بريزات تكتب : مجالس الأمناء .. قانون جديد لتشكيلات رمادية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9718
بريزات تكتب : مجالس الأمناء ..  قانون جديد لتشكيلات رمادية

فلحه سليمان بريزات

هل تكفي الخبرة وحدها ليدرك صاحب القرار واقع من يُتخذ القرار باسمه؟

الأمر يبدو بسيطاً، لكنه يلخص جوهر فلسفة اختيار القيادات ومجالس صنع القرار: هل يستطيع رجل مخضرم، تخرج من أعرق الجامعات وشغل مناصب تنفيذية، أن يدرك بدقة التحديات التي تواجهها طالبة في التاسعة عشرة داخل أروقة الجامعة اليوم؟ قد يتفهمها نظرياً، لكن من الصعب أن يكون إدراكه لها مماثلا لمن يعيش التجربة بتفاصيلها وخلفياتها الحقيقية.

المغزى ليس الطعن في قدرة أصحاب الخبرات، ولا المفاضلة بين الأجيال أو الخلفيات، بل التذكير بأن الكفاءة لا تُقاس بالسنوات وحدها، وأن فهم الواقع الذي يُصنع القرار من أجله جزء أصيل من القدرة على اتخاذه. وهذه الفكرة تبدو ملحة اليوم، ونحن أمام إعادة تشكيل مجالس أمناء الجامعات الأردنية بموجب القانون الجديد.
والأمر لا يتعلق بالخبرة وحدها، بل بالتجديد أيضا. الخبرة قيمة لا تُنكر، لكنها ليست القيمة الوحيدة. فالوظائف تتغير، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل كثيرا من المهن، والأجيال القادمة ستدخل سوق عمل مختلفا عما نعرفه اليوم. لذلك لا تستطيع الجامعة أن تنظر إلى المستقبل بعين واحدة، أو أن تستدعي الوجوه ذاتها كلما احتاجت إلى موقع جديد. المرحلة الجديدة تحتاج خبرة، نعم، لكنها تحتاج أيضا عقولا جديدة قادرة على قراءة ما هو قادم، وتنوعا في الخلفيات والتجارب يوسع زاوية النظر إلى مشكلات الجامعة.
ومن هنا تعود دلالة المثال الافتتاحي: ليس المطلوب أن نسأل فقط كم سنة خبرة يحملها العضو، بل ماذا أضافت تلك الخبرة إلى قدرته على فهم الجامعة التي سيشارك في رسم مستقبلها؟ وهل تجمع التشكيلة بين المعرفة المتراكمة والقدرة على رؤية التحديات الجديدة من زوايا مختلفة؟
منذ ثلاث سنوات، طرحت تحت عنوان "الرغائبية في إدارة الجامعات.. التعليم العالي يدفع الفاتورة" إشكالية جوهرية ما زالت قائمة حتى اليوم: إذا كان مجلس الأمناء عماد استقلال الجامعة، فمن يُمنح حق تمثيلها، وبأي معايير تُحسم خياراته؟
كان النقاش يومها يدور حول جدوى هذه المجالس وتقييماتها، وحول قرارات إعفاء رؤساء جامعات رغم اختلاف التقييمات، حتى صار من الصعب معرفة من يُقيم من، ومن يملك القرار الأخير. فما قيمة الصلاحيات الواسعة إذا أظهرت التجربة أن الميزان يميل عند أول مفترق مع القرار الأعلى؟ وكيف نطلب استقلالاً حقيقياً من مجلس قد يجد نفسه غير قادر على حماية قراره في تعيين رئيس الجامعة؟
اليوم، يتغير القانون ويُعاد تشكيل المجالس، لكن الإشكالية الجوهرية ما زالت ذاتها: هل تغيرت قواعد صناعة القرار؟ وهل اتسق التشكيل الجديد مع روح القانون، ومع المتغيرات المتسارعة التي تواجه الجامعات وسوق العمل، أم أننا أمام إعادة ترتيب للمشهد بالأدوات ذاتها؟

هنا، تتوالى التساؤلات التي لا ينبغي اعتبارها اعتراضاً على أشخاص بعينهم.
كيف اختيرت الأسماء؟ من وضع المعايير التي رجحت اسماً على آخر؟ من اقترح ومن قارن؟ ومن امتلك سلطة الاستبعاد أو
الإضافة؟ وهل كانت حاجة كل جامعة نقطة البداية، أم جاءت الأسماء أولا ثم جرى البحث عن المبررات لاحقا؟
هذه ليست مرافعة ضد أسماء محددة، ولا حكماً مسبقاً على مجالس لم تبدأ عملها بعد. إنها مطالبة بأن تكون طريقة الاختيار بمستوى حساسية الموقع. عندما يكون المجلس مسؤولا عن رسم سياسات الجامعة وتقييم رئيسها والمساهمة في رسم مستقبلها، لا يمكن أن يبقى اختيار أعضائه في منطقة رمادية.
مع وافر التقدير للأعضاء، فإن بعض التشكيلات تفتح بابا مشروعاً للتأمل: هل نبحث فعلاً عن أفضل من يستطيع إدارة مرحلة جامعية جديدة، أم ما زلنا نستدعي الوجوه ذاتها كلما احتجنا إلى موقع؟ لا أريد أن أقول إن هناك أسماء معدة سلفاً، لكن من حق الناس أن يعرفوا المسار الذي أنتج هذه الاختيارات، لأن وضوح الطريق هو ما يمنع الشكوك من أن تتحول إلى رواية بديلة عن الحقيقة.
وهنا تبرز محطة مجلس التربية والتعليم ودوره في صياغة التشكيلات ورفعها إلى مجلس الوزراء. النقطة ليست في تعدد المراحل، بل في وجود مسافة مؤسسية حقيقية تتيح فحص الأسماء وفق احتياجات الجامعات ومقارنتها بمعايير واضحة قبل الوصول إلى القرار النهائي. بمعنى آخر: ليس المهم فقط من وقع قرار التعيين، بل من صنع القائمة الأولى؟ ومن اختبرها؟ ومن امتلك سلطة استبعاد اسم وتقديم آخر؟ وهل كانت المعايير معلنة بما يكفي لنعرف لماذا اختير هذا الشخص لهذه الجامعة تحديداً؟
إذا كان القانون الجديد يريد أن يمنح مجالس الأمناء دورا أكبر، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرتها على ممارسة هذا الدور وتحمل مسؤولية قراراتها، لا في عدد الصلاحيات الممنوحة لها. ولسنا بحاجة إلى مزيد من دوائر التقييم والمراجعة التي تتكرر؛ فقد أصبح لدينا من طبقات الرقابة ما يكفي. فالمطلوب: أن نعرف من يقرر، ومن يتحمل مسؤولية القرار.

تحتاج الجامعات الأردنية إلى معالجة المديونية، وإلى تخصصات ترتبط بسوق العمل، وبحث علمي يتحول إلى أثر حقيقي، وإدارة أكثر كفاءة. لكنها تحتاج قبل كل ذلك إلى خريج لا يجد نفسه بعد سنوات من الدراسة أمام السؤال القاسي: ماذا أفعل بشهادتي؟

هذا السؤال تحديدا هو الذي يجب أن يبقى حاضرا أمام مجالس الأمناء الجديدة. فنجاحها لن يُقاس بعدد اجتماعاتها، ولا بفخامة الأسماء التي تضمها، ولا بطول الخبرات التي يحملها أعضاؤها، بل بما ستتركه بعد انتهاء ولايتها:
هل تحسن الأداء الأكاديمي؟
هل ارتفع تصنيف الجامعات؟
هل تحسنت الأوضاع المالية للجامعات؟
هل جرى التعامل بجرأة مع التخصصات الراكدة؟
هل ارتفع أثر البحث العلمي؟
هل أصبحت القرارات أكثر رشداً؟
وهل أصبحت الجامعة أكثر استقلالا بالفعل؟

لا أريد أن أسبق التجربة بالحكم، ولا أن أضع الأسماء الجديدة في خانة واحدة. قد تثبت الأيام أن الاختيارات كانت موفقة، وقد يبرهن الأداء أن بعض الأسماء كان في مكانه تماما. لكن الحكم في النهاية يجب أن يكون على الطريقة والنتيجة معاً.
وبعد أربع سنوات، لن يكون أمامنا مجال للتقدير والانطباع، بل نتائج يمكن قياسها: أداء، ومديونية، وخريجون، وبحث علمي، وجامعات يمكن مقارنة ما كانت عليه بما أصبحت عليه. عندها تبقى النتائج وحدها شاهدة: ماذا غيّرت هذه المجالس في جامعاتها؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم