د. شفيق طه النوباني: جَيَّرت الثقافةُ الاستهلاكيةُ الرقميةُ كتّابًا ونقادًا لصالحها

منذ 58 دقيقة
المشاهدات : 7217
د. شفيق طه النوباني: جَيَّرت الثقافةُ الاستهلاكيةُ الرقميةُ كتّابًا ونقادًا لصالحها

سرايا - في هذه السلسلة الحوارية، نقترب من المشهد الثقافي الأردني عبر عين الناقد؛ لا بوصفه مراقبًا محايدًا، بل قارئًا للأسئلة العميقة التي تتحرك تحت سطح النصوص والمؤسسات والظواهر الثقافية. نحاور نقادًا أردنيين حول الثقافة وأسئلتها المؤجلة، وتحولات الكتابة والذائقة والهوية، محاولين قراءة ما يحدث في المشهد... وما يتخفّى خلفه أيضًا.

وضيف هذه الحلقة هو الناقد د. شفيق طه النوباني، الذي عمل محاضرا متفرغا في جامعة فيلادلفيا وأستاذا مساعدا في جامعة ظفار. أصدر عشرة كتب في النقد الأدبي والقصة القصيرة. نشر اثني عشر بحثا محكما في مجال التخصص. شارك في عدد من المؤتمرات الدولية والندوات العلمية. درّس أكثر من سبع وثلاثين مادة في مرحلتي البكالوريوس والماجستير.

لو طُلب منك أن تصف المشهد الثقافي الأردني بكلمات قليلة، فماذا تقول؟

- لا شك أنه مشهد متنوع في طبيعته ومستوياته واتجاهاته، إذ لا يمكننا أن ننسى في هذا السياق أن الثقافة تدخل في كل مظاهر الحياة ونشاطاتها.

هل تغيّرت الثقافة الأردنية فعلًا خلال السنوات الأخيرة، أم أننا نعيد تدوير الأسماء والخطابات ذاتها؟

- تحولات الثقافة لا يمكن أن تحصل بسهولة ناهيك عن تغيرها. والتحولات التي تحصل من خلال الظروف التاريخية وما تفرضه على المجتمعات غالبا ما تكون أعمق أثرا من تلك التي تحصل من خلال التوجيهات وبث الخطابات. والناظر في الحراك الثقافي والأدبي في الأردن سيجد أن للدولة ممثلة بوزارة الثقافة دورا أساسيا في إدارة المشهد الثقافي وتوجيهه، مما يجعل الفعل الثقافي فعلا تنمويا بالدرجة الأولى يفسح المجال لقدر من التغيير دون تحقيق ذلك التغيير الثوري، ولا شك أن هذا الفعل التنموي ذو أهمية بالغة في الحركة الثقافية، غير أن له سلبياته أيضا، فالفعل الثقافي كثيرا ما يكون مرتبطا بالمكاسب والتنفيعات.

برأيك، هل ما يزال النقد قادرًا على صناعة أثر حقيقي، أم أصبح صوته أخفت من ضجيج المنصات الرقمية؟

- لا يمكننا حصر الحركة الأدبية والنقدية في دائرة واحدة، فعلى الرغم من أن النقد والأدب ينتمي في مجموعه إلى لغة واحدة ومنطقة واحدة سنجد في ثنايا الحركة النقدية والأدبية دوائر أكثر اتصالا فيما بينها، فالنقد الجاد لا بد سيؤثر في الأدب الجاد، ولا بد أن ينفذ إلى دوائر تصله بأسماء غير راسخة، ونحن كثيرا ما نلجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق تواصل أكبر مع المبدعين والنقاد. غير أن ذلك لا ينفي الجانب المرتبط بضوضاء المنصات الرقمية التي أفسحت المجال لسلوك تسويقي شعبوي للعديد من الأعمال الأدبية والكتابات متدنية المستوى التي ستجد لها متلقيها وأتباعها.

لماذا يبدو بعض المبدعين خارج الضوء دائمًا، فيما تبقى أسماء بعينها في الواجهة؟

- إن الناظر في الأدب الأردني سيجد العديد من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها بحكم ما أنتجته من أدب رفيع، كما هو الحال مثلا مع غالب هلسا ومؤنس الرزاز، ولا شك أن الكثير من الأسماء التي نجدها في الواجهة تستند في وجودها إلى إرث شخصي مهم في الأدب، غير أن الكثير من الأسماء أيضا تثير الاستغراب، فهل يرتبط التصدر بالعلاقات العامة، أم بالمصالح المتواشجة، أم بمهارات الاتصال التي تجعل صورة المثقف أقرب إلى صورة موظفي الاستقبال الذين لا يعرفون الكثير عن الحدث الذي يتصدرون مظهره الشكلي. على كل حال يبقى الأمر مرتبطا بالثقافة، فالتصدر أيضا ثقافة.

هل لدينا مشروع ثقافي واضح، أم مجرد نشاطات متفرقة تستهلك الجهد ولا تصنع أثرًا؟

- أشرت سابقا إلى أهمية الدولة في إدارة المشهد الثقافي. ولا شك أن للدولة مشروعا ثقافيا واضحا يرتبط بوجودها وتاريخها وعطائها. أما الإنتاج الأدبي فلم يتشكل يوما لدى أي أمة أو شعب من خلال مشاريع مرسومة على الرغم من تشكل اتجاهات في ظل ظروف تاريخية معينة.

أين تكمن أزمة الثقافة الأردنية اليوم: في الكاتب، أم القارئ، أم الناقد، أم المؤسسة الثقافية؟

- لا نبالغ إذا قلنا إن أزمة الثقافة تكمن في هذه العناصر جميعها، فقد جيّرت الثقافة الاستهلاكية الرقمية العديد من الكتاب الذين اكتفوا بالدور الرقمي المرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي لصالحها، وهذا مع فعلته مع العديد من القراء والنقاد الواعدين، إذ تحولت شريحة واسعة من هؤلاء إلى فعل استعراضي منتج في داخل دائرة الاستعراض نفسها، أما المؤسسة الثقافية نفسها فتحتاج إلى مأسسة أكبر تتحقق من خلالها استدامة أكبر لمشاريعها وتنويع أكبر في نشاطاتها، هذا على ما في هذه المؤسسة من فضائل لا بد من التنويه بها.

إلى أي حد نجح الأدب الأردني في إنتاج صوته الخاص عربيًا؟

- تتأتى خصوصية أدب أي دولة من طبيعة المجتمع وظروفه التاريخية فضلا عن لغته وموروثه. ولا شك أن للأدب الأردني سمعته المحترمة على المستوى العربي النابعة من طبيعة الإنتاج الأدبي في الأردن.

كيف غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي شكل الكتابة والنجومية الثقافية؟

- اتجه العديد من كتاب وسائل التواصل الاجتماعي إلى النصوص القصيرة، كالومضات الحكائية والتوقيعات نظرا لأن القارئ يريد أن يمضي وقتا أقصر في القراءة، والحقيقة أن مثل هذه النصوص يفترض أن تكون نابعة من ثقافة عميقة وتجربة أدبية عريضة، فقد اتجه ميخائيل نعيمة مثلا إلى مثل هذه الأشكال الأدبية في سياق تجربة واسعة لا تتوقف عند هذه النصوص. وكثير من الاقتباسات التي نجدها منتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي تنتمي أصلا إلى نصوص طويلة. على أن كل هذا لا ينفي أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في نشر النتاج الأدبي والفكري، فكثير من الأدباء والمفكرين يتخذون منها وسيلة للإعلام بنتاجهم. أما النجومية الثقافية حين تستند إلى وسائل التواصل الاجتماعي فتعتمد في كثير من الأحيان على عوامل غير أدبية أو ثقافية.

هل منحت المنصات الرقمية فرصة حقيقية للأصوات الجديدة، أم أنها كرّست ثقافة الضجيج السريع؟

- على الرغم من كل ما أشرت إليه سابقا يبقى للمنصات الرقمية ميزاتها، فهي منصات تفاعلية تترك المجال للتفاعل مع المتلقي الذي يصبح مرسلا قادرا على التصويب والإفادة والاختلاف. ولا شك أنها أفسحت المجال لظهور أصوات جديدة، غير أنها جعلت المتلقي أمام خيارات تلق سلبية في كثير من الأحيان.

أين يقف الناقد اليوم: مع النص، أم مع الاسم، أم بينهما بحذر؟

- لا يتحيز الناقد للأسماء إلا إذا أراد الانتفاع بها. الناقد الصادق يقف مع النص بما فيه من مظاهر جمالية ومرجعيات إنسانية.

ما الذي لم يجرؤ الأدب الأردني على قوله حتى الآن؟

- الأدب عادة يقول كل شيء بصور متعددة، فما لا يفصح عنه مباشرة يلمح إليه أو يتناوله من خلال أدواته العديدة.

أخيرًا... ما السؤال الذي ما تزال الثقافة الأردنية تخشى مواجهته؟

- لعل بنية الثقافة لم تواجه حتى الآن من خلال الممارسة الثقافية، إذ نجد أن شعارات الثقافة مختلفة عن السلوك الثقافي.

هل ثمة قطيعة معرفية حقيقية بين «جيل الرواد» والأجيال الشابة في الأردن، أم أن العلاقة لا تزال محكومة بالأبوية الثقافية التي تعيق التجديد؟

- ليس من السهل الحكم بوجود قطيعة معرفية في ظل وجود لغة وثقافة واحدة وتاريخ مشترك، فالناظر في إبداع الأجيال الشابة لا يجد فعلا تفكيكيا شاملا لما أنتجه جيل الرواد، بل إننا نجد قربا أكبر من المكان والريف والأدب الشعبي، والحقيقة أن هذا ما سنجده لدى عرار مثلا. ولعل من الضروري هنا الإشارة إلى أن الفعل الأبوي لا يمكن أن يكون حالة متمردة، فالأبوية دائما تقترن بالتقاليد وتملي الالتزام بها، ولو نظرنا إلى جيل الرواد لوجدنا لديهم تمردا أكبر مما سنجد لدى جيل الشباب على الرغم مما سنجد عند هذا الجيل من تأملات ونقد للواقع.

هل نجح النقد الأكاديمي الأردني في مغادرة أسوار الجامعات والاشتباك مع القضايا اليومية للمبدع والجمهور، أم أنه انكفأ على تنظيرات معزولة عن نبض الشارع الثقافي؟

- لا شك أن للنقد الأكاديمي أثرا في الحراك الثقافي الأردني، ومن الممكن أن تجد نماذج لأكاديميين أردنيين متفاعلين مع هذا الحراك، غير أنه من ناحية أخرى محكوم بقواعد الترقيات في الجامعات وشروط النشر في المجلات المحكمة التي تقتصر في تداولها على الأغلب بين الأكاديميين أنفسهم. فما بالك الآن والجامعات تشترط أصنافا محددة من المجلات لا تعتمد اللغة العربية في النشر. أتصور أن الأكاديمية تتجه نحو تجميد الفاعلية الثقافية باللهاث خلف المعايير الدولية وغياب الرؤية الوطنية المؤسسية.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم