زهور السعودي تكتب: العزلة في زمن الاتصال

منذ 35 دقيقة
المشاهدات : 8341
زهور السعودي تكتب: العزلة في زمن الاتصال
زهور السعودي

زهور السعودي

العزلة في زمن الاتصال متى أصبحنا نحتاج إلى الإنترنت كي نتواصل مع من يبعد عنا آلاف الكيلومترات، بينما نعجز عن الحديث مع من يجلس بجانبنا؟ عائلة تجلس حول مائدة واحدة، لكن كل فرد فيها يعيش في عالم مختلف. هذا يضحك لما شاهده على هاتفه، وذاك يتابع خبرًا، وثالث يجيب على رسالة، ورابع يتنقل بين الصور والمقاطع... أجسادهم في المكان نفسه، لكن عقولهم واهتماماتهم في أماكن أخرى. المفارقة العجيبة أننا نعيش في أكثر العصور اتصالًا رقميًا عبر التاريخ، ومع ذلك نمر بأزمة حقيقية في التواصل الإنساني. فهل التكنولوجيا قرّبت البعيد فعلًا؟ أم أنها أبعدت القريب؟ المشكلة ليست في التكنولوجيا بحد ذاتها، فنحن لا نستطيع أن ننكر ما قدمته لنا من سهولة في التواصل والوصول إلى المعلومة والعمل والتعلم. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاتصال الرقمي من وسيلة تساعدنا على التواصل إلى بديل عن التواصل الحقيقي. هنا يظهر الفرق بين الكم والكيف. قد يكون لدينا مئات المتابعين، وعشرات المحادثات، وآلاف الإعجابات، لكن كم شخصًا منهم يمكن أن نجده إلى جانبنا عندما نحتاج إلى كلمة صادقة أو موقف حقيقي؟ شيئًا فشيئًا بدأت بعض العلاقات تتحول إلى علاقات سطحية؛ أصبح المتابعون أحيانًا بديلًا عن الأصدقاء، وأصبح عدد الإعجابات مقياسًا للاهتمام، وأصبح التواصل في كثير من الأحيان مجرد كلمات قصيرة ورموز تعبيرية لا تستطيع أن تنقل نبرة الصوت أو نظرة العين أو دفء المشاعر. والأخطر من ذلك أن بعض العلاقات الرقمية تبدو عميقة، لكنها عند أول أزمة تكشف هشاشتها. نحن نتحدث كثيرًا، لكن هل نتواصل فعلًا؟ هناك سبب آخر يزيد عزلتنا دون أن نشعر: المقارنة المستمرة. نفتح شاشاتنا فنرى حياة الآخرين في أجمل صورها؛ نجاحاتهم، سفرهم، مناسباتهم، بيوتهم، علاقاتهم وابتساماتهم. وننسى أن ما نراه هو جزء مختار من حياتهم، وليس حياتهم كاملة. ومع كثرة المقارنة قد يبدأ الإنسان بالشعور بأنه أقل من الآخرين، فينسحب أكثر من واقعه، ويعيش داخل شاشة تصنع له صورة غير حقيقية عن نفسه وعن الآخرين. ثم يأتي ما يعرف بـ الخوف من الفوات (FOMO)؛ ذلك القلق الدائم من أن يفوّت الإنسان خبرًا أو مناسبة أو حدثًا يجري في مكان آخر. فنجد الشخص حاضرًا بجسده مع من حوله، لكنه غائب بعقله. وهنا لا تتوقف الخسارة عند العلاقات الاجتماعية، بل تمتد إلى مهاراتنا الإنسانية نفسها. فالحديث خلف الشاشة أسهل من الحديث وجهًا لوجه. لا نرى ارتباك الطرف الآخر، ولا نقرأ لغة جسده، ولا نلتقط التغير في نبرة صوته، ولا نضطر إلى مواجهة صمته أو غضبه أو فرحه. ومع الوقت قد نفقد شيئًا من قدرتنا على إدارة الحوار الحقيقي، وهي مهارة لا نتعلمها من لوحة المفاتيح، وإنما من الإنسان أمامنا. أما داخل الأسرة، فالمشهد أكثر قسوة. قد تجلس الأسرة كلها في غرفة واحدة، وكل فرد ينظر إلى شاشة مختلفة. وهنا تظهر ظاهرة أصبحت تحتاج منا إلى التوقف عندها طويلًا: الخرس الزوجي. زوج وزوجة يعيشان في البيت نفسه، ويتشاركان تفاصيل الحياة، لكن الحوار بينهما يتناقص يومًا بعد يوم. ليس لأنهما لا يملكان ما يقولانه، وإنما لأن لكل منهما عالمًا آخر داخل هاتفه. وقد نصل إلى ما يمكن تسميته العزلة المشتركة؛ أن نكون جميعًا معًا، لكن لا أحد منا مع الآخر. وهذا ربما يكون أخطر أشكال العزلة؛ أن تفقد شعور الوحدة وأنت محاط بأفراد أسرتك. ولا يمكن أن نتحدث عن هذه الظاهرة دون أن نلتفت إلى آثارها النفسية والاجتماعية؛ فالقلق، والشعور بالإقصاء، والانغلاق، وضعف العلاقات، وتفكك الروابط الأسرية، كلها نتائج لا يمكن تجاهلها عندما يصبح العالم الافتراضي بديلًا عن العالم الحقيقي. لكن هل الحل أن نحارب التكنولوجيا؟ بالتأكيد لا. الحل أن نتعلم كيف نستخدمها دون أن تسمح لها باستخدامنا. ومن الخطوات التي يمكن أن تساعدنا ما يسمى الصيام الرقمي (Digital Detox)؛ أي تخصيص ساعات يومية أو يوم في الأسبوع بعيدًا عن الشاشات. قد يبدو تخصيص يوم كامل صعبًا في زمن أصبحت فيه الهواتف جزءًا من الدراسة والعمل والحياة اليومية، لذلك يمكن أن نبدأ بساعات محددة، وبخطوات بسيطة. لنبدأ بأطفالنا. نحن نستطيع أن نضع لهم حدودًا واضحة لأوقات الهاتف، ونربطها بالنوم والدراسة والطعام، والأهم أن نقدم لهم بدائل حقيقية بدل أن نكتفي بالمنع. لماذا لا نستعيد لَمّة العائلة؟ وجبة نتشارك في إعدادها، حديثًا يجمعنا، لعبة جماعية، رياضة، زيارة، عملًا تطوعيًا، أو حتى جلسة نستمع فيها إلى موضوع يهم الجميع. ولماذا أصبح من الصعب اتخاذ قرار بسيط مثل أن تكون مائدة الطعام مكانًا بلا هواتف؟ ربما لأننا لم نعد نقدم البديل. فالمنع وحده لا يكفي، وإنما علينا أن نجعل التواصل الحقيقي أكثر جاذبية من الشاشة. نحن لسنا ضد التكنولوجيا، ولسنا ضد التطور والرقمنة. بل نحن بحاجة إليها، ونستفيد منها كل يوم. لكننا بحاجة أيضًا إلى أن نتذكر أن التكنولوجيا وسيلة وليست حياة، وأن الهاتف مهما استطاع أن يقرب لنا العالم، فلن يستطيع أن يمنحنا حضن أم، أو نظرة أب، أو ضحكة طفل، أو جلسة صديق، أو حوارًا صادقًا مع من نحب. نحن بحاجة إلى أن نحافظ على ما تربينا عليه من عادات جميلة، وعلى دفء اللقاء، وعلى قيمة الزيارة، وعلى مائدة تجمعنا، وعلى حديث لا يحتاج إلى شاشة بيننا. فالمشكلة ليست أن العالم أصبح أكثر اتصالًا... المشكلة أن الإنسان أصبح أكثر اتصالًا بالعالم، وأقل اتصالًا بمن حوله. وربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا قبل أن نمرر أصابعنا على شاشة الهاتف: من يجلس بجانبي الآن... وهل أنا فعلًا معه؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم