م. وصفي عبيدات يكتب: هل في وطني فساد؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11014
م. وصفي عبيدات يكتب: هل في وطني فساد؟
المهندس وصفي عبيدات

المهندس وصفي عبيدات

للفساد في وطني معايير عجيبة تختلف باختلاف الموقع من المائدة وبمقدار ما يصل إلى الجيب وبالمسافة التي تفصل المرء عن أصحاب القرار والنفوذ

لذلك يمكن بشيء من التأمل أن نقسم الناس في نظرتهم إلى الفساد إلى ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: المتكسبون
وهم الذين أوصلتهم المناصب أو الجاه أو العلاقات إلى حيث تتدفق المكاسب فيأخذ الواحد منهم ما ليس من حقه لكنه مع مرور الوقت لا يعود يراه فسادا بل حقا مكتسبا وربما رأى في الفساد إصلاحا وفي الامتياز استحقاقا وفي المحسوبية تقديرا للكفاءة!
هؤلاء هم أكثر الناس حديثا عن النزاهة وأشدهم إنكارا لوجود الفساد لأن الاعتراف بوجوده قد يفتح السؤال الأخطر ! من المستفيد منه؟ فهو لا يرى الفساد على الملأ لكنه يعرفه في داخله جيدا لأنه يعيش على ضفافه وربما يغترف من نبعه ،ولذلك يكثر المديح ما دام النبع جاريا فلو نضب النبع لنضب المدح

الطبقة الثانية: الطبقة الوسطى
وهؤلاء هائمون بين الأولى والثالثة ، وصلتهم بعض المنافع ولكنها لم تصل إلى الحد الذي يشبع طموحهم فأصبح معيار الفساد عندهم مرتبطا بحجم ما حصلوا عليه ، فإن أُعطي أحدهم وظيفة أو موقعا أو امتيازا صغيرا خفت صوته قليلا لكنه يبقى ينظر إلى من فوقه ويتساءل:
لماذا أخذ هو أكثر؟ ولماذا وصل إلى هناك وبقيت أنا هنا؟ وهنا يصبح الفساد عنده موجودا لكنه فساد انتقائي ، يراه بوضوح عندما يستفيد منه الآخرون وتضعف رؤيته كلما اقتربت المنفعة من بابه ، فهل المشكلة في الفساد ذاته أم في أن نصيبه منه لم يكن كافيا؟

أما الطبقة الثالثة فهي الطبقة الممسوحة

وهي الطبقة التي طحنها الفقر وأرهقتها الحاجة وأتعبها البحث عن أبسط الحقوق ، مواطن يبحث عن وظيفة لابنه وعن سرير لمريضه وعن مقعد جامعي لابنته وعن معاملة تمشي دون واسطة وعن حق لا يحتاج للحصول عليه إلى صاحب جاه أو قريب مسؤول ، هذه الطبقة لا تحتاج إلى محاضرات عن الفساد لأنها تصطدم بآثاره كل يوم ، ترى الحيتان تكبر والفيلة تعبر بينما هي تلهث خلف أبسط حقوقها ، لا ترى المشهد كاملا لأن الحيتان والفيلة حجبت عنها الرؤية لكنها تشعر بثقل أقدامها فوق صدرها ،
وهنا تكمن المفارقة ، فمن يأخذ الكثير يقول لا فساد عندنا ، ومن يأخذ القليل يقول هناك بعض الفساد.
ومن لا يأخذ حقه أصلا يقول لقد تغلغل الفساد حتى النخاع فأيهم أصدق؟!

هل أصبح تعريف الفساد في وطني مرتبطا بموقعك من المائدة؟ وهل يصبح الفاسد نزيها إذا استفدنا منه ويصبح فاسدا إذا حُرمنا؟ وهل يمكن أن نحارب الفساد ونحن نرفضه عندما يكون ضد مصالحنا ونصمت عنه عندما يخدمها؟

المشكلة ليست فقط في يد تمتد إلى المال العام فالفساد أخطر من ذلك بكثير ، إنه يبدأ حين تتحول الدولة في ذهن البعض من حق للجميع إلى غنيمة للأقرب وحين تصبح الوظيفة امتيازا والمنصب بابا للمكاسب والواسطة طريقا للحقوق والصمت ثمنا للمصلحة والمديح وسيلة لاستمرار النبع

وهنا نتسائل هل في وطني فساد؟
ربما تختلف الإجابة باختلاف الشخص الذي تسأله فإذا سألت من امتلأت يداه سيقول لك الأمور بخير ،
وإذا سألت من وصل إليه الفتات سيقول لك هناك بعض التجاوزات ، أما من وقف عمره كله أمام الباب ولم يجد واسطة تفتحه له فلا تسأله إن كان هناك فساد ، اسأله فقط كم دفع من عمره ثمنا له؟
«الفساد لا يحتاج دائما إلى من يخفيه فيكفي أن تتوزع المصالح فيراه المستفيد إصلاحا والمحروم ظلما " !!!!!
ويبقى الوطن وحده من يدفع الثمن
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم