د. هيثم علي حجازي يكتب: اقتصاديات التعليم: حين يصبح اختيار التخصص الجامعي قراراً استثمارياً لا مجرد رغبة

منذ 44 دقيقة
المشاهدات : 15641
د. هيثم علي حجازي يكتب: اقتصاديات التعليم: حين يصبح اختيار التخصص الجامعي قراراً استثمارياً لا مجرد رغبة
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

مع إعلان نتائج الثانوية العامة كل عام، تبدأ في آلاف البيوت مرحلة لا تقل صعوبة عن مرحلة الامتحان نفسها: ماذا سيدرس الابن أو الابنة في الجامعة؟ وسرعان ما تتولد قائمة طويلة من الأسئلة: هل المعدل يسمح بدراسة الطب أو الهندسة؟ ما الجامعة الأفضل؟ ما التخصص الأكثر وجاهة؟ ماذا درس أبناء الأقارب والأصدقاء؟ وما التخصص الذي يحمل اسما جديدا وجذابا؟. لكن سؤالا أساسيا كثيرا ما يغيب عن النقاش، رغم أنه ربما يكون الأهم: "ما القيمة الاقتصادية للتعليم الذي سنستثمر فيه السنوات الأربع أو الخمس المقبلة؟".
هنا ندخل إلى مفهوم مهم لا يزال حضوره محدودا في ثقافتنا التعليمية، وهو "اقتصاديات التعليم" أي النظر إلى التعليم ليس فقط باعتباره حقا اجتماعيا وطريقا إلى المعرفة والثقافة، وإنما أيضا باعتباره استثمارا في رأس المال البشري له كلفة وله عائد، وله مخاطر، وقد ينجح في تحسين حياة صاحبه وقد يفشل في تحقيق العائد المتوقع منه إذا أسيء اختيار مساره.
إنّ ذلك لا يعني اختزال الجامعة في وظيفة أو راتب، أو تحويل الطالب إلى آلة لحساب الربح والخسارة. فالتعليم أوسع من ذلك بكثير، وله أبعاد ثقافية وإنسانية واجتماعية لا يمكن قياسها بالدينار. لكن الخطأ المقابل هو تجاهل البعد الاقتصادي تماما، وأن تنفق الأسرة آلاف الدنانير، ويقضي الطالب أفضل سنوات شبابه في دراسة تخصص ما، ثم نكتشف بعد التخرج أن فرص العمل فيه محدودة للغاية، أو أن سوق العمل لا يحتاج إلى الأعداد الكبيرة التي تخرّجها الجامعات من ذلك التخصص.
من منظور اقتصادي، عندما تقرر أسرة أنْ يدرس ابنها أو ابنتها أربع سنوات في الجامعة، فإنها تتخذ قرارا استثماريا مهما. فالطالب يدفع رسوما جامعية، ويتحمل نفقات الكتب والمواصلات والسكن والطعام واستخدام التكنولوجيا وغيرها، إضافة إلى ما يمكن أن يسمى "الكلفة غير المباشرة أو كلفة الفرصة البديلة"وهي الدخل الذي كان من الممكن أن يحصل عليه الطالب لو دخل سوق العمل، أو استثمر نفقات الدراسة في مشروع بدلا من قضاء سنوات في الدراسة.
تعرّف الأدبيات الاقتصادية الحديثة عائد التعليم من خلال مقارنة ما يتحمله الفرد من تكاليف مباشرة ودخل مفقود أثناء الدراسة بما يمكن أن يحصل عليه لاحقا من زيادة في الدخل وفرص العمل خلال حياته المهنية. وتستخدم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مفاهيم مثل صافي العائد المالي للتعليم، ومعدل العائد الداخلي، ونسبة المنافع إلى التكاليف عند تقييم الاستثمار في المستويات المختلفة من التعليم.
من هنا، فإن السؤال الاقتصادي الصحيح ليس فقط: " كم تبلغ رسوم الساعة في هذا التخصص؟" وإنما: "ما الذي سيحصل الطالب عليه مقابل مجموع ما ستدفعه الأسرة وما سيستثمره هو من سنوات عمره؟". فقد يكون برنامج جامعي منخفض الرسوم أكثر كلفة في النهاية إذا قاد خريجه إلى سنوات طويلة من البطالة، بينما قد يكون برنامج آخر أعلى كلفة لكنه يمنح صاحبه مهارات مطلوبة وفرصاً أسرع للعمل ودخلاً أفضل وإمكانات أكبر للتطور المهني. ولهذا فإن كلفة التعليم الحقيقية لا تقاس بما ندفعه للجامعة فقط، وإنما بما يمكن أن نسميه "العائد من التعليم" خلال سنوات العمر الفعال.
من الأخطاء التي ترسخت لعقود الاعتقاد بأن الحصول على شهادة جامعية يعني تلقائيا الانتقال إلى وظيفة مستقرة، وأن المشكلة الوحيدة هي الوصول إلى الجامعة والحصول على الشهادة. وقد كان هذا التصور أقرب إلى الواقع في مراحل سابقة عندما كان عدد الجامعات والخريجين أقل، وحينما كان القطاع العام يتوسع ويستوعب أعدادا أكبر من حملة المؤهلات الجامعية. لكن المعادلة تغيرت الآن؛ فقد توسع التعليم العالي بصورة كبيرة، وأصبحت الشهادة الجامعية أكثر انتشارا، بينما لم تنمُ الوظائف النوعية بالنسبة نفسها. وفي الأردن تحديدا، لا يمكن مناقشة اقتصاديات التعليم بمعزل عن واقع سوق العمل، ومعدل البطالة.
لا تكمن المشكلة في التعليم بحد ذاته، بل في الافتراض أن أي تعليم جامعي، وأي تخصص، وفي أي جامعة، سيؤدي إلى النتيجة الاقتصادية نفسها. لكن الواقع مختلف تماما، فهناك تخصصات ترتفع فيها احتمالات التشغيل، وأخرى يتخرج منها سنويا أضعاف ما يستطيع السوق استيعابه؛ وهناك برامج تمنح الطالب مهارات عملية واضحة، وأخرى يبقى فيها الجانب النظري طاغيا؛ وهناك تخصصات تفتح أمام الخريج أسواقا محلية وإقليمية ودولية، وأخرى ترتبط بسوق ضيق للغاية. ولهذا أصبح السؤال اليوم ليس فقط "هل أحصل على شهادة جامعية؟" وإنما: " أي شهادة؟ ومن أين؟ وبأي مهارات ؟ ولأي سوق عمل؟".
إحدى القضايا المركزية في اقتصاديات التعليم هي ما يعرف بـ "عدم المواءمة بين المؤهلات والوظائف". فقد يحصل الفرد على درجة جامعية، لكنه يعمل في وظيفة لا تحتاج إلى تخصصه، أو لا تستفيد من المهارات التي درسها، أو تتطلب مستوى تأهيل مختلفا. وهنا تظهر الخسارة الاقتصادية بصورة أكثر وضوحا. فعندما يدرس شخص أربع سنوات تخصصا معينا ثم يعمل في مجال مختلف كليا لا يحتاج فيه إلى ما درسه، لا تكون المشكلة فردية فقط؛ بل هناك موارد أنفقتها الأسرة والدولة والجامعة، ووقت وجهد استثمرهما الطالب، لم تحقق العائد الممكن منها. لذلك فإن القضية ليست في أن يكون لدينا عدد كبير من الجامعيين، وإنما في أن تكون لدينا قوة بشرية متعلمة متسلحة بالمعارف والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد.
كثير من الطلبة ينظرون إلى التخصص باعتباره قراراً يتعلق بالسنوات الأربع المقبلة فقط، بينما هو في الحقيقة قرار قد يمتد أثره أربعين عاماً (أي سنوات العمر الفعال منذ التخرج والالتحاق بالوظيفة). فالطالب الذي يدخل الجامعة في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة قد يبقى في سوق العمل حتى الستين أو أكثر. لذلك فإن الفرق بين تخصص يتيح مساراً مهنياً متطوراً وآخر ذي فرص محدودة لا يقاس بالراتب الأول بعد التخرج، وإنما بالدخل التراكمي، وفرص الترقية والتطور، والعمل في بيئة دولية، وريادة الأعمال على مدى عقود. ومن هنا فإن الفارق الاقتصادي بين قرار تعليمي جيد وآخر ضعيف يمكن، خلال الحياة المهنية للفرد، أن يكون أكبر بكثير من مجموع الرسوم التي دفعتها الأسرة للجامعة. وهذا هو جوهر التفكير الاقتصادي في التعليم: "لا تنظر فقط إلى تكلفة الدراسة اليوم، بل أنظر إلى النتائج المحتملة لهذا الاستثمار بعد عشر سنوات وعشرين وثلاثين سنة".
واقتصاديات التعليم لا تعني أن نبحث كل عام عن قائمة بعنوان "أفضل عشرة تخصصات" ثم ندفع جميع أبنائنا إليها. فهذا التفكير قد يعيد إنتاج المشكلة نفسها. فإذا قيل اليوم إن تخصصاً معيناً مطلوب، واتجه إليه عشرات الآلاف، فقد يصبح بعد سنوات قليلة مشبعاً. وبالتالي، فإن اقتصاديات التعليم لا تعتمد على قراءة الحاضر فقط، وإنما على "استشراف المستقبل". فالطالب الذي يبدأ دراسته الجامعية في عام 2026 لن يدخل سوق العمل بصورة كاملة إلا في عام 2030 تقريباً، وربما يعمل حتى ستينيات هذا القرن. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس: "ما الوظائف المطلوبة اليوم فقط؟" بل: "ما المهارات والقطاعات التي يتوقع أن تنمو خلال العقود المقبلة؟".
تبعا لذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: "لماذا يختار بعض الطلبة تخصصات لا يحتاجها السوق؟". هناك عوامل اجتماعية وثقافية عديدة تتحكم في اختيار التخصص أكثر مما تتحكم فيه الحسابات الاقتصادية. ومن هذه العوامل: (1) ثقافة المكانة الاجتماعية؛ إذ ما زالت بعض الأسر تنظر إلى مجموعة محدودة من التخصصات باعتبارها أعلى مكانة من غيرها، بصرف النظر عن تغير سوق العمل (2) سلطة معدل الثانوية العامة؛ إذ يتعامل بعض الطلبة مع المعدل وكأنه أمر يصدر إليهم بالتخصص الذي يجب أن يدرسوه. فإذا كان المعدل مرتفعاً شعر الطالب بأنه "يجب" أن يدخل تخصصاً معيناً حتى لو لم يكن راغباً فيه أو مناسباً لقدراته (3) التقليد الاجتماعي؛ ابن فلان درس التخصص الفلاني ونجح، وبالتالي يجب أن يدرسه ابني. لكن يجب أنْ ندرك ظروف الأسواق تتغير، وما نجح قبل خمسة عشر عاماً قد لا يكون الخيار الأفضل اليوم (4) الاعتقاد بأن الوظيفة الحكومية هي الوجهة الطبيعية للخريج. وهذه ثقافة تحتاج إلى مراجعة جوهرية؛ فالاقتصاد الحديث يتطلب توجيه التفكير نحو القطاع الخاص، والعمل الحر، وريادة الأعمال، والعمل عن بعد، والأسواق الإقليمية والدولية، لا انتظار شاغر حكومي قد لا يأتي (5) بعض الأسر تنفق وقتاً طويلاً في المقارنة بين الجامعات والرسوم والسكن، لكنها لا تخصص وقتاً كافياً لدراسة السوق الذي سيواجهه الطالب بعد التخرج.
لا شك في أن لأولياء الأمور دور أساسي في توجيه أبنائهم، فهم غالباً مَن يتحمل الكلفة المالية، ولديهم خبرة أوسع بالحياة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التوجيه إلى فرض. فقد يرغب الأب في أنْ يصبح ابنه طبيباً لأنه كان يتمنى دراسة الطب، أو تريد الأم لابنتها تخصصاً معيناً لأنه يحظى بمكانة اجتماعية، بينما لا يمتلك الطالب الميول أو القدرات المطلوبة له. لكن مِن منظور اقتصاديات التعليم، هذه مخاطرة كبيرة. فالنجاح الاقتصادي في أي تخصص لا يعتمد على الطلب في السوق وحده، وإنما على التفاعل بين قدرات الطالب والتخصص والسوق. فتخصص مطلوب جداً لا يحبه الطالب ولا يمتلك استعداداً له قد يكون استثماراً سيئاً، مثلما أنّ الشغف وحده بتخصص شديد التشبع قد يحمل مخاطرة اقتصادية مرتفعة. والقرار الأكثر عقلانية يقع في المنطقة التي تلتقي فيها ثلاثة أسئلة: (1) ماذا أحب (2) ما الذي أستطيع أن أتميز فيه (3) ماذايحتاج السوق. وعندما يلتقي الشغف بالقدرة مع الفرصة الاقتصادية، ترتفع احتمالات النجاح بصورة كبيرة.
أحد أكبر التحولات في سوق العمل الحديث أنّ قيمة الخريج لم تعد تتحدد باسم تخصصه وحده. فقد يتخرج طالبان مِن التخصص نفسه ومِن الجامعة نفسها، لكن القيمة السوقية لكل منهما تكون مختلفة جذرياً. الأول يحمل الشهادة فقط. والثاني يحمل معها لغة أجنبية قوية، وقدرة على استخدام التطبيقات الرقمية، ومهارات في تحليل البيانات، وخبرة تدريبية، وقدرة على التواصل والعمل ضمن الفريق، وحل المشكلات، وإعداد التقارير والعروض، وربما شهادة مهنية متخصصة. على الورق الاثنان يحملان الدرجة العلمية نفسها، لكن في سوق العمل هما ليسا المنتَج نفسه. وهنا تظهر فكرة مهمة في اقتصاديات التعليم هي أنّ العائد لا يأتي مِن الشهادة وحدها، وإنما مِن حزمة رأس المال البشري التي يبنيها الطالب حولها. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي للطالب أنْ يطرحه على نفسه منذ السنة الأولى ليس: "ماذا سأفعل عندما أتخرج؟" بل: "كيف سأجعل نفسي مختلفاً عن آلاف الخريجين الذين سيحملون الشهادة نفسها؟".
ربما تكون إحدى أكبر المشكلات الثقافية في مجتمعاتنا هي الاعتقاد بأن المسار الجامعي الأكاديمي أعلى قيمة بالضرورة من المسار التقني أو المهني. لكن اقتصاديات التعليم تقول شيئاً مختلفاً: القيمة الاقتصادية لا يحددها اسم الدرجة، وإنما حجم الطلب على المهارة مقارنة بحجم المعروض منها. فقد يحمل شخص درجة بكالوريوس في تخصص يعاني فائضاً كبيراً مِن الخريجين، بينما يحمل آخر دبلوماً تقنياً في مهنة نادرة ومطلوبة، فيحصل الثاني على فرصة عمل أسرع ودخل أفضل. ولهذا فإنّ إعادة الاعتبار للتعليم التقني والمهني ليست قضية تربوية فقط، بل هي ضرورة اقتصادية. وقد أكد البنك الدولي في برامجه الحديثة المتعلقة بالأردن أهمية تحسين الوصول إلى التعليم والتدريب التقني والمهني المرتبط باحتياجات سوق العمل، باعتبار ذلك جزءاً من تطوير كفاءة منظومة التعليم والمهارات. وعليه، فإن السؤال الصحيح هنا ليس: "هل ابني سيدخل الجامعة؟" وإنما: "ما المسار التعليمي الذي سيمنحه أفضل فرصة لبناء حياة مهنية منتِجة تتفق مع قدراته؟".
ومع ذلك، يجب الحذر مِن اختزال اقتصاديات التعليم في السؤال عن راتب الخريج الجديد. فبعض التخصصات تبدأ بدخل متواضع لكن منحنى الدخل فيها يرتفع بسرعة مع اكتساب الخبرة. وبعضها يعطي دخلاً أولياً جيداً لكنه يصل إلى سقف مهني سريع. وهناك تخصصات تمنح صاحبها فرصاً واسعة لريادة الأعمال أو العمل الدولي، وهي عوائد يصعب قياسها بالراتب الأول. ولذلك يجب التفكير فيما يمكن تسميته "القيمة المهنية طويلة الأمد للتخصص": (1) هل يسمح بالتطور؟ (2) هل يمكن دمجه مع تخصص آخر؟ (3) هل يمكن إضافة شهادات مهنية إليه؟ (4) هل يستطيع صاحبه الانتقال مِن وظيفة إلى أخرى؟ (5) هل يمكن استخدام مهاراته في أسواق مختلفة؟. وكلما ازدادت مرونة المؤهل، قلت مخاطره الاقتصادية.
ثمة عامل جديد يجعل التفكير في اقتصاديات التعليم أكثر إلحاحاً وهو الذكاء الاصطناعي؛ إذ لم يعد السؤال متعلقا فقط بالتخصص المطلوب، بل بنوع المهام التي ستبقى ذات قيمة عندما تستطيع الآلات إنجاز جزء متزايد مِن الأعمال الروتينية والمعرفية. ولذلك فإنّ الطالب يحتاج إلى اختيار تعليم يجمع بين المعرفة التخصصية وبين المهارات التي يصعب استبدال الإنسان فيها بالكامل: التفكير النقدي، وحل المشكلات المعقدة، والإبداع، والتواصل، والقدرة على التعامل مع البشر، إلى جانب القدرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها. طبعا ليس المطلوب الهروب مِن التكنولوجيا، وإنما أن يصبح الخريج مستخدِماً لها وموجِهاً لها وليس ضحية لها. وقد يصبح الفَرق مستقبلاً ليس بين مَن درس تخصصاً تقليدياً ومَن درس تخصصاً حديثاً، بل بين خريج تعلم كيف يوظف التكنولوجيا داخل تخصصه وآخر بقي يمارس التخصص بالطريقة نفسها التي كان يمارس بها قبل عشرين عاماً.
القضية الأخرى ذات الأهمية في هذا المجال هي أنّ الأسرة التي تسأل عن سعر الساعة يجب أن تسأل عن سعر البطالة أيضاً، وربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية. تجلس الأسر أحياناً ساعات طويلة تحسب فَرْقَ خمسة أو عشرة دنانير في سعر الساعة بين جامعتين، وهو أمر مفهوم ومشروع، لكنها قد لا تحسب الكلفة الحقيقية لأنْ يبقى الابن بعد تخرجه ثلاث أو أربع سنوات بلا عمل. فإذا كانت الأسرة ستدفع مثلاً آلاف الدنانير خلال سنوات الدراسة، فإنّ عليها أنْ تتعامل مع قرار التعليم بالجدية نفسها التي تتعامل بها مع شراء عقار أو إنشاء مشروع. لا أحد يستثمر مبلغاً كبيراً في مشروع مِن دون أنْ يسأل عن السوق والمنافسة والعائد والمخاطر. فلماذا نستثمر في تعليم أبنائنا مِن دون الأسئلة نفسها؟ والأغرب أنّ الاستثمار في التعليم أهم مِن كثيرٍ من الاستثمارات الأخرى، لأن المال إذا خسرناه يمكن تعويضه، لكن السنوات الأربع أو الخمس التي يقضيها الشاب في مسار خاطئ يصعب استعادتها.
التحدي الحقيقي الذي يواجهنا هو الانتقال مِن ثقافة تقول: "المهم أنْ يحصل ابني على شهادة جامعية" إلى ثقافة تسأل: "ما القيمة التي سيضيفها هذا التعليم إلى قدراته وحياته وإلى الاقتصاد والمجتمع؟". وبالتالي، نحتاج إلى التوقف عن قياس نجاح الأسرة بعدد الشهادات الجامعية المعلقة على الجدران، وأنْ نبدأ بقياسه بقدرة أبنائنا على بناء حياة مهنية مستقلة ومنتِجة. كما نحتاج أيضاً إلى إعادة تعريف النجاح التعليمي. فالنجاح ليس أنْ تدخل أعلى تخصص يسمح به معدل الثانوية، ولا أنْ تحمل لقباً اجتماعياً معيناً، وإنما أنْ تختار المسار الذي تستطيع أن تبدع فيه، ويحتاجه الناس، وتبني من خلاله مستقبلك.
على الطالب وولي أمره أنْ لا يغيب عن بالهما أنّ اختيار التخصص الجامعي ليس قراراً يتعلق باسمٍ سيُكتب على بطاقة الطالب لأربع سنوات، بل هو قرار اقتصادي ومهني وإنساني طويل المدى. لذلك لا تقم باختيار التخصص لأن صديقك اختاره؛ ولا لأن معدلك يسمح به؛ ولا لأن اسمه يثير إعجاب الناس؛ ولا لأن أحد أقاربك نجح فيه قبل عشرين عاماً؛ ولا لأن الجامعة تروج له بطريقة جذابة؛ بل ابحث عن البيانات، واقرأ توجهات سوق العمل، واسأل العاملين في المهنة، واطَّلع على خطط التخصص، وقارن بين الجامعات، وافهم التحولات التكنولوجية، واحسب كلفة التعليم وعائده، ثم ضع قدراتك وميولك في صميم القرار. فليست القضية أنْ نحصل على أكبر عدد ممكن مِن حملة الشهادات الجامعية، وإنما أنْ نبني رأس مال بشرياً قادراً على الإنتاج والتكيف والمنافسة. وحين تفكر الأسرة بهذه الطريقة فإنها لا تقلل مِن قيمة التعليم، بل تعيد إليه قيمته الحقيقية. فالتعليم الذي لا يفتح أمام الإنسان آفاقاً جديدة، ولا يمنحه القدرة على الاستقلال والإنتاج والتطور، يحتاج إلى مراجعة. والجامعة التي لا تنظر إلى مستقبل خريجيها بقدر ما تنظر إلى أعداد المقبولين تحتاج هي الأخرى إلى مراجعة طريقة تفكيرها وأدائها.
لقد حان الوقت لأن يصبح مفهوم اقتصاديات التعليم جزءاً مِن الثقافة الأسرية قبل أنْ يكون موضوعاً يُدَرَّسُ في كليات الاقتصاد والتربية. وحان الوقت، عندما يحصل أبناؤنا على نتائج الثانوية العامة، ألا يكون أول سؤال نوجهه إليهم: "ما التخصص الذي يسمح به معدلك؟"بل: "ما التعليم الذي يستحق أنْ تستثمر فيه سنوات مِن عمرك، وما المعرفة ومهارات التي ستمنحك القدرة على أنْ تصنع لنفسك مكاناً في اقتصاد المستقبل؟" ... ذلك هو السؤال الذي قد يصنع الفارق بين شهادة تُعَلَّق على الجدار، وتعليم يصنع حياة.
رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم