أ.د. حسن الدعجه يكتب: من أرض الحارث الرابع: خليفات يجدّد مؤاخاة الأردنيين وثوابت الوطن

منذ 21 دقيقة
المشاهدات : 5714
أ.د. حسن الدعجه يكتب: من أرض الحارث الرابع: خليفات يجدّد مؤاخاة الأردنيين وثوابت الوطن
أ.د.حسن الدعجه

أ.د.حسن الدعجه

لم يكن اللقاء العشائري الذي احتضنته مدينة وادي موسى مجرد مناسبة اجتماعية أو تجمع تقليدي للوجهاء والشخصيات العامة؛ بل شكّل رسالة وطنية انطلقت من أرض الأنباط، لتؤكد أن قوة الأردن تنبع من وحدة أبنائه، وأن صون الوطن ومواجهة التحديات يتطلبان التمسك بالثوابت الوطنية، وترسيخ الثقة والتعاضد بين جميع مكونات المجتمع الأردني.
واكتسب اللقاء دلالة تاريخية خاصة لانعقاده في وادي موسى، حاضنة البتراء وعاصمة المملكة النبطية العربية التي بلغت في أحد أبرز عهودها ذروة ازدهارها وقوتها في عهد الحارث الرابع. فقد شهد ذلك العهد صراعاً طويلاً مع اليهود، ولا سيما القوى الحاكمة في المناطق المجاورة والمرتبطة بالنفوذ الروماني، وتمكن الجيش النبطي خلال إحدى أبرز المواجهات من إلحاق هزيمة كبيرة بالقوات المقابلة، دفاعاً عن مصالح المملكة وحدودها واستقلال قرارها.
ويمنح استحضار هذا الإرث مبادرة "المؤاخاة بين الأردنيين" بعداً حضارياً ووطنياً عميقاً؛ فالأرض التي شهدت قوة الأنباط وصمودهم في وجه الأطماع الخارجية، تجدد اليوم رسالتها بالدعوة إلى وحدة الأردنيين، وتحصين جبهتهم الداخلية، والتمسك بوطنهم وهويتهم وقرارهم المستقل.
فانطلقت مبادرة الدكتور عوض خليفات من ثابت أساسي يتمثل في قدسية الوطن الأردني، بوصفه وطناً نهائياً لجميع أبنائه من مختلف الأصول والمنابت. فالأردنيون، من شمال المملكة إلى جنوبها، ومن الأغوار إلى البادية، يشكلون أسرة وطنية واحدة تجمعها المواطنة والانتماء والمصير المشترك. وهذه الوحدة لا تلغي التنوع الاجتماعي والثقافي، وإنما تجعله مصدر قوة وإثراء للهوية الوطنية الجامعة.
أما الثابت الثاني، فهو الالتفاف حول القيادة الهاشمية التي حافظت، عبر مسيرة الدولة، على توازن الأردن واستقراره، وجسدت مرجعية وطنية جامعة في أصعب الظروف. فالوقوف خلف القيادة لا ينفصل عن الدفاع عن سيادة الدولة واستقلال قرارها، ولا سيما في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات وصراعات ومشروعات تستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية على حساب شعوبها ودولها.
وجاءت القضية الفلسطينية بوصفها الثابت الثالث والقضية المركزية الأولى للأردنيين، بصرف النظر عن مناطقهم أو أصولهم العشائرية والاجتماعية. وقد جدّد اللقاء التأكيد على أن الدولة الفلسطينية المستقلة يجب أن تقوم على التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس الشريف، مع الرفض المطلق للتوطين والتهجير والوطن البديل. فهذا الموقف ليس شعاراً سياسياً عابراً، بل يرتبط مباشرة بحماية الأردن وهويته وسيادته، وبالدفاع عن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
ولم تقتصر المبادرة على تأكيد الثوابت السياسية، بل طرحت مفهوماً متقدماً لتحصين الجبهة الداخلية، يقوم على العدل والإنصاف والمساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص وصون كرامة الإنسان. فالثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالممارسة العادلة، واحترام الكفاءة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتكريم المخلصين القادرين على خدمة الوطن.
لقد أعاد لقاء وادي موسى إبراز الدور الوطني الإيجابي للعشائر الأردنية باعتبارها ركيزة اجتماعية داعمة للدولة ومصدراً للتكافل والتواصل، لا إطاراً للانقسام أو التعصب. ومن هنا تبرز أهمية مبادرة الدكتور عوض خليفات في استعادة المعنى الأصيل للعشيرة: الانتماء إلى الوطن، والولاء للقيادة الهاشمية ونصرة الحق، وتعزيز التراحم والتضامن بين الأردنيين.
إن "المؤاخاة بين الأردنيين" ليست عنواناً للقاء واحد، بل مشروع وطني يستحق الاستمرار والانتقال إلى مختلف محافظات المملكة. ففي أوقات التحديات، يحتاج الأردن إلى خطاب يجمع ولا يفرق، وإلى إرادة وطنية تجعل من وحدة الشعب، والقيادة الهاشمية، والعدل، وكرامة الإنسان، ومركزية فلسطين، ثوابت راسخة لحماية الوطن وصناعة مستقبله.


أ.د. حسن الدعجه
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم