د. سيف الدين ربابعة يكتب: وعي الشباب الأردني: بين المراهنة الملكية ومسؤولية التخطيط الحكومي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 21929
د. سيف الدين ربابعة يكتب: وعي الشباب الأردني: بين المراهنة الملكية ومسؤولية التخطيط الحكومي
د. سيف الدين ربابعة

د. سيف الدين ربابعة

تجيء التأكيدات المتكررة لسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، خلال لقاءاته المستمرة مع الفعاليات والشخصيات الوطنية في مختلف محافظات المملكة و التي كان آخرها في محافظة إربد، لتضع النقاط على الحروف في قضية جوهرية تشكل ركيزة الاستقرار الوطني، ألا وهي المراهنة الثابتة على وعي الشباب الأردني وقدرته على استيعاب الواقع الاقتصادي والتفاعل الحيوي مع تحدياته.

غير أن التوقف عند هذا التأكيد الملكي السامي يفرض سؤالاً وطنيا ملحا على الصعيد التنفيذي، ماذا قدمت الحكومات المتعاقبة لترسيخ هذا الوعي وتحويله من مراهنة سياسية إلى استراتيجية بناء متكاملة؟ وكيف تم إعداد هذا الشباب ليتعاطى مع تعقيدات ملف البطالة والتحديات الاقتصادية المتراكمة؟
إن أولى الحقائق التي يجب الإقرار بها هي أن وعي الشباب لا يتشكل بالفطرة ولا ينمو في الفراغ، بل هو منتج ثقافي واجتماعي وسياسي تتكاتف في صناعته مؤسسات الدولة ومناهج التعليم، والمنصات الإعلامية، والأحزاب، ومؤسسات المجتمع المدني. الوعي عملية بناء استثماري تراكمية تتطلب إحاطة الشباب بالحقائق الرقمية والتنموية، وتدريبهم على التفكير النقدي وتحليل التحديات، ليكونوا شركاء حقيقيين في صياغة الحلول بدلا من كونهم متلقين لتداعيات الأزمات.

على مدار السنوات الماضية، طرحت الحكومات المتعاقبة العديد من الاستراتيجيات والبرامج الموجهة نحو الشباب، بدءا من الاستراتيجيات الوطنية للشباب، مرورا ببرامج التشغيل الوطني، ومبادرات التدريب المهني والتقني، وصولا إلى منظومة التحديث السياسي والاقتصادي. على الرغم من أهمية هذه الخطط في أبعادها النظرية، إلا أن الأثر الملموس على أرض الواقع ما زال يصطدم بجدار معدلات البطالة المرتفعة بين الفئات الشبابية، والفجوة المتزايدة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل الحديث.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في غياب النصوص أو الخطط، بل في نجاعة أدوات التنفيذ وقياس الأثر، فالشباب لا يكتسبون الوعي بالتحديات الاقتصادية عبر البيانات الصحفية أو الخطابات الإنشائية، بل يكتسبونه عندما يجدون مساحات حقيقية للمشاركة والتأثير، وعندما تفتح أمامهم آفاق الابتكار والريادة بدعم مالي ولوجستي مستدام، وعندما يُعاملون كعنصر حل في المعادلة التنموية.

إن الخطر الأكبر الذي يجب الحذر منه يكمن في ترك عقول الشباب بلا غطاء توعوي أو تمكيني؛ إذ إن تحصين الشباب ضد الدعوات الهدامة والأفكار المنحرفة والتشكيك الممنهج لا يتم إلا برديف عملي ملموس يملأ وقتهم واستثماراتهم وطاقاتهم. حين يغيب الاستثمار المباشر في قدرات الشاب، وحين يواجه الأفق المغلق بعد التخرج، تضحى هذه الفراغات بيئة خصبة للاستقطاب والسلبيات التي تنعكس أضرارها على الأمن المجتمعي والاستقرار الوطني برمته.

إن المراهنة الملكية على وعي الشباب هي تكليف للحكومات والمؤسسات الوطنية قبل أن تكون إشادة، تكليف يتطلب الانتقال السريع من خطط التمكين التقليدية إلى خطوات عمل جريئة. إن بناء وعي الشباب الأردني هو الاستثمار الأكثر أمانا وربحية في مستقبل الأردن، فهو الدرع الصلب لحماية الثوابت الوطنية، والمحرك الأساسي لتجاوز الأزمات الاقتصادية وتحقيق التنمية المستدامة التي نطمح إليها جميعا.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم