د. هاني حسين العويدات يكتب: تسجيل المكالمات الهاتفية: بين الإباحة والتجريم

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 19894
د. هاني حسين العويدات يكتب: تسجيل المكالمات الهاتفية: بين الإباحة والتجريم
العميد المتقاعد د. هاني حسين العويدات

العميد المتقاعد د. هاني حسين العويدات


دخل الناس في هذه الأيام في جدال حول مدى شرعية تسجيل المكالمات الهاتفية ومدى اعتبارها جريمة، واختلفوا حول إمكانية الاعتماد عليه كدليل لتقديمه في المحاكم، واستغل البعض هذه الطريقة في نشر تسجيلات للغير عبر منصات التواصل الاجتماعي لأهداف شخصية، ورأى القلة ان الفعل وسيلة لحفظ وقائع لاستخدامها عند الحاجة في حال حصل خلاف مع الطرف الاخر، بينما استهجن معظم الناس هذه الطريقة في فضح مكالمتهم الخاصة.



بدايةّ، تعتبر المكالمات الهاتفية من الاعمال التي تشملها حياتنا الخاصة، والخصوصية حق أساسي، ومبدأ مسلم به، كرّسه ديننا الحنيف ونص عليه دستورنا وقوانيننا الوطنية، ويتسع هذا الحق ليشمل سرية بياناتنا الشخصية الا ما اعلنّا عنها للعامة، وأنشطتنا الشخصية الا ما مارسناها بالعلن امام الغير، ومساحتنا الشخصية في المسكن والمذكرات والمراسلات وغيرها والتي نرغب ان نعيشها بعيداً عن الاستباحة او التصوير واستراق النظر او السمع.


ويشمل الحق في الخصوصية المكالمات الهاتفية التي نجريها مع الاخرين شأنها شأن المذكرات الشخصية والمراسلات البريدية والبريد الالكتروني، ولا يهم في المكالمات ان تكون عبر الهاتف بل يمتد مفهومها ليشمل المكالمات الصوتية ومكالمات الفيديو التي نقوم بها عبر الشبكة العنكبوتية من خلال التطبيقات الذكية.


ويضمن هذا الحق ان تكون مكالماتنا بعيدة عن المراقبة او التصنت او التسجيل، فلو علمنا مسبقاً انها مراقبة لما اجريناها ولو اجريناها لكنا حذرين فيما نقول لعدم شعورنا بالراحة حتى لو كان الطرف المقابل في المكالمة شخصٌ قريب او صديقٌ حميم، فتطبيق هذا المبدأ هو مصدر اطمئنان لكل فرد في المجتمع في ان يعيش حياته بهدوء وسلام دون ازعاج او تطفل.


وقد أحاط ديننا الحنيف الأحاديث التي تُجرى في المجالس بالحماية فقد رُوي عن أحمدُ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المجالس بالأمانة، إلا ثلاثة مجالس: مجلس يُسفَك فيه دم حرام، ومجلس يُستحَلُّ فيه فَرْجٌ حرام، ومجلس يُستحَلُّ فيه مالٌ من غير حقٍّ" وهذا الحديث حسن وصححه الامام الألباني، ومعنى "المجالس بالأمانة"، ان على أهل المجلس أن يحفظوا سرَّ أهل المجلس، ولا يُفشُون ما جرى في المجلس من الأحاديث، ويُقاس على هذه الأحاديث المكالمات الهاتفية.


كما أحاط مشرعنا في المادة (18) من الدستور المكالمات الهاتفية بالحماية الدستورية بان لا تخضع للمراقبة أو الاطلاع أو التوقيف أو المصادرة إلا بأمر قضائي وفق أحكام القانون، وجاء قانون العقوبات ليكرس ذلك في المادة (348 مكررة) بتجريم خرق الحياة الخاصة للآخرين باستراق السمع أو البصر بأي وسيلة كانت بما في ذلك التسجيل الصوتي.


وفي قانون الاتصالات وفي المادة (56) اعتبر المكالمات الهاتفية والاتصالات الخاصة من الأمور السرية التي لا يجوز انتهاك حرمتها وذلك تحت طائلة المسؤولية القانونية، وجاء قانون الجرائم الالكترونية ليعاقب في المادة (7) على اعتراض خط سير البيانات او اعاقتها او تحويرها او شطبها او تسجيلها دون وجه حق وشدد العقوبة عند افشائها، وحصر قانون أصول المحاكمات الجزائية حق الاطلاع على تسجيلات المكالمات الهاتفية بالنيابة العامة بأن للمدعي العام فقط الحق مراقبة المكالمات الهاتفية ومنع أي جهة أخرى من تسجيل تلك المكالمات أو الاطلاع عليها وفق المادة (88).


وتسجيل المكالمة بالتصنت او المراقبة او بالاعتراض فعلٌ مجرّم ومعاقب عليه لان مناط التجريم هنا هو انتهاك الجاني مساحة المجني عليه الخاصة دون علمه ودون موافقته بأفعال غير مشروعة فيها من الخسة والدناءة ما يترفع الانسان عن القيام بها، وهذه الأفعال تنتهك الخصوصية وتُعدم سلطة الفاعل في تسجيلها فتحول فعله الى فعل غير مشروع، ويتطلب ملاحقة الفاعل كذلك اثبات عناصر أخرى تطلبها المشرع في مواد التجريم لاعتبار فعله غير مباح.


اما تسجيل المكالمات من قبل أحد المتصلين الذي هو طرف في المكالمة فهو فعلٌ غير مجرّم لعدة أسباب، اولها عدم تجريم الفعل ابتداءً، فلا يوجد نص قانوني يجرم التسجيل من أحد المتصلين، كما ان الشخص كان ضمن المساحة الشخصية للطرف الاخر فهو لم يخترق حياته الخاصة ولم يتطفل عليها والمكالمة تمت بموافقتهما، كما ان بعض الهواتف لديها تطبيقات تُسجل المكالمات بشكل تلقائي دون علم صاحب الهاتف لان بعض الدول تبيح التسجيل حتى لو دون موافقة المتصل الآخر.


والنتيجة ان فعل تسجيل المكالمات لا يزال ضمن دائرة الاباحة في الاردن حتى وان كان غير أخلاقي ويرفضه الدين ويتعارض مع الحق في الخصوصية الذي جاء به الدستور، فالقوانين الجنائية وان جرّمت العديد من الأفعال التي تنتهك الحق في الخصوصية، الا انها لا تستطيع الاحاطة بكل الأفعال غير الأخلاقية التي تستهدفه، وهذه الاباحة تستدعي عدم ملاحقة من سجّل المكالمة اثناء الاتصال مع متصل آخر.


ورغم عدم تجريم التسجيل من أحد طرفي المكالمة الا انه يترتب على تقديم هذا التسجيل الى القضاء كدليل، رفضه وعدم الاستناد اليه نظراً لتعارضه مع الحق في الخصوصية وبسبب عدم موافقة المتصل الاخر على عملية التسجيل واستنباط الدليل يجب ان يكون بطريقة مشروعة وعدم المشروعية تُفقد الدليل قيمته وتجعله غير مقبول في الاثبات.


ويعتبر إسماع الغير المكالمة بين المتصلين اثناء اجرائها من خلال فتح أحد المتصلين السماعة الخارجية ليسمعها شخص ثالث - ليس من ضمن المتصلين- ودون موافقة الطرف الاخر في المكالمة انتهاك ايضاً لسرية المكالمات، وان كان الفعل غير مجرّم لكنه يتعارض مع الحق في الخصوصية في ان لا يسمع احدٌ المكالمات دون اذن صاحبها، وينطبق عليه ما ينطبق على دليل تسجيل المكالمات من حيث عدم شرعيته، واعتبار الشهادة السماعية التي تُبنى عليه غير مقبولة.


وفي النهاية نحمد الله على نور الإسلام الذي جعل الامانة ليست فقط بالدينار والدرهم، وتحية لقضائنا النزيه وميزان عدالتنا الذي حفظ الحقوق وأرسى مبادئ العدل، واُذكر ان على المرء ان يعلم ان الخصومة بشرف من خصائل الفرسان وخيانة الأمانة في المكالمات ليست من هذه الخصال.


العميد المتقاعد هاني حسين العويدات
دكتوراة القانون الجنائي
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم