في مسيرة الجامعات، لا تُقاس الإنجازات بعدد المؤتمرات التي تُنظَّم، ولا بحجم الاحتفالات والفعاليات التي تظهر بصورة لائقة، ولا بعدد الأنشطة التي تربط الجامعة بمحيطها المحلي فحسب؛ فالجامعة في جوهرها منظومة متكاملة، تقوم على العدالة الإدارية، وحسن توزيع الكفاءات، وصون الحقوق، وإدارة الموارد البشرية بما يخدم رسالتها الأكاديمية والإدارية قبل أي اعتبار آخر.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن بعض الملاحظات التي تُثار حول إدارة إحدى الجامعات الأردنية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقاصاً من الجهود التي بُذلت خلال المرحلة الماضية. فالجامعة شهدت تطوراً في عدد من المجالات، ونجحت إدارتها في تنظيم مؤتمرات وفعاليات أكاديمية، وأظهرت حضوراً في المناسبات الجامعية، كما كان لها دور في خدمة المجتمع المحلي، وهي جوانب تستحق التقدير متى كانت نتائجها ملموسة ومستدامة.
لكن النجاحات، مهما كانت مهمة، لا ينبغي أن تكون ستاراً يحجب الأسئلة المشروعة حول بعض القرارات الإدارية، خصوصاً عندما تتصل بإدارة الخبرات والكفاءات داخل المؤسسة. ومن أبرز ما يُتداول في هذا السياق ما يتعلق بنقل عدد من الكفاءات من المدرسة التابعة للجامعة إلى الدائرة المالية، وهنا يبرز سؤال مشروع: ما المبرر الإداري والمهني لنقل هذه الخبرات إلى الدائرة المالية؟ وهل ستبقى هذه الكفاءات في مواقعها الجديدة، أم أن الأمر قد يتوسع لاحقاً ليشمل نقل خبرات من الدائرة المالية إلى دوائر أخرى، بما قد يؤدي تدريجياً إلى إفراغ بعض الإدارات من عناصرها ذات الخبرة والتراكم المهني؟
إن المؤسسات الجامعية لا تبنى فقط بالمباني والأنظمة، وإنما أيضاً بالخبرات التي تراكمت عبر سنوات طويلة. والدائرة المالية، شأنها شأن أي إدارة متخصصة، تحتاج إلى كوادر تمتلك المعرفة الدقيقة بتفاصيل العمل، والأنظمة المالية، والإجراءات، وطبيعة الملفات التي تديرها. لذلك فإن أي حركة واسعة للخبرات بين الدوائر ينبغي أن تكون مبنية على دراسة واضحة للاحتياجات، وأن تراعي عدم إضعاف إدارة على حساب أخرى.
وتزداد أهمية هذا السؤال مع ما يُثار حول فتح مكتبين للمستشارين داخل الجامعة. فوجود المستشارين بحد ذاته ليس موضع اعتراض، متى كانت هناك حاجة فعلية إلى خبراتهم وكانت مهامهم واضحة ومحددة، لكن التوسع في إنشاء مكاتب استشارية وتعدد مواقعها قد يطرح تساؤلات حول طبيعة الهيكل الإداري، ومدى وضوح الصلاحيات، وتأثير ذلك في الإدارات القائمة.
فالإدارة الجامعية تحتاج إلى تسلسل واضح في المسؤوليات، وإلى أن تكون الدوائر صاحبة الاختصاص قادرة على القيام بدورها دون أن تتداخل معها مراكز استشارية متعددة أو تتوزع الصلاحيات بصورة قد تضعف القرار الإداري. وإذا أدى التوسع في مكاتب المستشارين إلى إضعاف الإدارات التنفيذية أو تقليص دور أصحاب الاختصاص فيها، فإن ذلك يستحق المراجعة، لأن المستشار يفترض أن يدعم الإدارة لا أن يحل محلها.
والأخطر من ذلك أن استمرار نقل الخبرات من دائرة إلى أخرى دون رؤية واضحة قد يقود، مع مرور الوقت، إلى ما يمكن وصفه بـ"هجرة الخبرات" من بعض الإدارات، ومنها الدائرة المالية، بحيث تفقد الإدارة جزءاً من ذاكرتها المؤسسية وقدرتها على إنجاز الملفات بكفاءة واستقرار.
فالخبرة ليست مجرد مسمى وظيفي يمكن نقله من مكتب إلى آخر، وإنما هي تراكم معرفي ومهني يحتاج إلى سنوات حتى يتشكل. وعندما تغادر الكفاءات مواقعها بصورة متكررة، فإن المؤسسة قد تحتاج إلى سنوات أخرى لإعادة بناء المستوى ذاته من الخبرة، وقد ينعكس ذلك على سرعة الإنجاز وجودة القرار.
والجامعة تشبه سفينة كبيرة؛ قد تبدو من الخارج في كامل اتزانها وهي تمضي نحو وجهتها، لكن سلامة الرحلة لا تعتمد على منظرها الخارجي وحده، وإنما على انتظام عمل كل جزء من أجزائها في الداخل. وأي خلل في توزيع الكفاءات أو تضخم غير مبرر في الهياكل الإدارية أو تداخل في الصلاحيات قد لا تظهر آثاره مباشرة، لكنه قد يترك مع الوقت أثراً على الأداء الأكاديمي والاستقرار المؤسسي.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس التشكيك في تجربة الجامعة ولا التقليل من إنجازاتها، وإنما فتح باب المراجعة الهادئة والشفافة للقرارات التي أثارت تساؤلات داخل الأوساط الجامعية، خصوصاً تلك المرتبطة بنقل الخبرات، وإعادة توزيع الكوادر، وإنشاء مكاتب استشارية جديدة.
وإذا كانت هذه الإجراءات تستند إلى الأنظمة والتعليمات والحاجة الفعلية، فإن توضيح أسبابها ومعاييرها للرأي العام والأسرة الجامعية سيعزز الثقة بالإدارة، ويضع حداً لأي تأويلات قد تنشأ حولها. فالشفافية لا تعني الاعتراف بوجود خطأ، وإنما تعني أن يكون القرار الإداري قابلاً للفهم والتفسير، وأن يعرف أصحاب العلاقة لماذا اتُّخذ وكيف سيخدم المصلحة المؤسسية.
إن قوة رئيس الجامعة لا تكمن في أن تخلو مسيرته من النقد، بل في قدرته على تحويل النقد إلى فرصة للمراجعة والتصحيح. والجامعة التي تريد أن تكون منارة للعلم والمعرفة عليها أن تجعل من الشفافية عنواناً لإدارتها، ومن العدالة معياراً لقراراتها، ومن الكفاءة أساساً لاختيار مواقع المسؤولية.
وفي النهاية، تبقى مصلحة الجامعة فوق الأشخاص والمواقع، لأن الجامعات لا تُبنى بالقرارات الفردية وحدها، وإنما بتراكم الثقة والعمل المؤسسي. وما دام الهدف هو حماية مسيرة الجامعة والحفاظ على ما تحقق فيها من نجاح، فإن مراجعة أي ملاحظات إدارية، مهما كان مصدرها، يجب ألا تُنظر إليها باعتبارها خصومة، بل باعتبارها جزءاً من مسؤولية مشتركة تجاه مؤسسة يفترض أن تبقى أكبر من الجميع.
فالجامعة القوية ليست تلك التي لا تُنتقد، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على الاستماع، والمراجعة، وتصحيح المسار عندما تقتضي المصلحة ذلك؛ لأن الحفاظ على الخبرات، وعدم إضعاف الإدارات، ووضع المستشارين في إطارهم الطبيعي، ليست تفاصيل إدارية هامشية، بل عناصر أساسية في بناء مؤسسة جامعية قادرة على الاستمرار والتطور.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين.
بقلم : حاتم القرعان
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن بعض الملاحظات التي تُثار حول إدارة إحدى الجامعات الأردنية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقاصاً من الجهود التي بُذلت خلال المرحلة الماضية. فالجامعة شهدت تطوراً في عدد من المجالات، ونجحت إدارتها في تنظيم مؤتمرات وفعاليات أكاديمية، وأظهرت حضوراً في المناسبات الجامعية، كما كان لها دور في خدمة المجتمع المحلي، وهي جوانب تستحق التقدير متى كانت نتائجها ملموسة ومستدامة.
لكن النجاحات، مهما كانت مهمة، لا ينبغي أن تكون ستاراً يحجب الأسئلة المشروعة حول بعض القرارات الإدارية، خصوصاً عندما تتصل بإدارة الخبرات والكفاءات داخل المؤسسة. ومن أبرز ما يُتداول في هذا السياق ما يتعلق بنقل عدد من الكفاءات من المدرسة التابعة للجامعة إلى الدائرة المالية، وهنا يبرز سؤال مشروع: ما المبرر الإداري والمهني لنقل هذه الخبرات إلى الدائرة المالية؟ وهل ستبقى هذه الكفاءات في مواقعها الجديدة، أم أن الأمر قد يتوسع لاحقاً ليشمل نقل خبرات من الدائرة المالية إلى دوائر أخرى، بما قد يؤدي تدريجياً إلى إفراغ بعض الإدارات من عناصرها ذات الخبرة والتراكم المهني؟
إن المؤسسات الجامعية لا تبنى فقط بالمباني والأنظمة، وإنما أيضاً بالخبرات التي تراكمت عبر سنوات طويلة. والدائرة المالية، شأنها شأن أي إدارة متخصصة، تحتاج إلى كوادر تمتلك المعرفة الدقيقة بتفاصيل العمل، والأنظمة المالية، والإجراءات، وطبيعة الملفات التي تديرها. لذلك فإن أي حركة واسعة للخبرات بين الدوائر ينبغي أن تكون مبنية على دراسة واضحة للاحتياجات، وأن تراعي عدم إضعاف إدارة على حساب أخرى.
وتزداد أهمية هذا السؤال مع ما يُثار حول فتح مكتبين للمستشارين داخل الجامعة. فوجود المستشارين بحد ذاته ليس موضع اعتراض، متى كانت هناك حاجة فعلية إلى خبراتهم وكانت مهامهم واضحة ومحددة، لكن التوسع في إنشاء مكاتب استشارية وتعدد مواقعها قد يطرح تساؤلات حول طبيعة الهيكل الإداري، ومدى وضوح الصلاحيات، وتأثير ذلك في الإدارات القائمة.
فالإدارة الجامعية تحتاج إلى تسلسل واضح في المسؤوليات، وإلى أن تكون الدوائر صاحبة الاختصاص قادرة على القيام بدورها دون أن تتداخل معها مراكز استشارية متعددة أو تتوزع الصلاحيات بصورة قد تضعف القرار الإداري. وإذا أدى التوسع في مكاتب المستشارين إلى إضعاف الإدارات التنفيذية أو تقليص دور أصحاب الاختصاص فيها، فإن ذلك يستحق المراجعة، لأن المستشار يفترض أن يدعم الإدارة لا أن يحل محلها.
والأخطر من ذلك أن استمرار نقل الخبرات من دائرة إلى أخرى دون رؤية واضحة قد يقود، مع مرور الوقت، إلى ما يمكن وصفه بـ"هجرة الخبرات" من بعض الإدارات، ومنها الدائرة المالية، بحيث تفقد الإدارة جزءاً من ذاكرتها المؤسسية وقدرتها على إنجاز الملفات بكفاءة واستقرار.
فالخبرة ليست مجرد مسمى وظيفي يمكن نقله من مكتب إلى آخر، وإنما هي تراكم معرفي ومهني يحتاج إلى سنوات حتى يتشكل. وعندما تغادر الكفاءات مواقعها بصورة متكررة، فإن المؤسسة قد تحتاج إلى سنوات أخرى لإعادة بناء المستوى ذاته من الخبرة، وقد ينعكس ذلك على سرعة الإنجاز وجودة القرار.
والجامعة تشبه سفينة كبيرة؛ قد تبدو من الخارج في كامل اتزانها وهي تمضي نحو وجهتها، لكن سلامة الرحلة لا تعتمد على منظرها الخارجي وحده، وإنما على انتظام عمل كل جزء من أجزائها في الداخل. وأي خلل في توزيع الكفاءات أو تضخم غير مبرر في الهياكل الإدارية أو تداخل في الصلاحيات قد لا تظهر آثاره مباشرة، لكنه قد يترك مع الوقت أثراً على الأداء الأكاديمي والاستقرار المؤسسي.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس التشكيك في تجربة الجامعة ولا التقليل من إنجازاتها، وإنما فتح باب المراجعة الهادئة والشفافة للقرارات التي أثارت تساؤلات داخل الأوساط الجامعية، خصوصاً تلك المرتبطة بنقل الخبرات، وإعادة توزيع الكوادر، وإنشاء مكاتب استشارية جديدة.
وإذا كانت هذه الإجراءات تستند إلى الأنظمة والتعليمات والحاجة الفعلية، فإن توضيح أسبابها ومعاييرها للرأي العام والأسرة الجامعية سيعزز الثقة بالإدارة، ويضع حداً لأي تأويلات قد تنشأ حولها. فالشفافية لا تعني الاعتراف بوجود خطأ، وإنما تعني أن يكون القرار الإداري قابلاً للفهم والتفسير، وأن يعرف أصحاب العلاقة لماذا اتُّخذ وكيف سيخدم المصلحة المؤسسية.
إن قوة رئيس الجامعة لا تكمن في أن تخلو مسيرته من النقد، بل في قدرته على تحويل النقد إلى فرصة للمراجعة والتصحيح. والجامعة التي تريد أن تكون منارة للعلم والمعرفة عليها أن تجعل من الشفافية عنواناً لإدارتها، ومن العدالة معياراً لقراراتها، ومن الكفاءة أساساً لاختيار مواقع المسؤولية.
وفي النهاية، تبقى مصلحة الجامعة فوق الأشخاص والمواقع، لأن الجامعات لا تُبنى بالقرارات الفردية وحدها، وإنما بتراكم الثقة والعمل المؤسسي. وما دام الهدف هو حماية مسيرة الجامعة والحفاظ على ما تحقق فيها من نجاح، فإن مراجعة أي ملاحظات إدارية، مهما كان مصدرها، يجب ألا تُنظر إليها باعتبارها خصومة، بل باعتبارها جزءاً من مسؤولية مشتركة تجاه مؤسسة يفترض أن تبقى أكبر من الجميع.
فالجامعة القوية ليست تلك التي لا تُنتقد، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على الاستماع، والمراجعة، وتصحيح المسار عندما تقتضي المصلحة ذلك؛ لأن الحفاظ على الخبرات، وعدم إضعاف الإدارات، ووضع المستشارين في إطارهم الطبيعي، ليست تفاصيل إدارية هامشية، بل عناصر أساسية في بناء مؤسسة جامعية قادرة على الاستمرار والتطور.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين.
بقلم : حاتم القرعان
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات