د.مارسيل جوينات تكتب: السردية الأردنية بين الريادة والابتكار: حين يتحول التاريخ إلى قوة مستقبلية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9301
د.مارسيل جوينات تكتب: السردية الأردنية بين الريادة والابتكار: حين يتحول التاريخ إلى قوة مستقبلية
د. مارسيل جوينات

د. مارسيل جوينات

السردية الأردنية ليست سرد للماضي، ولا أرشيف للذاكرة، ولا احتفال بمنجزات مضت؛ إنها وعيٌ وطني يتشكل عبر الزمن، ويتجدد مع التحولات، ويعيد تعريف علاقة الإنسان الأردني بالمكان والتاريخ والدولة والمستقبل.

وإذا كانت السردية تُبنى من الذاكرة، فإن الريادة تمنحها المعنى، والابتكار يمنحها القدرة على الاستمرار. ومن هنا، فإن الحديث عن السردية الأردنية بين الريادة والابتكار هو انتقال من سرد ما كان إلى صناعة ما سيكون.

لقد نشأت التجربة الأردنية في بيئة لم تكن وفيرة بالإمكانات، لكنها كانت غنية بالإنسان. وفي هذه المفارقة تكمن إحدى أكثر ملامح السردية الأردنية، تحويل محدودية الموارد إلى وفرة في الإرادة، وتحويل التحدي إلى طاقة، والاضطراب الإقليمي إلى قدرة على التوازن والصمود وبناء الدولة.

فالريادة الأردنية لم تكن ترف، بل كانت في كثير من مراحلها ضرورة تاريخية. صنعتها المؤسسة، ورسخها التعليم، وحماها الوعي، وراكمتها الخبرة، حتى أصبح الإنسان الأردني أحد أهم مرتكزات رأس المال الوطني.
"الإنسان أغلى ما نملك" مقولة المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه.

كما ان قوة الدول لم تعد تقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل بما تنتجه من معرفة، وابتكار، وتأثير، وقدرة على إدارة الصورة والمعلومة والسردية. وفي زمن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، لم تعد الدول تملك رفاهية أن تترك الآخرين يروون قصتها نيابة عنها.

ومن هنا تبدأ المرحلة الجديدة من السردية الأردنية. نحن أمام انتقال من السردية التقليدية إلى السردية الرقمية، ومن الذاكرة إلى البيانات، ومن المتلقي إلى الشريك، ومن الإعلام الناقل إلى الإعلام الصانع للمعنى.

فالابتكار الحقيقي لا يعني أن نغادر تاريخنا، بل أن نعيد تشغيله في الحاضر. ولا يعني أن نقطع الصلة بالتراث، بل أن نحوله إلى رأس مال ثقافي قادر على إنتاج المعرفة والإبداع والاقتصاد والقوة الناعمة.

ومن الخطأ أن بتم اختزال السردية الوطنية في الشعارات. السردية القوية تُبنى بالإنجاز، وتُختبر بالواقع، وتترسخ عندما يشعر المواطن أن الوطن ليس قصة تُروى عنه، بل قصة يشارك في كتابتها.

وهنا يأتي الشباب في قلب المعادلة. فالشباب الأردني ليس مستقبل السردية فحسب؛ إنه مختبرها الحي ومنتجها الرقمي وصانع صورتها القادمة. ولذلك فإن الاستثمار في الشباب لا ينبغي أن يُفهم بوصفه سياسة اجتماعية فقط، بل بوصفه استثمار في الأمن المعرفي والهوية الوطنية والقدرة التنافسية للدولة.

أما التعليم، فهو البنية العميقة لهذه السردية. فالدولة التي تريد صناعة مستقبلها لا تكتفي بتعليم أبنائها كيف يحفظون المعرفة، بل تعلمهم كيف ينتجونها، وينقدونها، ويعيدون تركيبها، ويحوّلونها إلى ابتكار.

والإعلام يقف في قلب هذه التحولات؛ لأنه لم يعد مجرد مرآة للمجتمع، بل أصبح أحد مصانع الوعي. ومن يمتلك أدوات السرد يمتلك جزء من القدرة على تشكيل الصورة والاتجاه والانطباع. ولذلك فإن الإعلام الأردني مطالب اليوم بالانتقال من وظيفة التغطية إلى وظيفة التأثير، ومن نقل الحدث إلى تفسيره، ومن استهلاك المحتوى إلى إنتاج المعرفة، ومن رد الفعل إلى المبادرة السردية.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تتضاعف المسؤولية؛ إذ يمكن للتكنولوجيا أن تحفظ الذاكرة الوطنية وتعيد تقديمها للأجيال، لكنها تستطيع في الوقت ذاته أن تنتج التزييف بسرعة غير مسبوقة. لذلك فإن المعركة القادمة لن تكون فقط على المعلومة، بل على الحقيقة، والسياق، والثقة.

وهنا تتبلور معادلة السردية الأردنية الجديدة: ذاكرة تحمي الجذور، ومعرفة تفسر الحاضر، وابتكار يصنع المستقبل.

إن قوة الأردن لا تكمن فقط في ما أنجزه، بل في قدرته على إعادة إنتاج نفسه دون أن يفقد هويته. وهذه هي الريادة في معناها الأعمق: أن تتغير الأدوات دون أن تتغير البوصلة، وأن يتقدم الوطن دون أن يفقد ذاكرته.

لذلك، فإن بناء السردية الأردنية المعاصرة يحتاج إلى مشروع وطني يتجاوز المناسبات والخطابات، ويصل بين المدرسة والجامعة والإعلام والثقافة والتكنولوجيا والاقتصاد. مشروع يجعل من التاريخ معرفة لا مجرد ذكرى، ومن الهوية قوه لا انغلاق ومن الابتكار ثقافة لا شعار.

السردية الأردنية التي نحتاجها اليوم ليست سردية الماضي وحده، ولا سردية الحاضر وحده؛ إنها سردية الامتداد: أن يكون الماضي مصدر للثقة، والحاضر مساحة للفعل، والمستقبل مجال للريادة.

وفي النهاية، لا تقاس قوة السردية بقدرتها على وصف الوطن، بل بقدرتها على تحريك إرادته.

فالأردن الذي صنع حضوره في ظروف استثنائية، يستطيع أن يصنع مستقبله في عصر استثنائي؛ إذا امتلك شجاعة إعادة تعريف الريادة، وجرأة إنتاج المعرفة، ووعي إدارة السردية.

من هنا لا يعود السؤال: كيف نروي قصة الأردن؟
بل: كيف نجعل الأردن نفسه قصة متجددة في الريادة والابتكار؟ تلك هي السردية التي تستحق أن تكتب.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم