د. زياد جلال الحنفي يكتب: تشظّي الهوية العربية في زمن الذكاء الاصطناعي

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 8490
د. زياد جلال الحنفي يكتب: تشظّي الهوية العربية في زمن الذكاء الاصطناعي
د. زياد جلال الحنفي

د. زياد جلال الحنفي

لم تعد أزمة الهوية العربية اليوم أزمة فقدان للهوية بقدر ما هي أزمة تشظٍ داخل الهوية نفسها. فالعربي المعاصر لا يعيش بهوية واحدة متماسكة، وإنما بين أكثر من صورة لنفسه: صورة ورثها، وأخرى يعيشها، وثالثة يريد أن يظهر بها أمام الآخرين، وصورة جديدة بدأت الخوارزميات في تكوينها عنه.
نحن أمام جيل يستطيع أن يكون محافظًا في حياته الاجتماعية، مختلفًا تمامًا في فضائه الرقمي، عربي اللغة في بيته، مستهلكًا لمحتوى أجنبي معظم يومه، ومتمسكًا بانتمائه الثقافي، بينما تتشكل ذائقته وأفكاره وطريقة تعبيره داخل منصات لا تنتمي بالضرورة إلى السياق الثقافي الذي جاء منه.
هذا هو التشظي الحقيقي.
المشكلة ليست أن الإنسان العربي تخلى عن هويته، بل أنه أصبح يتحرك بين هويات متعددة دون أن يشعر دائمًا بالتناقض بينها. لكل مساحة نسخة مختلفة منه. في البيت ذات، وفي العمل ذات أخرى، وعلى وسائل التواصل ذات ثالثة، وأمام الخوارزمية هناك ذات رابعة لا يراها هو أصلًا، لكنها تتكون باستمرار من بياناته وسلوكه واختياراته.
الذكاء الاصطناعي لم يصنع هذا التشظي، لكنه منحه قوة غير مسبوقة.
فالخوارزمية لا تتعامل معنا بوصفنا أصحاب تاريخ وثقافة وذاكرة، وإنما بوصفنا أنماطًا من السلوك يمكن قراءتها والتنبؤ بها. ما نشاهده، وما نبحث عنه، وما نتوقف عنده، وما نشتريه، وما نتفاعل معه، يتحول إلى صورة رقمية عنا. ومع الوقت تبدأ هذه الصورة في التأثير في الصورة الأصلية؛ فما استنتجته الخوارزمية عنك يصبح أساسًا لما ستعرضه عليك لاحقًا.
وهنا تحدث مفارقة تستحق التوقف عندها: الإنسان يصنع بياناته، ثم تعود بياناته لتشارك في صنعه.
وفي الحالة العربية تبدو المسألة أكثر حساسية، لأن الهوية نفسها تعيش منذ زمن توترًا بين التراث والحداثة، والمحلي والعالمي، والديني والاجتماعي والفردي. لذلك لم تدخل الخوارزمية إلى هوية مستقرة، بل دخلت إلى مساحة مليئة أصلًا بالأسئلة والتناقضات.
حتى اللغة تكشف هذا التشظي. قد نتحدث بالعربية، لكن جزءًا كبيرًا من المفاهيم التي نفكر من خلالها يأتي من فضاء معرفي آخر. وقد نكتب بالعربية مستخدمين تراكيب ومصطلحات ولدت خارج سياقنا، ثم نعيد تقديمها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من خطابنا. المسألة هنا ليست دفاعًا لغويًا عن العربية، وإنما سؤال أعمق: هل ما زلنا ننتج المعنى الذي نعبّر عنه، أم أصبحنا نترجم معاني ينتجها الآخرون؟
ولهذا فإن الخوف على الهوية العربية من الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون خوفًا من اختفائها. ربما الأخطر أن تبقى موجودة في الشكل، لكنها تصبح موزعة بين مرجعيات كثيرة لا يجمعها مركز واضح.
أن يبقى الاسم عربيًا، واللغة عربية، والانتماء معلنًا، بينما تتشكل الرغبات والذائقة والصورة عن النجاح والجمال والحياة وحتى صورة الإنسان عن نفسه في فضاءات أخرى.
عندها لا نكون أمام موت الهوية، بل أمام شيء أكثر تعقيدًا: هوية موجودة… ولكنها مبعثرة.
ولهذا ربما لا يكون السؤال القادم: كيف نحافظ على الهوية العربية؟ بل: أيّ هوية عربية نحاول الحفاظ عليها أصلًا، بعد أن أصبح لكل واحد منا أكثر من نسخة من نفسه؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم