الخوالدة يكتب: صحة المرأة بين أدوار الحياة .. ماذا يقول علم النفس السريري؟

منذ 22 ساعة
المشاهدات : 10511
 الخوالدة يكتب: صحة المرأة بين أدوار الحياة ..  ماذا يقول علم النفس السريري؟
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

تحية لكل النساء في معترك الحياة؛ مربياتٍ في البيوت، وعاملاتٍ في أعمال منتظمة أو غير منتظمة، وطبيباتٍ ومعلماتٍ وأكاديمياتٍ وباحثات، وإلى اللواتي دخلن أرقام ومؤشرات الجندر، وإلى أخريات لم تدخل أسماؤهن جدولًا ولا تصنيفًا لكنهن يصنعن أثرًا كل يوم، وإلى من يبدأن الطريق أو يسعين فيه على بركة الله. فالمرأة أوسع من رقم، والعطاء أكبر من مؤشر، وما لا تلتقطه الجداول قد تراه الأسرة والمؤسسة والمجتمع في حياة الناس.
ويتناول الإعلام بين الحين والآخر أنباء رحيل نساء ورجال في عمر العطاء؛ طبيب هنا، وأستاذ جامعي هناك، وإنسان أنهى يوم عمله ولم يكمل بقية الحكاية. وليس من العلم ولا من الأخلاق أن نحول خبر الوفاة إلى تشخيص، أو ننسبه إلى ضغط العمل دون دليل طبي؛ فالأعمار بيد الله، ولكل أجل كتاب. لكن مثل هذه الأخبار تفتح سؤالًا مشروعًا: هل نستثمر في صحة الإنسان بالقدر الذي نستثمر فيه في إنتاجيته؟
ويكتسب السؤال أهمية خاصة عند الحديث عن المرأة. فقد قطعت مجتمعاتنا، والأردن بينها، خطوات مهمة في تعليم المرأة وتمكينها وتوسيع حضورها في العمل والقيادة، وهي مكتسبات وطنية ينبغي البناء عليها. لكن بعد سؤال: كم امرأة وصلت؟ ينبغي أن يأتي سؤال أكثر نضجًا: بأي صحة وجودة حياة تستمر المرأة التي وصلت؟ فالتمكين الحقيقي لا يفتح الباب فحسب؛ بل يصنع البيئة التي تسمح للإنسان بالاستمرار والعطاء خلف ذلك الباب.
وهنا يقدم علم النفس القلبي (Psychocardiology) بعدًا نفسيًا وصحيًا وسريريًا يستحق مساحة أكبر في النقاش حول صحة المرأة. فهو مجال بيني يدرس العلاقة ثنائية الاتجاه بين العوامل النفسية والسلوكية والاجتماعية وصحة القلب والأوعية الدموية: كيف تتداخل الضغوط المزمنة والاكتئاب والقلق والنوم والسلوك الصحي مع الخطر القلبي، وكيف ينعكس المرض القلبي بدوره على الصحة النفسية وجودة الحياة. إنه، ببساطة، مجال يضع النفس والقلب في الصورة السريرية نفسها.
فالضغط النفسي لا يبقى حبيس الأفكار والمشاعر؛ إذ ترافقه استجابات في الجهاز العصبي الذاتي ومحور الوطاء–النخامى–الكظر، وتتداخل معها مسارات هرمونية والتهابية واستقلابية ووعائية. ومع استمرار الضغط قد تتراكم كلفته الفسيولوجية فيما يعرف بـالحِمل الألوستاتي (Allostatic Load)؛ أي الكلفة البيولوجية المتراكمة لمحاولات الجسم المتكررة للتكيف.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة لدى بعض فئات النساء. ففي دراسة سريرية شملت 686 مريضًا بمرض الشريان التاجي المستقر، ظهر نقص تروية عضلة القلب المحرَّض بالإجهاد النفسي لدى النساء في سن الخمسين أو أقل بنسبة تقارب 33% مقابل 8% لدى الرجال من العمر نفسه. كما أظهرت دراسات على مرضى أصغر سنًا بعد احتشاء القلب اتجاهات مشابهة تستحق الاهتمام في العلاقة بين الجنس والعمر والاستجابة القلبية للإجهاد النفسي.
لكن العلم الجيد لا يكتفي بالرقم؛ بل يسأل عن حدوده أيضًا. فهذه النتائج لا تعني أن المرأة أكثر هشاشة نفسيًا من الرجل، ولا يجوز تعميمها على جميع النساء؛ إذ جاءت بعض أقوى الأدلة من مرضى لديهم أصلًا مرض قلبي، وبرزت خصوصًا لدى الفئات الأصغر سنًا. والأدق أن نقول إن الأدلة تشير إلى اختلافات مرتبطة بالجنس والعمر في بعض مسارات التفاعل بين الضغط النفسي والقلب، تستحق مزيدًا من البحث والوقاية بعيدًا عن التنميط.
ومن هنا تتسع النظرة الصحية؛ فلا يقتصر السؤال على ضغط الدم والسكر والكوليسترول، بل يمتد إلى جودة النوم، والضغط المزمن، وأعراض الاكتئاب والقلق، والسلوك الصحي والبيئة المهنية والاجتماعية. فالإنسان وحدة متكاملة، ولا ينبغي أن نفصل العضو عن النفس، ولا الفرد عن البيئة التي يعمل ويعيش فيها.
وتزداد أهمية ذلك مع تعدد أدوار المرأة؛ فقد ينتهي دوامها لتبدأ مسؤوليات الأسرة والرعاية. وتشير تقديرات دولية مرجعية إلى أن النساء يقمن بنحو ثلاثة أرباع أعمال الرعاية غير المدفوعة عالميًا، مع اختلاف النسب بين المجتمعات، فيما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن النساء يشكلن نحو 67% من القوى العاملة العالمية في الصحة والرعاية. وهنا مفارقة تستحق التأمل: المرأة التي تشارك في رعاية صحة المجتمع تحتاج هي أيضًا إلى منظومة تستثمر في صحتها.
وثمة بُعد نفسي حديث لا ينبغي إغفاله، هو الاستهلاك الرقمي. فالتسوق لم يعد يحتاج إلى سوق أو وقت أو حتى مغادرة المنزل؛ فالهاتف يجمع المتجر والإعلان والمؤثر ووسيلة الدفع في شاشة واحدة. وتشير الأدبيات إلى ارتباط صغر السن وكون الفرد أنثى بارتفاع الميل إلى الشراء القهري في بعض الدراسات، كما قد يرتبط السلوك بالضيق النفسي وصورة الجسد ومحاولات تنظيم المشاعر. لكن الأمانة العلمية تمنع وصفه بأنه مشكلة نسائية؛ فدراسات أحدث وجدت تشابهًا كبيرًا بين الرجال والنساء في العبء السريري للشراء القهري، مع اختلافات أوضح في أنماط المشتريات. وهنا يلتقي التمكين النفسي بالتمكين الاقتصادي: فليس المطلوب تحسين الدخل فقط، بل تعزيز الوعي النفسي والمالي الذي يحميه من الاستهلاك الاندفاعي، ويقطع ما قد يصبح لدى بعض الأفراد دائرة من الضغط، فالشراء، فالراحة المؤقتة، ثم الندم.
وثمة مفارقة أخرى داخل خطاب التمكين نفسه؛ فقد تصبح بعض المدافعات عن قضايا المرأة أسيرات، وربما ضحايا، لمنطق المؤشرات حين يتحول المؤشر من وسيلة للقياس إلى غاية. فزيادة حضور النساء في التعليم والعمل والقيادة إنجاز مهم، ومؤشرات الجندر أدوات ضرورية لقياس التقدم، لكنها لا تغني عن سؤال الصحة وجودة التجربة والاستمرار. المؤشر يخبرنا بمن وصل، أما الأثر فيخبرنا ماذا حدث بعد الوصول.
وينطبق الأمر على جامعاتنا أيضًا. فالتقدم في التصنيفات الدولية طموح مشروع يعزز السمعة والتنافسية، لكن الجامعة الأقوى هي التي تجعل التصنيف نتيجة للجودة، لا الجودة نتيجة لملاحقة التصنيف. فلا يكفي أن نسأل عن موقع الجامعة في الجدول؛ بل ماذا صنعت في طالبها وباحثها وأستاذها؟ وكيف حافظت على كفاءاتها؟ وما الأثر الذي تركته في مجتمعها؟ فالتصنيف أداة لقياس الجودة، وليس بديلًا عنها.
وهنا نصل إلى رأس المال البشري. فالطبيبة والأستاذة والباحثة والمعلمة والمهندسة ليست رقمًا وظيفيًا؛ بل سنوات من التعليم والتدريب والخبرة استثمرت فيها الأسرة والمؤسسة والوطن. ولذلك فإن الصحة النفسية والجسدية، وبيئة العمل الصحية، ووقت التعافي، وفرص الاستمرار، ليست رفاهًا مؤسسيًا، وإنما استثمار في كفاءة بُنيت عبر سنوات.
ومن هنا يستطيع علم النفس السريري وعلم النفس القلبي الانتقال من العيادة إلى طاولة السياسات المؤسسية؛ عبر برامج وقائية تجمع تقييم الضغط والنوم والصحة النفسية والسلوك الصحي مع الوقاية القلبية، وتحسين إدارة المناوبات في المهن عالية الإجهاد، وتوفير مسارات للدعم النفسي، ومرونة مهنية حيث تسمح طبيعة العمل.
ولا نحتاج إلى شعارات كبيرة لاختبار الفكرة. يمكن البدء بـبرامج نموذجية (Pilot Programs) في الجامعات والمستشفيات والقطاعات عالية الإجهاد، وقياس الإنهاك والنوم والصحة النفسية والغياب والرضا الوظيفي والاحتفاظ بالكفاءات، إلى جانب المؤشرات الصحية المناسبة، قبل التدخل وبعده. فما يثبت نجاحه نتوسع فيه، وما لا ينجح نراجعه؛ فالسياسة المؤسسية الرشيدة تبدأ بالدليل، وتُختبر بالقياس، وتستمر بالنتيجة.
وحين تجمع الجامعة الطب وعلم النفس والصحة العامة والإدارة حول مشروع كهذا، فإنها لا تحافظ على صحة العاملين فيها فحسب؛ بل تصنع معرفة قابلة للبحث والنشر والتطبيق، وتجمع بين التعليم والبحث وخدمة المجتمع. وهنا تصبح الجامعة شريكًا في صناعة الحلول، ويصبح الاستثمار في صحة المرأة جزءًا من الاستثمار في رأس المال البشري والتنمية المستدامة.
إن المرحلة التالية من تمكين المرأة هي الانتقال من الوصول إلى استدامة الوصول، ومن المؤشر إلى الإنسان. وهذا لا ينتقص من المرأة باعتبارها الحلقة الأضعف؛ فالتمكين في الحقوق والفرص لا يعني إنكار الاختلافات البيولوجية والنفسية والاجتماعية حين يثبتها العلم، وإنما توظيف المعرفة لبناء فرص أكثر عدالة واستدامة للجميع.
والأعمار بيد الله، أما الأخذ بالأسباب فمن حسن التدبير، وقد جعل الإسلام حفظ النفس مقصدًا عظيمًا. وفي قول النبي ﷺ «رفقًا بالقوارير» مساحة إنسانية رحبة يمكن أن يلتقي فيها تراثنا مع العلم الحديث؛ أن نقرأ نفس المرأة وقلبها معًا، وأن نحمي صحتها وقرارها الاقتصادي وجودة حياتها، وأن نجعل تمكينها استثمارًا لا في وصولها فقط، بل في قدرتها على الاستمرار.
فالمرأة ليست رقمًا في مؤشرات التمكين، والجامعة ليست رقمًا في جدول التصنيف، والإنسان ليس رقمًا في معادلة التنمية. وحين يكون الإنسان هو الغاية، تصبح المؤشرات وسيلة، ويصبح التحديث أثرًا يُرى في حياة الناس.
د. زيد إحسان الخوالدة | علم النفس السريري
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم