رحيل الباحث أحمد شريف الزعبي .. حارس الذاكرة الشعبية الأردنية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 29407
رحيل الباحث أحمد شريف الزعبي ..  حارس الذاكرة الشعبية الأردنية

سرايا - غيّب الموت، اليوم، الباحث في التراث الشعبي الأردني الدكتور أحمد شريف الزعبي، تاركًا وراءه مشروعًا بحثيًا وثقافيًا واسعًا انشغل على مدى عقود بجمع مفردات الذاكرة الشعبية الأردنية وتوثيقها، وتحويل ما بقي منها في الذاكرة الشفوية إلى مادة مكتوبة تحفظ للأجيال جانبًا أصيلًا من تاريخ المجتمع الأردني وثقافته.

ولم يكن الزعبي باحثًا يكتفي بالنظر إلى التراث من مسافة أكاديمية، بل اقترب منه بوصفه حياةً كاملة؛ في الأغنية والحكاية والمثل واللهجة والعادة والطقس والحرفة واللعبة والطعام، وفي تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو عابرة، لكنها في ميزان الذاكرة تشكل ملامح الهوية.

ولد الدكتور أحمد شريف عيسى الزعبي عام 1947 في بلدة خرجا بلواء بني كنانة، وحصل على بكالوريوس التاريخ من جامعة دمشق عام 1970، ودبلوم الدراسات الاجتماعية من جامعة اليرموك، ثم الماجستير في الدراسات الاجتماعية عام 1990، والدكتوراه في مناهج وطرق تدريس الاجتماعيات من جامعة أم درمان عام 1997. وعمل في وزارة التربية والتعليم معلمًا ومديرًا لعدد من المدارس، ثم مشرفًا ورئيسًا لقسم الإشراف التربوي، وتولى مواقع إدارية تربوية، منها مدير التربية والتعليم لقصبة المفرق ومدير التربية والتعليم لمنطقة إربد الأولى.

غير أن مساره الأبرز ظل متصلًا بالتراث الشعبي، إذ تحولت خبرته التربوية ومعرفته بالتاريخ والمجتمع إلى مشروع بحثي طويل النفس، اعتمد فيه على الرواية الشفوية، ومقابلة كبار السن، وتتبع المراجع والمصادر، ورصد المفردات والممارسات في بيئاتها المحلية. وكان يرى في التراث أكثر من مادة للماضي؛ رآه سجلًا لتفاعل الإنسان مع بيئته، وذاكرةً تحفظ خصوصية المجتمع وهويته.

وترك الزعبي مجموعة من الكتب التي كرست اسمه واحدًا من أبرز الباحثين الأردنيين في هذا المجال، من بينها «حكايات شعبية أردنية»، و«الأغاني الشعبية الأردنية»، و«مضافات وتعاليل»، و«الألعاب الشعبية الأردنية»، و«الحيوانات الأليفة والبرية في التراث الشعبي الأردني»، إلى جانب «معجم اللهجة الحورانية». كما تناول في أعمال أخرى الطعام والطب الشعبي، والجيش العربي، وقضايا ومناسبات وأحداثًا من الذاكرة الشعبية الأردنية.

وفي «الأغاني الشعبية الأردنية» انصرف الزعبي إلى واحد من أكثر عناصر الذاكرة الشعبية تعرضًا للاندثار؛ إذ عمل على توثيق الأغنية بوصفها وثيقة اجتماعية تحفظ أصوات الناس ومناسباتهم وطقوسهم وتعبيراتهم. وقد وصف الباحثون الكتاب بأنه جهد رائد في مجاله، لما تضمنه من مادة تسهم في حفظ هذا الموروث من الضياع.

أما «معجم اللهجة الحورانية»، الذي صدر عام 2020، فضم نحو عشرة آلاف مفردة ذات معنى أو دلالة أو كناية، في محاولة لتوثيق اللهجة المحكية ووضعها في سياقها العربي والتاريخي، وبيان صلاتها بالفصحى وتعدد روافدها. وقد أكد الزعبي أن هدفه كان تقديم وثيقة لغوية تكون مرجعًا للباحثين والدارسين في اللغة واللهجات.

وفي كتاب «الحيوانات الأليفة والبرية في التراث الشعبي الأردني»، الذي أدرجته وزارة الثقافة ضمن إصدارات مكتبة الأسرة الأردنية، تابع حضور الحيوان في المخيال والموروث الشعبي، بما يحمله من دلالات متصلة بحياة الناس وبيئتهم ومعارفهم.

غير أن ذروة مشروعه البحثي جاءت في «الموسوعة في التراث الشعبي الأردني»، التي صدرت عن سلسلة «فكر ومعرفة» في وزارة الثقافة، وجاءت في 762 صفحة موزعة على ستة أبواب، تناولت العادات والتقاليد الأردنية، والأدب الشعبي، وأشكال التعبير الثقافي والفنون الشعبية وتقاليد أداء العروض، والحرف والصناعات والمهن التقليدية، والمعارف المتعلقة بالطبيعة والكون، إضافة إلى التراث المادي.

وقد بدت الموسوعة، في مشروع الزعبي، أشبه بخلاصة عمر بحثي طويل؛ فهي لا تتوقف عند تسجيل الظاهرة التراثية، وإنما تحاول تفسيرها في ضوء البيئة والحياة اليومية، وتتنقل بين البادية والريف والمدن، وبين شمال الأردن وجنوبه، لتقدم صورة واسعة عن تنوع الموروث الأردني وتعدد تجلياته.

وعند إشهار الموسوعة في رابطة الكتاب الأردنيين عام 2024، أكدت وزيرة الثقافة آنذاك هيفاء النجار أهمية توثيق التراث الأردني وصونه من الضياع، فيما رأى الباحث الدكتور مجد الدين خمش أن العمل يشكل قاعدة معرفية يمكن أن يعتمد عليها الباحثون في الأنثروبولوجيا، نظرًا لما يجمعه من تفاصيل الحياة الشعبية ومكوناتها.

وكان الزعبي نفسه يلخص فلسفته في البحث بالتراث من خلال رؤيته له باعتباره حافظًا للهوية الوطنية، مؤكدًا أن التراث هو ما ورثه الناس عن أجدادهم، ماديًا كان أم ثقافيًا غير مادي، وأنه يمثل سجلًا للأحداث الاجتماعية وأشكال الحياة الإنسانية.

ولم يكن مشروعه البحثي منفصلًا عن المكان؛ فقد كان ابن بيئته وذاكرتها، يستعيد من القرى والبلدات والأغوار والبادية مفردات ظلت عالقة في الذاكرة قبل أن يهددها تبدل أنماط الحياة. ومن هنا جاءت عنايته باللهجة والأغنية والحكاية والمضافة واللعبة والطعام والطب الشعبي، باعتبارها جميعًا أجزاء من منظومة واحدة هي حياة الناس.

وبوفاته، يخسر المشهد الثقافي الأردني باحثًا جعل من التراث الشعبي قضية معرفية لا مجرد مادة فولكلورية، وكرّس سنواته لجمع ما يتسرب من الذاكرة قبل أن يطويه النسيان. غير أن ما جمعه ودوّنه سيبقى شاهدًا على جيل من الأردنيين وعلى تفاصيل حياتهم، وعلى باحث أدرك مبكرًا أن الذاكرة إذا لم تُكتب، قد تمضي بصمت؛ وأن ما لا يُوثّق اليوم، قد يصبح غدًا مجرد حكاية بلا شاهد.

رحل أحمد شريف الزعبي، لكن «المضافة» التي بناها في الكتب ستظل مفتوحة؛ يدخلها الباحثون من أبواب اللهجة والأغنية والحكاية والعادة والمهنة والطعام، ويجدون فيها شيئًا من الأردن الذي كان، والأردن الذي ما زال يسكن الذاكرة.

 

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم