكيلات صماء تُدار بالعقلية التقليدية، في عزلة تامة عن نبض الواقع المتسارع ومقتضيات عصر الذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة.
وتتجلّى المأساة الفلسفية والأخلاقية لهذا التكلس الإداري في التجاهل الصارم للثنائية القاتلة: سلطوية القبول الموحد، وتوحّش الكلفة التعليمية.
ديكتاتورية القبول الموحد:
يستمر نظام القبول الموحد كآلية قسرية لمسح الفروق الفردية، مصادراً إرادة الطالب وحقه في الاختيار والابتكار، ليُساق الشغف الإنساني نحو تخصصات فرضتها الأرقام الصماء لا العقول الشغوفة. وفي هذا السياق، يقف مجلس الأمناء موقف الشاهد الصامت، حارساً للجمود التنظيمي دون أن يملك الجرأة الفلسفية أو الجسارة الاستراتيجية لمساءلة هذا القالب الشمولي الذي يقتل روح المبادرة ويدفن العبقرية الفردية في مهدها.
تسليع المعرفة واغتراب الطالب:
مع الارتفاع المتواصل لكلفة التعليم الفعلي مقابل الجودة المتردية، تحول التعليم العالي من حق إنساني وسبيل للترقي الاجتماعي إلى عبء مالي يرهق كاهل الأسرة الأردنية. وأمام هذا العجز المؤسسي عن ابتكار الحلول وتنمية الأوقاف الأكاديمية—كما تفعل مجالس الأمناء العالمية—يجد الطالب الأردني نفسه مغترباً في وطنه؛ يُطرد قسراً من فضاءات جامعاته الوطنية ليخوض رحلة شتات علمي بحثاً عن تعليم يُحترم فيه عقله وتكافؤ فرصه خارج الحدود، مضطراً لاستنزاف طاقاته ومدخرات أهله في الغربة.
أين يقف مجلس الأمناء من هذه الجريمة الحضارية؟
إن الدور التاريخي لمجلس الأمناء لا ينبغي أن يُختزل في التوقيع على الموازنات وتعيين القيادات بنفس الآليات النمطية؛ بل إن مسؤوليته الأخلاقية والأكاديمية تتطلب خروجاً صريحاً عن حالة الارتهان للحلول الجاهزة. إن استمرار المجالس كأداة للضبط والربط البيروقراطي، دون تقديم البدائل لاستقلال الجامعات المالي، ودون صياغة فلسفة قبول مرنة تستوعب روح العصر، ودون حماية الطالب الأردني من القهر المادي والأكاديمي، يمثل استقالة صريحة من العقد الفكري والأخلاقي مع المجتمع.
لقد آن الأوان لرفع الغطاء عن هذه الهياكل الشكلية، والاعتراف بأن التنوير الأكاديمي لن يتحقق إلا بكسر الأغلال البيروقراطية، وإعادة الاعتبار للعقل الناقد، وتشبيب دماء القرار، ليتحول الجامعي من مستهلك مقهور لنظام سلبي إلى صانع للمستقبل على أرضه.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات