شراكة استراتيجية عابرة للقارات: الرؤية الملكية الثاقبة في الصين ترسم ملامح مستقبل الأردن الحديث بقلم المهندس ثائر عايش مقدادي تأتي الزيارة الملكية الأخيرة لجمهورية الصين الشعبية لتشكل محطة تاريخية فارقة وعلامة مضيئة ومشرقة في مسار الدبلوماسية الاقتصادية الأردنية، ومثالاً حياً وساطعاً على الرؤى الاستشرافية الثاقبة لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي لا يتقن سوى لغة العمل الدؤوب، والبحث المتواصل، والاستباق الاستراتيجي لتأمين مصالح وطنه وشعبه وحمايتهم من تقلبات الظروف الإقليمية والدولية. فلم تكن هذه الزيارة الاستثنائية مجرد لقاء دبلوماسي عابر في أجندة السياسة الدولية، ولا مجرد بروتوكولات تقليدية تستنفد أهدافها بمجرد انتهائها، بل تجسيداً عملياً وحياً لحرص القيادة الهاشمية الدؤوب على تأمين مستقبل واعد ومزدهر للأردن، والارتقاء بمكانته الإقليمية والدولية عبر بناء جسور متينة من الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم وعملاق التكنولوجيا والصناعة العالمي. لقد خاض جلالة الملك هذه المعركة الدبلوماسية الاقتصادية بكل اقتدار، مسخراً مكانته الدولية المرموقة وعلاقاته الشخصية الراسخة لخدمة قضايا الوطن، وتوفير بيئة خصبة للاستثمار والنمو قادرة على إعادة صياغة الواقع التنموي للمملكة وفق أسس حديثة ومستدامة. وقد تجلت ثمار هذا الجهد الملكي المبارك والاستثنائي بشكل غير مسبوق في التاريخ الدبلوماسي والاقتصادي الحديث من خلال التوقيع على خمس وعشرين اتفاقية ومذكرة تفاهم استراتيجية، شملت مفاصل حيوية وأساسية في هيكل الدولة الاقتصادية والاجتماعية والتقنية. لقد حرص جلالة الملك بنفسه على أن تكون هذه الاتفاقيات شاملة وموجهة نحو قطاعات المستقبل التي تمثل عصب التنمية الحقيقية، حيث انطلقت من قطاع التكنولوجيا والاتصالات المتطور، لفتح آفاق واسعة أمام شبابنا نحو الاقتصاد الرقمي ونقل المعرفة والذكاء الاصطناعي والثورة الصناعية الرابعة. ولم تتوقف الجهود عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل القطاع الزراعي الذي يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي الوطني عبر تبني أحدث التقنيات الحديثة وإدارة الموارد المائية الشحيحة بحلول ذكية ومستدامة تكفل تقليل الفجوة الغذائية وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة. ولم تهمل الرؤية الملكية قطاع الصناعات الدوائية والهندسية الذي يحظى بمزايا تفضيلية وعالية الجودة في الأردن، حيث سعت الزيارة لترسيخ وتثبيت مكانة المملكة كمركز إقليمي رائد للتميز الصيدلاني والصناعي المتقدم والبحث العلمي المرتبط بهما، وصولاً إلى القطاع السياحي الحيوي الذي حظي بدفع استثنائي وغير مسبوق لوضع الأردن على الخريطة السياحية العالمية بأساليب تسويقية مبتكرة تسهم في جذب تدفقات سياحية واسعة من السوق الصيني الضخم، فضلاً عن قطاعي التعليم والثقافة اللذين يعول عليهما في بناء جيل أردني واعٍ ومسلح بأحدث العلوم والمهارات المعاصرة والقادر على المنافسة بكفاءة في الأسواق العالمية. إن هذا الزخم الكبير والنتائج الملموسة والمكاسب الاستراتيجية لهذه الزيارة التاريخية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المواطن الأردني هو البوصلة والغاية الأولى والأساسية لكل تحركات جلالة الملك وجهوده المستمرة على مدار الساعات والأيام. فهذا الاهتمام العالي وهذا الإصرار الملكي المتواصل على فتح أسواق جديدة وخلق شراكات نوعية يعكسان إيمان القيادة المطلق بقدرات الإنسان الأردني، وضرورة توفير بيئة تنموية واستثمارية قادرة على مجابهة التحديات الإقليمية والدولية المعقدة، وخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة للشباب تسهم في تقليص معدلات البطالة وتحسين مستوى المعيشة ورفع كفاءة الخدمات العامة. لقد أثبت جلالة الملك مراراً وتكراراً أنه القائد القريب حقاً من هموم شعبه، الساعي بلا كلل لتذليل الصعاب وتحويل التحديات الاقتصادية الجسام إلى فرص واعدة، متسلحاً بعزيمة لا تلين وحب عميق لهذا الوطن وترابه الطهور ومؤسساته العريقة وجيشه وأجهزته الأمنية الباسلة. إننا اليوم أمام مرحلة جديدة وفارقة من العمل الجاد والبناء الاستراتيجي، مستندين إلى إرادة ملكية صلبة تثبت يوماً بعد يوم أن الدبلوماسية الهاشمية هي السلاح الأقوى في حماية مصالح الأردن العليا وتحقيق تطلعات شعبه الوفي، نحو غدٍ أكثر إشراقاً واستقراراً وازدهاراً وثباتاً في وجه كل العواصف. حفظ الله جلالة الملك المعظم وأمد في عمره، وسدد على طريق الخير والنجاح خطاه، وجعله ذخراً وسنداً للأردن والأمة العربية والإسلامية، وحفظ وطننا الغزيز آمناً مستقراً منيعاً تحت رايته الهاشمية الخفاقة.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات