عمر النادي يكتب: الأردن أولاً: حين يصبح الانقسام الداخلي أخطر من كل رهانات الخارج.

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7485
عمر النادي يكتب: الأردن أولاً: حين يصبح الانقسام الداخلي أخطر من كل رهانات الخارج.
عمر النادي

عمر النادي

هناك بصمات وغايات للاستخبارات الإسرائيلية، ومنها الوحدة 8200، تبدو واضحة في كثير من أساليب الحرب النفسية وصناعة الاستقطاب في المنطقة، لكن ذلك لا ينبغي أن يقودنا إلى إغفال مسؤوليتنا الداخلية، أو إلى اعتبار كل صوت مختلف عميلاً أو أداة بيد جهة خارجية.

ما يدعو إلى القلق في الأردن هو ظهور أصوات تقدم نفسها بوصفها وطنية ومثقفة، لكنها تنزلق إلى خطاب عنصري وإقصائي، وتوجه سهامها إلى المواطنين البسطاء من كلا المكونين: الأردنيين من أصول شرق أردنية والأردنيين من أصول فلسطينية. وهذه الأصوات، التي تجد في التناقضات الاجتماعية والسياسية طريقاً إلى الشهرة والانتشار، قد تصبح أخطر من مجرد ظاهرة عابرة؛ لأنها تساهم في تحويل الاختلاف الطبيعي داخل المجتمع إلى خصومة وعداء.

ولا يمكن مواجهة هذا الخطاب باتهامات مقابلة أو بخطاب إقصائي من الطرف الآخر. فالمشكلة ليست في اختلاف الآراء، ولا في النقد السياسي، وإنما في تحويل الأصل والمنبت إلى معيار للحكم على وطنية الإنسان وانتمائه وحقوقه. ومن المؤسف أن نرى بعض الأصوات، من هذا الجانب أو ذاك، تصب جام غضبها على الطرف الآخر، وكأن الأردن ميدان صراع بين مكونين، لا وطناً واحداً لمواطنيه جميعاً.

لقد أثبتت تجارب المنطقة أن المجتمعات تصبح أكثر هشاشة عندما تُستبدل الهوية الوطنية الجامعة بالهويات الفرعية، وعندما تتحول المناطقية والطائفية والمذهبية والأصول والمنابت إلى أدوات للتعبئة والتحريض. وفي ظل ضعف الوعي وانتشار المعلومات المضللة وسرعة انتشار خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تصبح الأرض أكثر خصوبة لأي جهة تريد الاستثمار في تناقضات المجتمع.

ومن هنا، فإن تداول مصطلحات مثل «المتجنسين» أو غيرها، عندما يُستخدم للتشكيك في انتماء فئة من الأردنيين أو وضعها في خانة مختلفة عن بقية المواطنين، أمر بالغ الخطورة. فالمواطنة لا ينبغي أن تكون درجات، والانتماء إلى الأردن لا يُقاس بأصل العائلة أو مكان قدوم الأجداد، وإنما بالمواطنة والالتزام بالقانون والحرص على مصلحة الوطن.

ولا يجوز، في المقابل، أن تتحول مواجهة هذا الخطاب إلى اتهام جماعي لكل من ينتقد أو يختلف، أو إلى ذريعة لإسكات الرأي الآخر. المطلوب هو تحصين المجتمع بالوعي، ومواجهة خطاب الكراهية بالحجة، وكشف التضليل بالمعلومة، ومحاسبة من يحرض على العنف أو التمييز وفق القانون، أياً كان انتماؤه أو موقعه.

إن أخطر ما يمكن أن يقدمه أي طرف معادٍ للأردن هو أن ينجح الأردنيون في النظر إلى بعضهم بوصفهم خصوماً. ولذلك فإن أفضل رد على أي محاولة خارجية لاستثمار الانقسامات الداخلية هو أن نرفض نحن، بإرادتنا ووعينا، أن نكون وقوداً لها.

الأردن ليس شرق أردنيين وفلسطينيين، وليس مجموعات متنافسة على الوطن؛ الأردن دولة ومجتمع ومصير مشترك. وأمنه واستقراره لا يحميهما خطاب المزاودة على الوطنية، بل يحميهما العدل والمواطنة والوعي واحترام التنوع والتمسك بالهوية الوطنية الجامعة.

ومن واجب كل وطني، أياً كان أصله ومنبته، أن يرفض التحريض والإقصاء والعنصرية، وأن يدرك أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة اجتماعية، وأن الدفاع عن الأردن لا يكون بإضعاف وحدته الداخلية.

إن أقوى رسالة يمكن أن يوجهها الأردنيون لأي جهة تراهن على انقسامهم هي ببساطة: لن نكون طرفاً في صراع يصنعه غيرنا، ولن نسمح بأن يتحول اختلافنا إلى عداء، وسيبقى الأردن وطناً واحداً لجميع أبنائه.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم