الباحث أحمد شريف الزعبي .. من الحكاية إلى موسوعة الذاكرة الأردنية

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11000
الباحث أحمد شريف الزعبي ..  من الحكاية إلى موسوعة الذاكرة الأردنية

سرايا - لم يكن أحمد شريف الزعبي يجمع الحكايات كي يضعها في رفّ بعيد، ولا كان ينظر إلى التراث بوصفه بقايا زمن انقضى. كان يعرف، ربما أكثر من غيره، أن ما نسميه «تراثًا» ليس سوى حياة كاملة مرّت من هنا، وأن وراء الأغنية حنجرة وذاكرة، ووراء المثل تجربة، ووراء اللهجة مكانًا، ووراء العادة إنسانًا اختبر الحياة وترك أثرًا فيها.

برحيل الباحث في التراث الشعبي الأردني والتربوي الدكتور أحمد شريف الزعبي، يفقد المشهد الثقافي الأردني واحدًا من أولئك الذين اختاروا أن يمشوا في الاتجاه المعاكس للنسيان. أمضى عقودًا يلتقط من الذاكرة الشفوية ما يتساقط منها، يصغي إلى كبار السن، ويسأل عن المفردة والحكاية والطقس واللعبة والمهنة والطعام، ثم يعيد ترتيب هذه الشظايا في كتب وموسوعات، لتصبح الذاكرة الشعبية مادة للمعرفة، لا مجرد حكايات تتناقلها المجالس.

ولد الزعبي عام 1947 في بلدة خرجا بلواء بني كنانة، وحصل على بكالوريوس التاريخ من جامعة دمشق عام 1970، ثم واصل دراسته في مجال الدراسات الاجتماعية، فنال دبلوم الدراسات الاجتماعية من جامعة اليرموك، وماجستير الدراسات الاجتماعية عام 1990، قبل أن يحصل على الدكتوراه في مناهج وطرق تدريس الاجتماعيات من جامعة أم درمان عام 1997. وعمل في ميدان التربية والتعليم مدرسًا ومشرفًا تربويًا، وتولى مواقع إدارية وتربوية، من بينها مدير التربية والتعليم لقصبة المفرق ومدير التربية والتعليم لمنطقة إربد الأولى.

لكن السيرة الوظيفية لم تكن سوى أحد مسارات حياته. المسار الذي ترك بصمته الأوضح كان ذلك الذي قاده إلى الناس؛ إلى القرى والبلدات، إلى البادية والريف، إلى مجالس الكبار، حيث كان الماضي لا يزال يتنفس في كلمة، أو أغنية، أو عادة، أو حكاية.

هناك، تحديدًا، كان الزعبي يجد موضوعه

لم يتعامل مع التراث بوصفه «فولكلورًا» للعرض، بل بوصفه نظامًا حيًا من المعارف والعلاقات والدلالات. كان يرى أن الإنسان الأردني ترك صورته في كل ما صنعه وقاله وغنّاه ومارسه؛ ولذلك جاءت عنايته بالأغنية والحكاية والمثل واللهجة والمضافة والحرفة واللعبة والطعام والطب الشعبي امتدادًا طبيعيًا لرؤية ترى المجتمع في تفاصيله الصغيرة، لا في عناوينه الكبيرة وحدها.

من هنا يمكن قراءة مشروعه البحثي الطويل، الذي أثمر كتبًا عدة، من بينها «حكايات شعبية أردنية»، و»الأغاني الشعبية الأردنية»، و»مضافات وتعاليل»، و»الألعاب الشعبية الأردنية»، و»الحيوانات الأليفة والبرية في التراث الشعبي الأردني»، و»معجم اللهجة الحورانية»، إلى جانب أعمال تناولت الطعام والطب الشعبي والجيش العربي وقضايا ومناسبات وأحداثًا من الذاكرة الأردنية، فضلًا عن العديد من الأبحاث والدراسات.

في «الأغاني الشعبية الأردنية» اقترب من الصوت الذي كان مهددًا بأن يصمت. لم تكن الأغنية بالنسبة إليه كلمات ولحنًا فقط، بل وثيقة اجتماعية تسجل أفراح الناس وأحزانهم ومناسباتهم وطقوسهم، وتحفظ شيئًا من إيقاع حياتهم. وفي «معجم اللهجة الحورانية»، الصادر عام 2020، ذهب أبعد في مغامرته مع الكلمة، جامعًا نحو عشرة آلاف مفردة ودلالة وكناية، في محاولة لحفظ لهجة تحمل في طياتها تاريخ المكان وصلاته باللغة العربية وتحولاتها.

كان يعرف أن الكلمة حين تموت لا تموت وحدها؛ يأخذ معها جزءًا من المكان الذي أنجبها.

ولم يكن حضور الزعبي في مشروع التراث الأردني مقصورًا على كتبه وأبحاثه؛ فقد ظل حاضرًا في أعمال وزارة الثقافة، وتحديدًا في مديرية التراث، التي قدّم لها خلاصة تجربته الطويلة في البحث والتوثيق، كما واصل مشاركته في هيئة تحرير مجلة «فنون شعبية» الصادرة عن الوزارة حتى رحيله. وبذلك كان جزءًا من المؤسسة التي تتولى حفظ الذاكرة الثقافية الأردنية، لا باحثًا يراقبها من بعيد؛ يحمل إليها ما جمعه من الميدان، ويشارك في تحويل الذاكرة الشفوية إلى مادة قابلة للدرس والتوثيق والتداول.

ولعل «الموسوعة في التراث الشعبي الأردني» تمثل الذروة الطبيعية لهذا المسار الطويل. صدرت الموسوعة عن سلسلة «فكر ومعرفة» في وزارة الثقافة، وجاءت في 762 صفحة، موزعة على ستة أبواب، تناولت العادات والتقاليد، والأدب الشعبي، وأشكال التعبير الثقافي والفنون الشعبية، والحرف والصناعات والمهن التقليدية، والمعارف المتعلقة بالطبيعة والكون، إضافة إلى التراث المادي.

لم تكن الموسوعة مجرد جمع للمادة، بل محاولة لبناء خريطة واسعة للذاكرة الأردنية؛ خريطة لا تختزل الأردن في صورة واحدة، وإنما تترك للبادية والريف والمدينة، وللشمال والجنوب والأغوار، حقها في أن تقول إن لها حكايتها الخاصة داخل الحكاية الكبرى.

ومن هذه الزاوية، يكتسب مشروع الزعبي معنى يتجاوز جمع المادة التراثية إلى الإسهام في كتابة السردية الأردنية من أسفلها؛ من تفاصيل حياة الريف والبادية، ومن الأغنية والحكاية والمثل واللهجة والحرفة والعادة. فالسردية لا تُبنى بالوقائع الكبرى وحدها، وإنما بما حفظه الناس في ذاكرتهم اليومية، وبما تناقلته الأجيال شفهيًا قبل أن يجد طريقه إلى الكتاب. ولعل هذا ما جعل عمل الزعبي جزءًا من صورة أوسع للهوية الأردنية، صورة لا تبدأ من الوثيقة الرسمية وحدها، بل من الإنسان الذي عاشها وحفظها وروى تفاصيلها.

وعندما أشهرت الموسوعة في رابطة الكتاب الأردنيين عام 2024، بدا المشروع وكأنه حصيلة عمر كامل أنفقه صاحبه في ملاحقة ما لا يُرى بسهولة: التفاصيل. تلك التي لا تدخل عادةً في كتب التاريخ، لكنها تصنع التاريخ الاجتماعي في صمته اليومي.

كان الزعبي يعرف أن الذاكرة الشعبية ليست هامشًا للتاريخ، بل أحد مصادره الأكثر دفئًا وصدقًا. ولذلك كان يقترب منها بحس الباحث، وبفضول ابن المكان، وبصبر من يعرف أن الحقيقة قد تختبئ أحيانًا في كلمة ينطقها شيخ من قرية، أو في مقطع أغنية لا يعرف أحد متى قيل أول مرة، أو في اسم لعبة مارسها الأطفال قبل أن تغيّر الحياة قواعد اللعب.

وفي هذا المعنى، لم يكن أحمد شريف الزعبي يكتب عن الماضي بقدر ما كان يحاول إنقاذه من أن يصبح ماضيًا.

كان مشروعه، في جوهره، دفاعًا عن الإنسان العادي؛ عن الذين لا تظهر أسماؤهم في الكتب، لكنهم يصنعون الثقافة كل يوم. عن النساء اللواتي حفظن الأغاني، وعن الرجال الذين تناقلوا الحكايات، وعن الأطفال الذين حملوا الألعاب من جيل إلى جيل، وعن أصحاب الحرف والمهن، وعن مجالس المضافة والتعاليل، وعن أولئك الذين منحوا اللهجة نبرتها، والمكان أسماءه وروحه.

ولهذا تبدو كتبه اليوم أكثر من مؤلفات في التراث. إنها صناديق ذاكرة مفتوحة.

رحل أحمد شريف الزعبي، لكن ما جمعه لن يرحل معه. ستظل في كتبه أصوات وأسماء ومفردات وصور لأردن كان يتحول سريعًا، وكان هو يحاول، في الوقت المناسب، أن يكتب ملامحه قبل أن تمحوها يد التحولات.

ربما كان يعرف أن الباحث لا يستطيع أن يهزم الزمن، لكنه يستطيع أن يترك له شاهدًا. وقد ترك شاهدًا كبيرًا.

في «الموسوعة» و»المعجم» و»الأغاني» والحكايات والألعاب والمضافات، ترك بيتًا واسعًا للذاكرة؛ بيتًا لا تغلقه وفاة صاحبه، بل تظل أبوابه مشرعة أمام الباحثين والقراء وكل من يريد أن يعرف كيف عاش الأردنيون، وكيف تحدثوا، وماذا غنّوا، وماذا لعبوا، وماذا أكلوا، وكيف حكوا العالم لأنفسهم.

رحل الرجل الذي كان يطارد الذاكرة كي لا تضيع، وبقيت الذاكرة التي أنقذها.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في وداعه: إن أحمد شريف الزعبي لم يترك لنا كتابًا عن الأردن فقط؛ ترك لنا الأردن في الكتب.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم