استراتيجيات العلاقات والصراع الإسرائيلي مع إيران وتركيا. تعيش إسرائيل اليوم مفارقة جعلت وضعها الراهن حرجاً ومعقداً ومختلفاً كلياً عن ظروف نشأتها الأولى. قامت إسرائيل عام 1948 بعد الحرب العالمية الثانية، واعترفت بها تركيا رسمياً عام 1949 كأول دولة ذات أغلبية مسلمة، بينما اعترفت بها إيران في عهد الشاه عام 1950، وربطت الدول الثلاث مصالح أمنية واستراتيجية مشتركة في تلك الفترة. . الاستراتيجية الإسرائيلية: طبقت إسرائيل مبدأ "شدّ الأطراف" للتحالف مع دول غير عربية محيطة بالمنطقة العربية. تحالف المحيط أو عقيدة المحيط.إستراتيجية سياسية خارجية وضعها ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل دعت إسرائيل إلى تطوير تحالفات إستراتيجية وثيقة مع الدول الإسلامية غير العربية في الشرق الأوسط للتصدي للدول العربية الموحدة تجاه معارضة وجود إسرائيل.وتم اتباعها خصوصاً مع تركيا و إيران.كان ينظر للصراع العربي الإسرائيلي لعقود طويلة على أنه صراع بين الدول العربية وإسرائيل بشكل أساسي، أكثر من كونه صراع إسلامي. أولاً: التحالف الإيراني: في عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي،أقامت إيران علاقات وثيقة شملت التعاون الأمني واستيراد وتصدير النفط حتى قيام الثورة الإسلامية عام 1979 وانقلاب الموقف السياسي تماماً. كانت العلاقات الإيرانية الإسرائيلية في أوجها وقائمة على تحالف استراتيجي واقتصادي وأمني وثيق، حيث اعترفت طهران بإسرائيل، وتجاوز حجم الصادرات الإسرائيلية لإيران 100 مليون دولار، بينما أمّنت إيران لإسرائيل نحو 40% من احتياجاتها النفطية عبر خطوط أنابيب مشتركة. مرّ التعاون بين البلدين قبل ثورة 1979 بعدة مجالات رئيسية شملت: 1. التعاون الاقتصادي والطاقة. *. تزويد إسرائيل بالنفط الإيراني الذي شكّل الوقود الأساسي لآلتها العسكرية و اقتصادها. *. إنشاء مشروع خط أنابيب إيلات-أشكلون لنقل النفط الإيراني عبر إسرائيل إلى الأسواق الأوروبية. *. وصول الصادرات الإسرائيلية لإيران (من تكنولوجيا و محاصيل زراعية ومعدات) إلى مستويات قياسية زمن الشاه. 2. التعاون العسكري و الأمني. *. تأسيس جهاز المخابرات الإيراني "سافاك" عام 1957 بدعم مشترك من الاستخبارات الأمريكية وجهاز "الموساد" الإسرائيلي. *. تبادل الخبرات الأمنية والعسكرية وصفقات التسليح السرية و العلنية بين الجانبين. *. تمويل إيراني لبعض مشاريع وبرامج التطوير العسكري والتكنولوجي الصاروخي الإسرائيلي (مثل مشروع "فلاور"). 3. الجانب الدبلوماسي والسياسي. *.وجود بعثة دبلوماسية وسفارة إسرائيلية ضخمة في طهران. -اعتبار إيران إلى جانب تركياجزءاً من عقيدة "الحزام " الإسرائيلية لربط علاقات مع دول غير عربية في الشرق الأوسط. ثانياً: التقارب التركي: 1. الاعتراف المبكر: صوتت تركيا في البداية ضد خطة تقسيم فلسطين عام 1947، لكنها عادت واعترفت بإسرائيل عام 1949 نتيجة لتوجهها الغربي ورغبتها في الانضمام لحلف شمال الأطلسي (الناتو). 2. التبادل الدبلوماسي: تبادل البلدان السفراء والبعثات الدبلوماسية رسمياً في عام 1950، وبدأت العلاقات الاقتصادية والتجارية الأولى. حدثان تاريخيان حطما "نظرية المحيط" الإسرائيلية و حولا الحلفاء القدامى إلى خصوم. أولاً: المد القومي العربي في الخمسينيات. أدى صعود جمال عبد الناصر وفكرة القومية العربية إلى وضع تركيا وإيران في موقف حرج، وتأثرت علاقاتهما بإسرائيل كالتالي: 1. الحرج الدبلوماسي لتركيا: مع تصاعد التضامن العربي والمسلم وضغط الشارع، اضطرت تركيا إلى تخفيض تمثيلها الدبلوماسي مع إسرائيل بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وحاولت موازنة علاقاتها لإرضاء الدول العربية دون قطع الصلة بإسرائيل تماماً. 2. السرية الإيرانية: شعرت إيران بالرعب من تمدد النفوذ الناصري والاشتراكي (الذي كان يهدد العروش الملكية). هذا الخوف دفع الشاه إلى جعل العلاقات مع إسرائيل سرية وتحت الطاولة (بحكم الأمر الواقع وليس الاعتراف القانوني الكامل) تجنباً لإثارة غضب محيطه العربي وشعبه المسلم. 3. ولادة "حلف الضواحي": كرد فعل على المد العربي، سارعت إسرائيل عام 1958 إلى إبرام تحالف سري رسمي سمي "ميثاق الطوق" أو "المحيط" مع تركيا وإيران وإثيوبيا لمواجهة عبد الناصر، وهو ما ثبت وجود إسرائيل عسكرياً واستخباراتياً في تلك الحقبة. *. ميثاق الشبح الاستخباراتي (1958)اتفاقية المحيط السرية: في أغسطس 1958، التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون ونظيره التركي عدنان مندريس سراً في أنقرة. * مواجهة المد القومي:تم توقيع "ميثاق الشبح" (Phantom Pact) وهو تحالف أمني و استخباراتي سري هدف إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية ومواجهة النفوذ السوفيتي والمد القومي العربي المدعوم من جمال عبد الناصر في المنطقة. ثانياً: الثورة الإيرانية عام 1979. الضربة القاضية للتحالف. إذا كان المد القومي قد جعل العلاقات حذرة أو سرية، فإن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 قلبت المعادلة رأساً على عقب ودمرت استراتيجية إسرائيل الإقليمية: 1. التحول من حليف إلى عدو وجودي: أعلن آية الله الخميني فور نجاح الثورة قطع العلاقات بالكامل مع إسرائيل، واعتبرها "غدة سرطانية" يجب إزالتها، وتحولت السفارة الإسرائيلية في طهران إلى سفارة لمنظمة التحرير الفلسطينية. 2. تأسيس "محور المقاومة": لم تكتفِ إيران بالعداء السياسي، بل نقلت المعركة إلى حدود إسرائيل عبر تأسيس ورعاية فصائل مسلحة في لبنان (حزب الله) ولاحقاً في غزة واليمن والعراق، مما خلق طوق التهديد متعدد الجبهات الذي تستنزف فيه إسرائيل اليوم. 3. خسارة شريان الحياة الاقتصادي: توقفت إمدادات النفط الإيراني فوراً، واضطرت إسرائيل للبحث عن مصادر بديلة مكلفة لحماية أمنها الطاقي. المد القومي في الخمسينيات كشف لإسرائيل أن التحالفات الإقليمية لديها هشّة تتأثر بالشارع المسلم، وجاءت ثورة 1979 لكي تنزع من إسرائيل أهم أوراق قوتها في المنطقة.اليوم، بالحرب مع إيران مع انضمام تركيا التدريجي إلى جبهة المقاطعة السياسية والاقتصادية الشاملة ضد إسرائيل بسبب حرب غزة وتداعياتها، تجد إسرائيل نفسها قد خسرت "شبكة الأمان الإقليمية" التي ساعدتها على النشوء عام 1948،. إن تحول تركيا وإيران من حليفين استراتيجيين إلى خصمين لدودين يفرض على إسرائيل ضغوطاً استراتيجية وأمنية غير مسبوقة، ويعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط بشكل يهدد أمنها المباشر.يتجلى هذا التأثير العميق في عدة محاور رئيسية: 1. طوق التهديد العسكري المباشر . إيران والملف النووي: تقود إيران "محور المقاومة" الممتد عبر فصائل مسلحة في لبنان واليمن والعراق وسوريا، ودخلت إسرائيل معها في مواجهات عسكرية مباشرة وحرب مفتوحة. 2. علاقة تركيا واسرائيل . *. الذروة الاستراتيجية: بعد توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، عاشت العلاقات "شهر عسل" حقيقي؛ حيث وُقِّعت اتفاقيات تجارة حرة وشراكات عسكرية واسعة شملت تدريب الطيارين الإسرائيليين في الأجواء التركية وتحديث الدبابات. *. انتكاسة التحول الجذري و حقبة أردوغان (2002 - حتى الآن)وصول العدالة والتنمية: مع صعود حزب العدالة والتنمية عام 2002، بدأت أنقرة تتبنى سياسة خارجية تركز على عمقها الإسلامي والعربي. حادثة دافوس (2009) و مرمرة (2010): انسحب أردوغان من منتدى دافوس بعد مشادة مع شمعون بيريز، تلاها انهيار كامل للعلاقات بعد اقتحام إسرائيل لسفينة "مافي مرمرة" التركية المتجهة لكسر حصار غزة، مما أسفر عن مقتل مواطنين أتراك. الوضع الراهن: على الرغم من وجود محاولات تطبيع قصيرة (مثل عام 2022)، إلا أن اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 وما تبعها أدى إلى قطع تركيا لكافة العلاقات التجارية مع إسرائيل، وتصاعد الخلافات العسكرية و الاستخباراتية بين البلدين في الساحة السورية والشرق المتوسط. الصعود التركي في سوريا: تراقب إسرائيل بقلق بالغ تنامي النفوذ العسكري التركي في سوريا، وتعتبر محاولات أنقرة لتأسيس قواعد عسكرية هناك تهديداً جديداً وجبهة إضافية قد تضطر لمواجهتها عسكرياً. 2. العزلة الإقليمية والدبلوماسية الملاحقة القانونية: *. قطعت تركيا علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع إسرائيل، وانضمت إلى دعاوى الإبادة الجماعية ضدها، بل وأصدر الادعاء التركي مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين. *. سقوط "نظرية المحيط": نجحت إيران وتركيا في محاصرة إسرائيل سياسياً وعزلها في محيطها الإسلامي، ما دفع إسرائيل للبحث عن تحالفات بديلة بعيدة مثل اليونان وقبرص والهند. 3. الخسائر الاقتصادية واللوجستية. *. سلاح النفط والتجارة: خسرت إسرائيل المورد التاريخي للنفط (إيران)، وتوقفت حركة التجارة المباشرة مع تركيا التي كانت بوابتها إلى الأسواق الأوروبية. *. ممرات الملاحة: يهدد النفوذ الإيراني والتركي الممرات البحرية الحيوية لإسرائيل في البحر المتوسط والبحر الأحمر ومضيق هرمز، مما يرفع تكلفة الشحن والتأمين الاقتصادي. 4. استنزاف الميزانية والجاهزية العسكرية تضخم ميزانية الدفاع: *. اضطرت إسرائيل لإنفاق مئات المليارات لتوسيع الإنتاج المحلي للمواجهة متعددة الجبهات. *. لجنة ناغل (Nagel Commission): أوصت اللجان الأمنية الإسرائيلية برفع الجاهزية العسكرية القصوى وإعادة رسم "خريطة التهديدات" لوضع تركيا خطر استراتيجي صاعد قد يفوق خطر إيران في بعض الأبعاد. 5. الخطر الإستراتيجي الناتج عن خسارة اسرائيل لإيران وتركيا. 1. الإطباق الجغرافي والعسكري (طوق النار). *.الخطر الإيراني: لم تعد إيران خطراً بعيداً؛ بل نجحت في بناء طوق عسكري خانق حول الحدود الإسرائيلية عبر تمويل وتسليح فصائل مسلحة في لبنان، وغزة، وسوريا، واليمن، والعراق. هذا التحول نقل المعركة إلى داخل المدن الإسرائيلية، وجعل الجبهة الداخلية مكشوفة بالكامل أمام آلاف الصواريخ والمسيرات، وصولاً إلى مرحلة المواجهات الحربية المباشرة بين طهران وتل أبيب. *. الخطر التركي في سوريا: تراقب إسرائيل بقلق بالغ محاولات تركيا المستمرة لتوسيع نفوذها العسكري وبناء قواعد ثابتة شمال وجنوب سوريا. ترى إسرائيل في هذا التمدد خطاً أحمر يهدد أمن حدودها الشمالية وميزان القوى الإقليمي، مما دفع جيشها لتنفيذ ضربات استباقية (مثل قصف قاعدة أبو الظهور الجوية) لمنع تمركز القوات التركية أو فرض واقع عسكري جديد بالقرب من الجولان. 2. انهيار العمق الجوي و الدفاعي تاريخياً، كانت الأجواء التركية الشاسعة تُمثّل متنفساً استراتيجياً لسلاح الجو الإسرائيلي للتدريب والمناورة.بخسارة تركيا، فَقَدَ الجيش الإسرائيلي هذا العمق الجوي الحيوي، وأصبحت تحركاته محصورة في مساحات ضيقة، ما يمثّل معضلة عسكرية حقيقية في أي حرب إقليمية واسعة تشترك فيها أطراف متعددة. 3. الحصار الاقتصادي والدبلوماسي. سلاح المقاطعة التركية.أحدث قرار تركيا بقطع علاقاتها التجارية والدبلوماسية بالكامل مع إسرائيل صدمة في الاقتصاد الإسرائيلي. تركيا كانت تمثل شرياناً رئيسياً للمواد الخام (كالحديد و الإسمنت والوقود) والسلع الغذائية الرخيصة؛ وفقدان هذا السوق يجبر إسرائيل على البحث عن بدائل بعيدة وعالية التكلفة، مما يرفع نسب التضخم ويزيد من إنهاك الاقتصاد القائم على الأمن. عندما تأسست إسرائيل، كانت الأخطار واضحة وجغرافية، أما اليوم فقد تحولت إلى أزمات بنيوية مركبة وعزلة خارجية غير مسبوقة" *. المقارنة بين واقع النشأة والوضع الحالي عبر المحاور التالية: 1. طبيعة الجبهات العسكرية و الردع. في النشأة: كانت الحروب كلاسيكية (جيش ضد جيش) على جبهات محددة وحاسمة تنتهي بسرعة (مثل حرب 1956 وحرب 1967). اليوم: غارقة في "حرب استنزاف متعددة الجبهات ومفتوحة زمنياً" (غزة، الضفة، لبنان، اليمن، العراق، وسوريا) في مواجهة فصائل مسلحة وحرب مسيرات تضرب العمق، فضلاً عن المواجهة المباشرة مع إيران، ما أفقدها مفهوم "الردع الحاسم الخاطف". 2. العزلة الدولية وتآكل الشرعية. في النشأة: نالت تعاطفاً دولياً واسعاً بعد الحرب العالمية الثانية، وحصلت على اعتراف فوري من القوتين العظميين (أمريكا والاتحاد السوفيتي)، بجانب تركيا وإيران كدعم إقليمي مبكر. اليوم: تواجه أسوأ موجة "عزلة دبلوماسية وقانونية في تاريخها". تلاحقها محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية بتهم الإبادة الجماعية، مع تصاعد الغضب الشعبي العالمي ضدها، وقطع دول حليفة سابقة مثل تركيا لكافة العلاقات التجارية والسياسية معها. 3. التبعية الاستراتيجية الكاملة. في النشأة: رغم المساعدات، كانت تعتمد على استراتيجية الاعتماد الذاتي وتوسيع التحالفات الإقليمية "الضواحي". اليوم: تحولت إلى حالة "تبعية استراتيجية وعسكرية شبه كاملة للولايات المتحدة" لتأمين السلاح، والغطاء الدبلوماسي (الفيتو)، والدفاع الجوي، وهو ما يحد من استقلالية قرارها السياسي ويجعلها رهينة الموازين السياسية داخل واشنطن. من المنظور الاستراتيجي، تُصنّف خسارة إسرائيل لتركيا وإيران خطر وجودي غير مسبوق، هذا التحول الجيوسياسي جرّد إسرائيل من عمقها الإقليمي وحوّل قوى عملاقة في المنطقة إلى جبهات مواجهة عسكرية وسياسية واقتصادية مباشرة تهدد اسرائيل. ما تعيشه إسرائيل اليوم من ضغوط هو النتيجة المباشرة لانقلاب المعادلات التاريخية التي بدأت مع المد القومي العربي في الخمسينيات واكتملت بانفجار الثورة الإيرانية عام 1979 . نائل بركات. كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الفلسطيني الإسرائيلي وقضايا الصراع في الشرق الأوسط.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات