درادكة يكتب: أسوةً بإلغاء الامتحان الشامل .. لماذا لا يُلغى امتحان التوجيهي؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 14145
درادكة يكتب: أسوةً بإلغاء الامتحان الشامل ..  لماذا لا يُلغى امتحان التوجيهي؟
د. صبري راضي درادكة

د. صبري راضي درادكة

في هذا العام، اتخذ مجلس التعليم العالي قراراً بإلغاء امتحان الشهادة الجامعية المتوسطة المعروف بـ«الامتحان الشامل»، والاتجاه نحو اعتماد المعدل التراكمي للطالب بدلاً من إخضاع طلبة الدبلوم لامتحان وطني شامل في نهاية رحلتهم الدراسية.
وهنا يبرز سؤال مشروع، وربما آن الأوان لطرحه بجرأة: إذا كان المعدل التراكمي لطالب الدبلوم أصبح كافياً للحكم على مستواه، فلماذا لا يُعاد النظر أيضاً في فلسفة امتحان الثانوية العامة «التوجيهي»؟
إن المقارنة بين التجربتين تستحق التوقف عندها. فامتحان التوجيهي الأردني بدأ عام 1962، أي أن فلسفة الامتحان الوطني النهائي ظلت حاضرة في النظام التعليمي الأردني لأكثر من ستة عقود. أما امتحان الشامل، فقد جاء مع تطور دور المعلمين والمعاهد التي تحولت لاحقاً إلى كليات مجتمع، وأُقر في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وبدأ تطبيقه فعلياً في العام الدراسي 1982/1983.
وقد جاء الامتحان الشامل في حينه لتحقيق هدف واضح، يتمثل في توحيد معايير تقييم خريجي كليات المجتمع المختلفة وضمان حد أدنى من الكفاءة والمستوى العلمي، خصوصاً في ظل اختلاف المؤسسات التعليمية وتعدد برامجها.
وظل هذا الامتحان قائماً لعقود طويلة، إلى أن قررت الدولة في هذا العام إلغاءه.
وهنا لا بد من التوقف أمام المفارقة. طالب الدبلوم يدرس سنتين، ويخضع خلالهما لعشرات الامتحانات والاختبارات والتقييمات، ثم كان يُطلب منه في النهاية أن يدخل امتحاناً وطنياً شاملاً لتحديد مستواه. وبعد عقود من العمل بهذا النظام، توصلت الدولة إلى أن المعدل التراكمي، الناتج عن مسيرة الطالب الدراسية، يمكن أن يكون أساساً لتقييمه.
أما طالب المدرسة، فإنه يقضي اثني عشر عاماً في العملية التعليمية، ويخضع خلالها لمئات الاختبارات والتقييمات والامتحانات، ثم عندما يصل إلى نهاية رحلته التعليمية نقول له عملياً إن كل تلك السنوات لا تكفي، وإن مستقبلك الجامعي قد يتحدد في امتحانات محدودة خلال أيام معدودة.
فإذا كانت فلسفة الامتحان الواحد المصيري أصبحت قابلة للمراجعة في التعليم الجامعي المتوسط، فلماذا تصبح غير قابلة للمراجعة في التعليم المدرسي؟
إن السؤال هنا لا يعني الدعوة إلى إلغاء التقييم أو التخلي عن المعايير الوطنية الموحدة، فذلك سيكون خطأً كبيراً، خصوصاً في ظل التفاوت بين المدارس في مستويات التدريس وآليات منح العلامات.
لكن البديل لا يجب أن يكون استمرار الطالب رهينة لامتحان واحد. ولعل تجربة فنزويلا تقدم نموذجاً يستحق التوقف عنده عند الحديث عن بدائل الامتحانات المصيرية.
ففي نظام القبول الجامعي الفنزويلي، لا يُختزل مستقبل الطالب في امتحان نهائي واحد، وإنما يدخل المسار الأكاديمي للطالب خلال أربع سنوات من المرحلة الثانوية ضمن أسس احتساب مؤشر القبول الجامعي. وتبدأ هذه العملية من السنة الأولى الثانوية وتستمر حتى السنة الرابعة الثانوية، حيث تشكل علامات الطالب خلال هذه السنوات الأربع 50% من المؤشر الأكاديمي المعتمد للقبول.
ولا يعتمد النظام على العلامات وحدها، بل يضيف إليها عناصر أخرى، منها الظروف الاجتماعية والاقتصادية للطالب، والموقع الجغرافي، والمشاركة في الأنشطة المجتمعية.
وهنا تكمن أهمية التجربة، ليس بالضرورة لأن علينا نسخها كما هي، بل لأنها تقدم فلسفة مختلفة تماماً عن فلسفة الامتحان الواحد. فالطالب ليس نتيجة بضعة أيام امتحانية، بل هو حصيلة مسيرة أكاديمية تمتد لأربع سنوات.
وهذا يقودنا إلى سؤال مهم في الأردن: لماذا لا نبدأ نحن أيضاً بالتفكير في نظام تقييم تراكمي يبدأ من مرحلة دراسية متقدمة، كالصف العاشر مثلاً، بحيث تصبح سنوات المرحلة الثانوية جزءاً حقيقياً من تقييم الطالب، بدلاً من أن تصبح مجرد سنوات تحضيرية لامتحان واحد؟
بالطبع، لا يمكن الاعتماد على علامات المدارس وحدها في الأردن، لأن التفاوت بين المدارس في منح العلامات قد يخلق ظلماً كبيراً، ولذلك فإن أي نظام بديل يجب أن يحافظ على وجود اختبارات وطنية معيارية مركزية تضمن العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلبة.
لكن يمكن أن يكون البديل نظاماً مركباً يجمع بين الأداء التراكمي للطالب خلال المرحلة الثانوية، واختبارات وطنية معيارية موزعة على أكثر من سنة، واختبارات قدرات للتخصصات الجامعية ذات الطبيعة الخاصة.
فليس من المنطقي أن نعامل طالب الطب وطالب الهندسة وطالب الفنون بالطريقة نفسها، وأن نعتقد أن امتحاناً موحداً، مهما اختلفت مواده، قادر وحده على قياس جميع القدرات المطلوبة لمستقبل الطالب.
والأهم من ذلك أن الانتقال من فلسفة الامتحان الواحد إلى فلسفة التقييم التراكمي لن يغيّر فقط طريقة احتساب العلامات، بل سيعيد الاعتبار إلى المدرسة نفسها بوصفها المكان الحقيقي للتعليم.
ففي ظل هيمنة امتحان التوجيهي بصورته التقليدية، تحولت سنوات المدرسة الثانوية في كثير من الأحيان إلى مجرد محطة انتظار للامتحان النهائي، وأصبح الطالب يسأل عن الدرس الذي «يأتي في الامتحان»، ويلجأ بعض الطلبة إلى الغياب عن المدرسة والاعتماد بصورة شبه كاملة على الدروس الخصوصية والمراكز التعليمية.
أما عندما تصبح علامة الطالب في المدرسة جزءاً حقيقياً من مستقبله الجامعي، فإن المدرسة ستستعيد قيمتها، وسيعود الطالب إلى مقعده الدراسي لأنه يدرك أن حضوره ومشاركته وأداءه المستمر جزء من تقييمه النهائي، وليس مجرد وقت يمكن تعويضه قبل الامتحان بأيام.
وسيستعيد المعلم كذلك مكانته الحقيقية في العملية التعليمية، فلا يكون دوره مجرد شارح لمنهج ينتهي أثره عند باب قاعة الامتحان، بل يصبح شريكاً أساسياً في بناء المسيرة الأكاديمية للطالب وتقييم تقدمه على مدى سنوات.
ومن شأن هذا النظام أيضاً أن يسهم في الحد من ظاهرة الغياب والتسرب المدرسي، لأن الطالب لن يستطيع الانفصال عن المدرسة طوال العام ثم العودة في نهاية الطريق ليعتمد على امتحان واحد فقط.
كما أن الأسرة ستعود لتكون طرفاً حقيقياً في العملية التعليمية، إذ سيصبح لزاماً على ولي الأمر متابعة مستوى ابنه بصورة مستمرة، بدلاً من انتظار سنة التوجيهي وما يصاحبها من حالة طوارئ وقلق وضغط نفسي داخل الأسرة.
إننا بحاجة إلى نظام يجعل التعليم رحلة مستمرة، لا سباقاً قصيراً في نهاية اثني عشر عاماً.
نحن بحاجة إلى مدرسة لها قيمة، ومعلم له دور حقيقي، وأسرة تتابع باستمرار، وطالب يدرك أن مستقبله يُبنى يوماً بعد يوم، لا في بضعة أيام امتحانية.
إن العالم اليوم يعيد النظر في فلسفة «الامتحان الواحد الذي يقرر المصير»، لأن تقييم الإنسان لا يمكن اختزاله في ورقة امتحان واحدة، ولا في بضعة أيام قد يتعرض خلالها لظروف نفسية أو صحية أو اجتماعية تؤثر على أدائه.
والأردن نفسه اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة التفكير. لقد ألغينا الامتحان الشامل بعد عقود طويلة، ليس لأننا ألغينا فكرة التقييم، وإنما لأن فلسفة التقييم نفسها أصبحت بحاجة إلى التطوير والمراجعة.
فإذا كان طالب الدبلوم، الذي أمضى عامين في الدراسة، أصبح معدله التراكمي وتقييمه المستمر كافيين للحكم على مستواه، فكيف نقبل أن يبقى طالب أمضى اثني عشر عاماً في التعليم رهينة امتحان نهائي؟
لسنا بحاجة إلى إلغاء التقييم، بل إلى إلغاء فكرة أن مستقبل الإنسان كله يجب أن يتوقف على امتحان واحد.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كيف نجعل التوجيهي أسهل؟ ولا كيف نجعل أسئلته أصعب أو أكثر تعقيداً؟ بل السؤال الأهم:
إذا كانت الحكومة امتلكت الجرأة لإلغاء الامتحان الشامل، فلماذا لا تمتلك الجرأة ذاتها لإعادة النظر في امتحان التوجيهي؟
فربما لم يعد السؤال الحقيقي هو: هل نلغي التوجيهي؟
بل: هل نملك الشجاعة للانتقال من فلسفة «امتحان يحدد المصير» إلى فلسفة «مسيرة تعليمية تقيس الطالب»؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم