ماهر البطوش يكتب: الخبر الكاذب جريمة تبدأ بضغطة زر

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11756
ماهر البطوش يكتب: الخبر الكاذب جريمة تبدأ بضغطة زر
ماهر البطوش

ماهر البطوش

قد يصل إلى هاتفك خبر يثير القلق أو يلفت الانتباه، فتقرأه بسرعة ثم تعيد إرساله إلى مجموعة في "واتساب" أو تنشره على حسابك في "فيسبوك" دون أن تتوقف طويلاً أمام مصدره أو تتحقق من مدى صحته. وقد لا تستغرق هذه الخطوة سوى ثوانٍ، لكنها قد تكون كافية لانتقال الخبر من شخص إلى آخر حتى يصل إلى آلاف الأشخاص، ويتحول الخبر غير الصحيح إلى حالة من الخوف أو البلبلة أو الانقسام داخل المجتمع. ولهذا لم يتعامل المشرع الأردني مع الأخبار الكاذبة التي تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي باعتبارها مجرد معلومات غير صحيحة، وإنما واجهها بنص خاص في المادة (15/أ) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023، واضعاً أمام مستخدم وسائل التواصل مسؤولية تتجاوز مجرد الضغط على زر الإرسال.

ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول مواد القانون مادة بعد أخرى، لبيان فلسفة المشرع وشرح النصوص القانونية بلغة تجمع بين الدقة القانونية والوعي المجتمعي، انطلاقاً من أن المعرفة بالقانون تمثل إحدى أهم وسائل الوقاية من الجريمة.

وقد حدد المشرع الأردني الوسائل التي يمكن أن تتحقق من خلالها هذه الجريمة، فلم يقصرها على وسيلة إلكترونية بعينها، وإنما شمل الشبكة المعلوماتية، وتقنية المعلومات، ونظام المعلومات، والموقع الإلكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي. أما الأفعال المجرّمة فتتمثل في إرسال أو إعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات تنطوي على أخبار كاذبة، متى كانت تستهدف الأمن الوطني أو السلم المجتمعي.

ولا يقتصر التجريم على من أنشأ الخبر الكاذب، بل يشمل من أرسله أو أعاد إرساله أو نشره، متى توافرت الشروط التي يتطلبها النص؛ وهي أن يكون ما تم نشره خبراً كاذباً، وأن يكون الفاعل عالماً بكذبه، وأن تتجه إرادته إلى نشره أو تداوله، وأن يستهدف الخبر الأمن الوطني أو السلم المجتمعي.

لكن هل كل خبر غير صحيح يشكل جريمة؟ الجواب: لا. فمجرد الخطأ في نقل معلومة لا يكفي وحده لقيام المسؤولية، إذ إن النص يتطلب أن تكون المعلومات أخباراً كاذبة وأن تستهدف الأمن الوطني أو السلم المجتمعي، مع توافر القصد الجرمي. وهنا تظهر أهمية التمييز بين الخبر الكاذب والخبر الخاطئ؛ فقد ينقل شخص معلومة غير صحيحة معتقداً أنها صحيحة ودون أن يقصد تضليل الآخرين، بينما تقوم المسؤولية عندما يتوافر العلم بكذب المعلومة، وتتجه الإرادة إلى نشرها أو إرسالها أو إعادة إرسالها، مع توافر الغاية التي اشترطها القانون.

وتبرز هنا أهمية مصطلحي الأمن الوطني والسلم المجتمعي، فالأمن الوطني يرتبط بحماية الدولة ومصالحها واستقرارها، بينما يرتبط السلم المجتمعي باستقرار المجتمع وتماسكه، ومنع ما من شأنه إثارة الخوف أو البلبلة أو الانقسام أو التوتر بين أفراده ومكوناته. ولذلك فإن خطورة الخبر الكاذب لا تقاس بمجرد كونه غير صحيح، وإنما بما يستهدفه من مصالح وما قد يترتب على تداوله من آثار.

وتقوم الجريمة على القصد الجرمي، فلا يكفي أن يقع النشر أو الإرسال بصورة عارضة أو نتيجة خطأ غير مقصود. بل يجب أن يكون الفاعل عالماً بطبيعة ما يتعامل معه، وأن تتجه إرادته إلى إرسال الخبر أو إعادة إرساله أو نشره، وفقاً للعناصر والغاية التي حددها النص.

أما من حيث العقوبة، فقد قرر المشرع الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، أو الغرامة التي لا تقل عن (5000) خمسة آلاف دينار ولا تزيد على (20000) عشرين ألف دينار، أو بكلتا هاتين العقوبتين.

وتكتسب هذه الحماية أهميتها من واقع رقمي نعيشه يومياً؛ فقد يبدأ خبر مجهول المصدر برسالة في مجموعة على "واتساب" ثم ينتقل إلى منصات التواصل الاجتماعي، وخلال دقائق يتحول إلى حديث عام يتداوله الآلاف. وهنا تكمن خطورة إعادة النشر؛ فما يراه المستخدم مجرد مشاركة سريعة قد يسهم في توسيع دائرة خبر كاذب، وقد تكون له آثار تتجاوز الشخص الذي تلقاه لأول مرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأمن الوطني أو السلم المجتمعي.

وتبقى الرسالة الأهم التي يحملها النص أن حرية تداول المعلومات تقترن بالمسؤولية عن مضمونها وآثارها؛ فالكلمة التي تُكتب أو تُرسل أو يُعاد نشرها قد لا تبقى محصورة خلف شاشة، بل قد تتحول إلى خوف أو بلبلة أو اضطراب يمس أمن المجتمع واستقراره. ومن هنا فإن ما قد يبدو للمستخدم مجرد ضغطة عابرة على زر "إعادة الإرسال" قد يترتب عليه أثر قانوني متى توافرت في الفعل شروط التجريم. فالمسؤولية لا تتوقف عند من يكتب الخبر، بل قد تبدأ أيضاً ممن يختار أن يمنحه انتشاراً جديداً.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم